- 26 حزيران 2023
- أقلام مقدسية
بقلم : أحمد صيام
أمام إرهاب المستوطنين المتصاعد بحق أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل في مدن وقرى الضفة الغربية ، والممارسات الرسمية الإسرائيلية من ابتلاع اراض وضمها وتوسع واستيطان ، واستباحة مناطق امتياز السلطة الفلسطينية المعروفة باسم ( A ) بشكل شبه يومي وتنفيذ اغتيالات بحق شبان في مقتبل العمر تحت ذرائع "امنية" واهية لا تصل عقوبتها ( ان جازت العقوبة عليها ) الى القتل عن سبق الإصرار والترصد ، والتي يتضح منها انتهاج قواعد جديدة في اللعبة لم تكن أجهزة أمن الاحتلال تتبعها سابقا ، خاصة فيما يتعلق بالاغتيالات من خلال القصف بالطائرات ، وحصار السلطة الفلسطينية ماليا واحتجاز أموالها في محاولة خنقها اقتصاديا وإظهارها بمظهر العاجز عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه الشعب ، والاقتحامات الاستفزازية للأماكن المقدسة في القدس الشريف وعلى رأسها المسجد الاقصى المبارك ، والاعلانات الكثيرة عن نوايا سلطات الاحتلال تحقيق احلامها في احد أكثر الأماكن قدسية للمسلمين ، والالتفاف على الوصاية الهاشمية ، وغيرها من الممارسات المخالفة لكافة القوانين والأعراف والشرائع الدولية .
أمام هذه المعطيات ، والتي كان لها الأثر الكبير في حشر السلطة الفلسطينية بالزاوية ، وإظهارها بمظهر العاجز المريض ، إلى درجة الفشل في معالجة ما يتعرض له شعبها ، والاكتفاء ببيانات الغضب والشجب ، وعمل دبلوماسي غير مجدي حتى اللحظة ، وأمام مجتمع دولي يكيل بمكيالين وبات لا يضع القضية الفلسطينية ضمن سلم أولوياته ، حيث يصب اهتمامه للحرب الروسية الاوكرانية والملف الإيراني النووي والانشغالات الداخلية له ، ويكتفي هو الاخر ببيانات الادانة والاستنكار والتي لا تغني ولا تسمن جوع ، ومطالبات خجولة وغير ملزمة لسلطات الاحتلال باحترام القوانين الدولية وكبح جماح المستوطنين ، دون وسمهم بصفة الإرهابيين ، لادراكه ان هؤلاء الذين تدل اعمالهم الوحشية على همجيتهم وبربريتهم وارهابهم والتي فاقت ممارسات المغول والنازية والفاشية ، بحق الشعب الفلسطيني الأعزل ، ما كانت لتكون لولا دعم الجانب الرسمي الإسرائيلي وأجهزته الأمنية لهم ، وتوفير الحماية لارهابهم ، وأبعد من ذلك يمكن القول ان ما جرى ويجري في الضفة الغربية ما هو إلا تبادل للأدوار فيما بينهم ، حيث يقوم هؤلاء الارهابيون من غلاة المستوطنين بارتكاب الجرائم ، عوضا عن القيام بعملية عسكرية واسعة ، قد توقع خسائر في قوات الاحتلال هي في غنى عنها حتى لا تزيد من التوتر وحالة التأزم بين الاسرائيليين وتسقط الحكومة .
من دون شك ان ما جرى في بلدة ترمسعيا ، ومن قبلها بلدات حوارة وعوريف وسنجل وام صفا وغيرها من القرى والبلدات في الضفة الغربية ، يعيدنا الى عقد الاربعينات والعصابات الصهيونية وممارساتها الوحشية من قتل وتفجير وحرق للمنازل وترويع للآمنين من الفلسطينيين ، هي ذات الوسيلة لدفع الشعب الفلسطيني الى هجرة طوعية ، واللجوء إلى الشتات خوفا على أعراضهم وأنفسهم ، ولكن مع اختلاف لا يمكن القول انه بسيط انما خطير للغاية ، وهو ان هذه الهجرة واللجوء ، والذي اشك ان يقدم عليه أبناء الشعب الفلسطيني بعد تجربتين قاسيتين من العذاب في اصقاع الارض ان يتم ، والفارق في هذه المرحلة هو وجود سلطة فلسطينية تسيطر بشكل بات شكليا على 9 بالمئة من الضفة الغربية ومن المفترض ان تقدم ما بوسعها لمنع ارهاب المستوطنين بحق العزل من أبناء شعبها ، والذي يتم على مرأى ومسمع منها ، خاصة وأن أكثر من سبعين ألف عسكري ومسلح تحت إمرتها ، دون فعل عملي يواجه ارهاب وجرائم المستوطنين ، مع الاشارة والاشادة ، بان ان الاجهزة الامنية الفلسطينية كانت قد التحمت وأبناء شعبها في وقت ما تصديها للعدوان الاسرائيلي ، وقدمت مئات ان لم يكن الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين .
