• 6 حزيران 2023
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : أحمد صيام  

في الوقت الذي عززت فيه حركة حماس سيطرتها على قطاع غزة عام 2007 بعد أحداث دامية وحملة من الإقصاء مارستها بحق القوى الأخرى ، ممن "يعتنقون" أيديولوجيات مختلفة ، احداث أطلق عليها مسميات مختلفة : ( انقلاب ، انقسام ، تمرد .. وغيرها ) ، رفعت حماس شعار " المقاومة والتحرير ومقارعة الاحتلال بشتى الوسائل !! ويمكن اعتباره باكورة ما أطلق عليه " الربيع العربي " ، ومع بدء حكمها للقطاع أغلقت أفواه جميع المنتقدين لسياساتها ، تارة بتكفيرهم ، وتارة اتهامهم بالتواطؤ مع الاحتلال ، واقوى الاتهامات كانت ما يطلق عليه التنسيق الأمني والمدني ، وحتى من يحمل ذات الايديولوجية الحمساوية لكنه غير راض عن بعض سياساتها راح ضحية معمعان سياسة الأمر الواقع الذي تمارسه وشيع بعد ان قضى " في مهمة جهادية " حسب ادعاءات المتنفذين الحمساويين !! 

استغلت حركة حماس انسحاب الاحتلال من القطاع عام 2005 واخلائه للمستوطنات المقامة على أرضه ، أحسن استغلال ، و شرعت بإعداد العدة مع تنصيب محمود عباس رئيسا للسلطة الوطنية الفلسطينية بعد فوزه بانتخابات جرت في الضفة الغربية وقطاع غزة ، لتنفيذ ما كانت تصبو اليه وهو بسط سيطرتها على القطاع !! وكانت اولى الخطوات الفوز بانتخابات المجلس التشريعي التي جرت عام 2006 وترؤس الحكومة الفلسطينية بقيادة إسماعيل هنية ، لكنها لم تدم طويلا لفشلها في قيادة دفة الأمور وتوفير الحد الادنى من العيش الكريم للمواطنين ، وتذمر الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني من سياستها الإقصائية التي مورست بحق الأيديولوجيات الاخرى . 

ويمكن القول ان فوز حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006  لم يأت من التأييد المطلق للشارع الفلسطيني لها ، لكنه كان نكاية بالمتنفذين في حركة فتح الذين اساؤا ادارة الامور وأشاعوا الفساد وحرصوا على تسمين مصالحهم الذاتية وذويهم ، ومن ثم رغبة الشارع الفلسطيني في التغيير، بما يمكن أن نصفه أنه توسم بعض الخير من "عبدة الله" او ما اطلق عليهم "وكلاء الله في الأرض " بعد ان جرب "عبدة الجاه والذات" او ما اطلق عليهم " وكلاء الشيطان "  . 

الاحتلال بدوره استغل الانقسام الفكري في الشارع الفلسطيني احسن استغلال ، ولم يكن خالي الشهوة من سيطرة حماس على القطاع ، ان لم يكن قد سهل وسخر بعض الوسائل لها !! وكان من دون شك يملك المعلومات الاستخبارية التي توحي الى ذلك لكنه لم يبلغ السلطة الفلسطينية بها لان في غاياته مآرب عديدة تفيده في تنفيذ مخططاته بحق الأرض والشعب الفلسطيني ، وأهمها فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية للحيلولة دون تنفيذ حل دولة فلسطينية ، وفي مقدمة هذه الغايات المشبوهة ، استغلال اتهام حماس بما يسمى " الإرهاب " واتخاذه مبررا وذريعة تدفعه الى شن حروب وارتكاب مجازر بحق الغزيين وعموم أبناء الشعب الفلسطيني ، ومن قبل إضعاف السلطة الفلسطينية في الضفة والتي لم يكن لها حول ولا قوة في إيقاف مخططات الاحتلال !! وهنا لا بد من القول ان ممارسات خاطئة من السلطة في الضفة واجهزتها الامنية والمدنية متنفذين بحركة فتح ، سواءا بقصد أو عن غير قصد ، ساعدت الاحتلال في الوصول إلى مبتغاه . 

