• 5 تموز 2023
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : أحمد صيام

بعيدا عن الغوص في المسميات التي سارع السياسيون والمحللون والمغردون والمحسوبين على الفصائل الوطنية والاسلامية ، ومنها ما هو منضوي تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية ، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني !! على ما يجري في جنين ، واتباعها بعبارات الشجب والادانة والاستنكار ، مع اصطناع بعض ملامح الغضب على الوجه ، حتى يخيل للمستمع والمشاهد ان المتحدث ومن شدة غضبه على وشك ان يمتشق سلاحه وينضم الى صفوف المقاومين ليلقن المعتدي درسا لن ينساه ابدا ، وعبرة يأخذ بها ان فكر ثانية بشن عدوان على الشعب الفلسطيني .

وأبعد من ذلك ، ذهب كثير من المتحدثين الى تحميل الاحتلال وأجهزته الرسمية ، السياسية والأمنية ، مسؤولية ما يقترف بحق أهالي مخيم جنين والمدينة ويحذره من التبعات !! دون ان يتحدث عن اي مسؤوليات ملقاة على عاتقه لنصرة الاهالي او كحد ادنى تخفيف الظلم عنهم !!

اولا : ماذا يجري في جنين ؟ الاحتلال لا يحتاج الى مبرر لشن عدوانه على الشعب الفلسطيني ، لكنه اتخذ من " صاروخ " ما هو إلا عبارة عن ماسورة تحمل متفجرات بسيطة ، اطلق من جنين باتجاه مناطق داخل الخط الأخضر، والمدقق بالأمر، ووفق روايات محلية مقربة من المقاومة ، ان امر من غزة جاء لأحد الأفراد في جنين بتصنيع صواريخ واطلاقها على أهداف في قلب دولة الكيان ؟! والسؤال هنا : هل من اصدر الامر غاب عنه الطبيعة الجغرافية للضفة الغربية واختلافها عن قطاع غزة ؟ وهل الامر حقا يدور ضمن دائرة المقاومة ام ان هناك اهداف اخرى غير وطنية ؟ ثم لماذا تصنيع الصواريخ في الضفة الغربية ، وهناك مخزون كبير من الصواريخ لدى سلطة غزة لم يجر استخدامه منذ زمن ليس ببعيد ؟ ولكن الاحتلال اتخذ من هذه " الماسورة " والتي صورتها الماكينات الاعلامية بانها صاروخ اشبة بصواريخ كروز او سكود !! لشن عدوانه .

ثانيا : منذ مدة ليست بطويلة ولا قصيرة ، و جنين ومخيمها شكلت اسطورة للمقاومة وطالما لقنت العدو دروسا في الاستبسال ، وفي الوقت الذي تتنافر فيه القوى الوطنية والسياسية الفلسطينية ، تجلت الوحدة الوطنية في جنين بالميدان ، ولم يكن هناك اي تمييز بين اي لون من الالوان الحزبية ، اجتمع الكل حول بندقية المقاومة ، ما أثار حفيظة عدد من المتنفذين من جميع الأطراف الذين تضررت مصالحهم ، وكانت المقاومة عقبة امام تحقيق أهدافهم ومنها ما هو متفق عليه بشكل غير معلن فيما بينهم حتى في ظل تنافرهم وتجذاباتهم العلنية واختلافاتهم واتهاماتهم المتبادلة ، الا ان مصالحهم الفئوية تتصدر اولوياتهم دون ادنى مراعاة للمصلحة الوطنية العليا ، ومنها مصالح الشعب واحتياجاته ، فاتفق فيما بينهم وبعلم الاداة التي ستستخدم للضرب ، على تحجيم هذه المقاومة وخلخلة اللحمة الوطنية فيها وانهاكها ولا ضير أن جرى القضاء عليها !! وقتل أي روح ثورية قد تولد مستقبلا ، حتى تسهل العملية فيما بعد وإبقاء الشعب تحت المطرقة مع بعض الفتات يقدم له لمواصلة تخديره .

ثالثا : الأعظم من ذلك ان عناصر المقاومة في معظمهم لم تتجاوز أعمارهم العشرين او اكثر قليلا حسب ما قالته احدى سيات مخيم جنين مستهزئة : " كل هذه القوات لمواليد عام 2002 " !! عدة وحدات من النخبة في جيش الاحتلال بكامل العدة والعتاد في مواجهة صبية لا يمتلكون الا اسلحة بدائية واخرى خفيفة للغاية وذخيرة شحيحة جدا ، لكنهم سخروا سلاحهم و نذروا انفسهم لاجل فلسطين وحريتها ، في وقت تخلى عنهم بني جلدتهم وذوي القربى ومن يرتبطون معهم بروابط العرق واللغة والدين والدم !! صبية لو نظرنا اليهم بعمق لوجدناهم يمتلكون ما لا يمتلكه عدوهم ولا تمتلكه قياداتهم ، الا وهو الايمان بحتمية النصر، ومن هنا جاء شعارهم الذي رفعوه : " الكرامة و الحرية و النصر وإما الشهادة " 

رابعا : العدو ، وإن كان طرفا خفيا في التفاهمات السرية ، إلا مصلحته تفرض عليه اللعب على التناقضات واستغلال الخلافات ، لذا تراه يسخر ماكيناته الإعلامية جنبا إلى جنب وآلته العسكرية ، وترويج الشائعات وربما فيها بعض من الحقائق عن تفاهمات حول عملياته العسكرية مع الأطراف الرسمية الفلسطينية ، لتبدأ الاتهامات المتبادلة ، غزة تتهم رام الله بالتواطؤ والاحتلال والمعرفة السابقة بالعدوان ، بل وتأييده للقضاء على المقاومة !! في خطوة الهدف منها تعرية رام الله أمام الجماهير وكسب مزيد من التعاطف الشعبي في الضفة تمهيدا للاستيلاء على السلطة ، وفي الوقت نفسه تخدر الجماهير بتغريدات تهديدية بان الاحتلال بعدوانه على جنين تجاوز الخطوط الحمراء !! وكأنه ما قام به من أعمال عدوانية سابقة ليست تجاوز للخطوط الحمراء ، إلا إذا كان هناك اتفاق فيما بين الجانبين على مفهوم الخطوط الحمراء !!