ما يمكن القول عنه ان هذه الجرائم ونتائجها المتوخاة منها وفق الترتيب الاسرائيلي ، ان سلطات الاحتلال تحاول شرعيتها من خلال وجود من يمثل الشعب الفلسطيني على جزء من أرضه المحتلة ، وهو ما أجج مشاعر السخط والغضب للمستهدفين في البلدات الفلسطينية وجعلهم يتسائلون ، أين أفراد الأمن مما يجري في مناطقنا ؟ وما هو دورهم ان لم يقوموا بتوفير الحد الادنى من الحماية للمواطنين ؟ خاصة وان أجهزة الأمن الفلسطينية تحظى بنصيب الأسد من موازنة السلطة المالية ؟ فأين تذهب هذه الأموال وكيف تصرف ؟
في ظل ما ذكر وقد يكون المخفي أعظم مما ذكر، هل تستطيع السلطة الصمود امام الغضب الشعبي المتأجج ، وإرهاب المستوطنين المتصاعد ؟ أم أن هناك ما يمكن للسلطة الفلسطينية القيام به لحماية نفسها اولا ان كانت لا تفكر الا بذلك ، ومن ثم شعبها الذي يرتكز عليه وجودها وديمومتها ؟
في الوسط الرسمي الفلسطيني ، ومن أعلى سدة الهرم ، يدعون الى المقاومة الشعبية السلمية ، ربما ذلك حق ولكن هل يمكن للمقاومة الشعبية ان تنتصر وإرهاب المستوطنين وحكومة الاحتلال في تصاعد ، وتواجه المقاومة السلمية غير المسلحة بالسلاح الفتاك ؟ وهل المقاومة السلمية الشعبية يجب ان تقتصر على الشعب الذي بات يشعر انه يغرد في واد ، وقيادته تغرد في واد آخر بعيد !!
من دون شك ان المرحلة خطيرة للغاية ، والساحة الفلسطينية تغلي الى درجة الانفجار ، وهو ما يدعو الى خطوات رسمية وشعبية فلسطينية على الصعيدين المحلي والعربي والدولي ، تعيد للقضية الفلسطينية أولويتها على الساحات كافة ، وعدم الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار ودعوات للمجتمع الدولي بالتدخل قبل فوات الاوان ، او الاتصالات الهاتفية مع المتضررين ، او زيارات ميدانية محدودة دون تضميد جراح المكلومين من الارهاب الاسرائيلي ، الآخذ بالتصاعد وفق أهداف مبرمجة سلفا الهدف منها ، كسر معنويات الشعب الفلسطيني والحيلولة دون تحقيق الأحلام والطموحات الفلسطينية بالحرية والاستقلال ، وكل ما سيجري فعله يصب في خانة المصلحة الوطنية العليا وإعادة بناء الثقة بين الهرم والقاعدة
وربما ان الوحدة الفلسطينية مهمة للغاية ، ولكنها باتت صعبة المنال حاليا ، لكن هناك خطوات ، ان جرى الشروع بها فمن شأنها ان تدرء المخاطر المحيطة بالشعب الفلسطيني ، وفي مقدمتها وجود مواقف وطنية عملية من كافة التنظيمات الفلسطينية تستجيب لإرادة الشعب الفلسطيني ، وتلتحم مع الجماهير الغاضبة ، ووضع استراتيجية وطنية يتبناها الجانب الرسمي الفلسطيني ، تحدد ملامح المقاومة الشعبية و آلياتها ووسائلها ، ومنها تشكيل لجان شعبية في كافة القرى والبلدات الفلسطينية تساندها قوات امنية فلسطينية بتنسيق مشترك ، بعيدا عن التنسيق الأمني المدون باتفاقيات أوسلو ، وهو ما سيلقى ترحيبا شعبيا واسعا من الجماهير ، وتساعد في التصدي لإرهاب قطعان المستوطنين . ومن شأنها أيضا أن تمهد الطريق لترتيب البيت الفلسطيني على قاعدة الوحدة الوطنية وإتمام عملية المصالحة المتعثرة . والا فبانتظار الساحة الفلسطينية في الضفة الغربية حالة من الفوضى والفلتان ، ستلحق اضرارا بالشعب الفلسطيني ومقدراته اكثر بكثير من ممارسات الاحتلال .
على القيادة الفلسطينية الاضطلاع بمسؤولياتها واتخاذ قرارات جدية ومصيرية ، ترتقي الى مستوى الحدث خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع الاحتلال والتوجه الى الشارع الفلسطيني والاندماج معه والتوقف عن الرهان خلف مجتمع دولي لا تعيرها أية أهمية تذكر في ظل تراجع القيمة السياسية والمعنوية لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده والعمل الجدي لإعادة الاعتبار لهذا الكيان الذي قدم لأجله الفلسطينيين التضحيات الجسام .