باكورة المخططات الاسرائيلية واستغلال الحالة الفلسطينية الانقسامية ورفض المجتمع الدولي ودول الجوار لسيطرة حركة حماس على القطاع ، كان اعتبار قطاع غزة كيانا ذات سيادة لكنه معاديا ، تبعه سلسلة من الغارات الوحشية والحروب المتقطعة على قطاع غزة بذريعة ما كان يطلق عليه الاحتلال " محاربة الإرهاب " وإيقاف ما وصف في حينه " إطلاق الصواريخ " والتي لم تكن سوى مواسير مصنعه محليا ذات جودة ضعيفة للغاية تحمل في ثناياها بعض المتفجرات !! 

سبعة حروب شهدها قطاع غزة بين أعوام 2008 و 2023 ، استهدفت تارة حركة حماس وتارة اخرى حركة الجهاد الإسلامي ، ولكن كان ضحيتها آلاف من الابرياء العزل ومسحت عائلات من السجل المدني وهدمت خلالها مئات الأبنية والأبراج السكنية عن بكرة أبيها ، وزادت من سوء الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية بين سكان القطاع ، ناهيك عن الحصار البري والبحري والجوي على القطاع . 

من دون شك أن الاحتلال زارع بذرة الانقسام ، يناسبه جدا الوضع الفلسطيني الراهن للمضي قدما في تحقيق أهدافه التي فشل مرات عدة في تحقيقها ، ويعمل على استمراره وتحويله الى وضع دائم ، وما استهدافه وعدوانه المستمر على كلا من قطاع غزة والضفة الغربية الا محاولات ضغط يمارسها الاحتلال لترويض السلطة الفلسطينية في الضفة وسلطة حماس في القطاع للاستجابة الإملاءات والشروط الإسرائيلية.

مع اختلاف الوضع ما بين الضفة الغربية التي يحكم الرئيس محمود عباس قبضته عليها ، وقطاع غزة التي تحكم حماس قبضتها عليه ، حيث مسارين مختلفين بالنهج والتطبيق ، الأول يسير ضمن دائرة الإصرار على التمسك ما بات يطلق عليه "الشرعية الدولية" والحفاظ على المكتسبات ولو بحدها الادنى وتحرك دبلوماسي لالزام سلطات الاحتلال التقيد بالقوانين والأعراف والاتفاقيات الدولية والتصدي لاجراءات سلطات الاحتلال والمستوطنين التعسفية بعيدا عن اللجوء الى التصدي المسلح والإلحاح على ضرورة توفير الحماية الدولية . 

المتتبع للسياسة الاسرائيلية يرى ان هذا التوجه يؤرق دولة الكيان ويضعها في حرج امام المجتمع الدولي الذي ينظر اليها كدولة ديموقراطية فيما اجراءاتها التعسفية تنفي هذا الادعاء جملة وتفصيلا ، ومع ذلك ورغم الأرق الذي تسببه سياسة الرئيس ابو مازن الا ان سلطات الاحتلال تجدها مقبولة لتمسكها بالنهج السلمي ، وفي الوقت نفسه تحللها من المسؤوليات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية في المناطق التي تقع ضمن مسؤوليات السلطة الفلسطينية ، وتبقي منها فريسة سهلة تلتهمها حين تشاء ، دون إخفاء امتعاضها من رفض الرئيس ابو مازن والقيادة الفلسطينية الاعتراف بيهودية الدولة ، واخيرا تمسكه بالحق بالمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وفي مقدمتها حائط البراق او ما يطلقون عليه " حائط المبكى ، او الحائط الغربي " ، واصراره على عدم التخلي عن الوفاء للاسرى ودفع استحقاقاتهم المالية سواءا المحررين منهم ، ام الذين ما زالوا يكابدون ويلات الجلاد . 