ورام الله من جانبها لا تتدخر جهدا في اتهام غزة ، بأعمال تستهدف الاحتلال الهدف منها لا يندرج ضمن أعمال المقاومة بقدر ما هو احراج للسلطة أمام شعبها وإظهارها بمظهر العاجز أو المتواطئ او المتخاذل ، وتتحدث عن تفاهمات ما بين غزة والاحتلال عبر وساطات عربية بهدنة طويلة الامد ، ولعل العدوان الأخير على قطاع غزة و استفراد الاحتلال بقيادات وعناصر حركة الجهاد الإسلامي دون تدخل من السلطة الحاكمة في غزة وهي حركة حماس ، مؤشر على ما يذاع في الأجواء !! .

أما الفصائل الأخرى ومنها ما هو منضوي ضمن دائرة منظمة التحرير الفلسطينية ، والتي لا يمكن وصفها حاليا إلا أنها منهكة ورجل مريض ، منقسمة على امرها فمنها ما هو منحاز لرام الله والآخر منحاز لغزة وجميعها لا يملكون لا حول ولا قوة وامرهم ليس بيدهم ، ويمكن القول أنهم باتوا عبئا على الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية .

خامسا : الأهم من ذلك كله ، وبطبيعة الحال ، الاحتلال لا يحتاج الى مبرر لشن عدوانه على الشعب الفلسطيني ومقدراته ، والعدوان لا يستهدف المقاومين وحسب ، وانما البنية التحتية ايضا ، حيث يقصف كافة المرافق الحيوية التي تغذي شرايين الحياة كمحطات المياه والشوارع وتقطيع الاوصال ، وغيرها ، وذلك للقضاء على اية أحلام بالحرية والاستقلال وإبقاء الحلم في اطار اللهث لأجل القوت اليومي ، وهو ما يتوافق ومصالح المتنفذين من كافة الأطياف الفلسطينية في القرار الفلسطيني ، وليس القرار الوطني ، لان القرار الوطني بحاجة الى قيادة تأخذ على محمل الجد وتعمل بكل تفان وإخلاص لتخليص شعبها من الاحتلال وتحريره من العبودية وتوفير سبل الكرامة له ، وواضح من هذا العدوان سابقة لم تحدث سابقا ، حيث جرى تهجير أكثر من ثلاثة آلاف من سكان المخيم الى الجوار ، هذه السابقة وان جاز التعبير تسميتها بنكبة جدية مؤشر خطير للغاية ولا تشابه ما مضى من نكبات ولجوء فلسطيني بالماضي ، حيث أنها تجرى على مرأى ومسامع قيادات فلسطينية تحكم أجزاء من فلسطين وفق تفاهمات سابقة ( اوسلو ) ، ما يعني شرعنة اي لجوء مستقبلي قد تقدم عليه سلطات الاحتلال بحق فلسطينيين من أماكن ومواقع قد ترغب ببسط السيطرة الكاملة عليها .

اخيرا : وفي ضوء ما سبق ، ومن دون الغوص في اعماق ما تمخض من قرارات من اجتماع القيادة الفلسطينية الاخير في رام الله ، وما صدر عن قيادات حمساوية في غزة والخارج بدعم المقاومة وتذليل العقبات امام تعزيز صمودها ، ما هو الا ذر الرماد في العيون وتعبير ضمني عن الموافقة عما يجري ، فان العدوان على جنين وما سبق من حروب عدوانية سبقت ذلم في نابلس وغزة ، والارهاب المنظم الذي يقوم به قطعان المستوطنين بحق الشجر والحجر والبشر في الضفة الغربية ، والمخخططات المبيتة للمقدسات الاسلامية والمسيحية وعلى رأسها المسجد الاقصى المبارك ، وضعف ردة الفعل الفلسطينية عليها ، كشفت كم ان التنظيمات والفضائل الفلسطينية باتت عبئا على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني ، وخنجرا مسموما في الخاصرة الوطنية ، ما لم تقم باجراءات عملية على ارض الواقع والخروج باعلان لا لبس فيه يصارح الشعب الفلسطيني ينهي الانقسام فورا ويتعامل ودولة الكيان كدولة معادية خارجة عن القانون بمعنى الكلمة ، ويجري التعامل معها ضمن هذا الاطار وفق القوانين الدولية ، بل وتصنيف من يدعم الاحتلال من عرب وعجم بنفس المعاملة ، والنزول الى الميدان والالتحام والجماهير والتحلل من الالتزامات والتفاهمات مع الاحتلال ، والا فان هذا الخنجرالمسموم في الخاصرة الوطنية الفلسطينية سيبقى جرحة ينزف دون هوادة ، طالما بقيت الاجندات الخارجية لا الوطنية ، تحكم عمل قوانا الوطنية والاسلامية .