وعلى الجانب الآخر، لا تكف دولة الاحتلال عن توجيه ضرباتها العدوانية و حصارها الجائر على قطاع غزة ، تحت ذريعة سيطرة حركة حماس عليه ، وتهديدها للأمن الاسرائيلي ، والاصرار على اعتبار القطاع كيان مستقل معادي لدولة الكيان ، والإبقاء عليه مسرحا للغارات العدوانية ، حال واصلت حماس تطوير اسلحتها واستهداف المدنيين بشكل مباشر ومن ثم الاجنحة المسلحة لإبقائها ضعيفة غير قادرة على تهديد دولة الكيان ، والتخفيف عنها عبر المنفذ القطري ، لأجل ترويض الحركة وسائر ما تطلق على نفسها حركات المقاومة في قطاع غزة دون ان تكون معنية او تعمل بشكل جدي للاطاحة بسلطة حماس حتى لا ينتهي الانقسام ، وهو ما بدى واضحا في العدوان الأخير على القطاع والذي استهدف حركة الجهاد الإسلامي وقياداتها ، حيث وقفت حركة حماس على الحياد وذلك ضمن مساعيها الابتعاد عن المواجهة المباشرة مع الاحتلال كشكل من اشكال حسن النوايا لديها لنيل الاعتراف بها ممثلا للشعب الفلسطيني بدلا من منظمة التحرير الفلسطينية المتآكلة ، و الاستئثار بحكم قطاع غزة دون منافس . 

في المحصلة فإن استمرار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة ، حيث سلطة غير قادرة على تحقيق أحلام شعبها والوفاء بالتزاماتها ، فساد ينخر عظامها في الضفة ، واخرى ضعيفة تكرس جهدها لاحكام قبضتها على قطاع غزة والاستئثار به مهما كلف الامر دون وازع او رادع ، ولكل منهما أجندته الخاصة وهمهما الاول مناكفة بعضهما البعض وكيل الاتهامات ، دون الالتفات الى مصالح الاغلبية البسيطة الصامتة من الشعب ، والمصلحة الوطنية العليا ، رغم لقاءات متعددة و حوارات وجدالات اغلبها كانت "بيزنطية" للمصالحة  باءت بالفشل لتعنت كل جهة برأيها ، فيما دولة الاحتلال تغذي الانقسام وتدفع باتجاه ديمومته واللعب عليه ، ضمن سياسة " فرق تسد " وابقاء السلطتين ضعيفتين منهكتين وتحت رحمتها وخلق الازمات الاجتماعية والاقتصادية لهما والهائهما بها ، ومن ثم العطف عليهما بتقديم القليل من المساعدات لأجل تحسين الصورة أمام المجتمع الدولي ، وفي الوقت نفسه ، مواصلة تنفيذ المخططات التهويدية وصولا الى تحقيق حلم ما يسمى " إسرائيل الكبرى " على أرض فلسطينية دون الالتزام بمسؤوليات يفرضها القانون الدولي على سكانها الفلسطينيين ، لوجود سلطتين تقوم بدورهما حتى لو كان معدوما او رمزيا !! 

ستة عشر عاما من الانقسام ، والاستمرار بسلطتين فاشلتين الى حد كبير، وجودها محفوف بالمخاطر لأنه مرهون برضى اسرائيلي مؤقت وغير دائم ، الى حين تحقيق الحلم الكبير الذي يصبو اليه محتل يعمل لأجل قضيته بكل تفان ، فيما صاحب الأرض الأصلي يرفع شعار التمسك بحقوقه دون فعل حقيقي يوحي الى ذلك لانه يدور في دوامة الذاتية الفئوية دون الالتفات الى المصلحة الوطنية العليا ، والشعب تائه ولا زال يدفع ثمن هذا الانقسام البغيض