- 6 تموز 2023
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى ارشيد
مع فجر الأربعاء انسحب الجيش (الاسرائيلي) من مدينة جنين ومخيمها بعد ثماني واربعين ساعة دامية دارت خلالها معارك ومواجهات بالغة العنف،أبدى فيها (الاسرائيلي) اقصى واقبح ما لديه من عدوانية وعنف وتوحش، واستعمل خلالها اعلى ما لديه من قوة تدميرية، بالمقابل أبدى فيها المقاوم الفلسطيني خير وارقى ما لديه من صور الشجاعة و البطولة، غير مكترث بميزان القوى بالغ الاختلال في غير صالحه، اكثر من الف جندي (اسرائيلي) بأفتك عتاد المدعومين بالآليات والتكنولوجيا والطائرات بأنواعها والأقمار الصناعية مقابل بضع عشرات من الفتية اليافعين بأسلحتهم التي في معظمها ذات تصنيع محلي في ورشات الحدادة القديمة وذخائر عزيزة سريعة النفاذ وفي مساحة قد تزيد قليلا عن نصف كيلو متر مربع.
سبق هذه العملية العسكرية موجة تحريض عالية شارك فيها من الجانب (الاسرائيلي) مسؤولون من المستوى الاول، أحدهم رئيس جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) الذي قال ان لدى جهاز الأمن معلومات أكيدة تفيد ان مخيم جنين ومقاومته قد اخذوا يصنعون صواريخ محليا وهو الأمر الخطير على الامن القومي (الاسرائيلي)، بناء على ما تقدم فقد أصبحت العملية العسكرية قد أعلن عنها وان هدفها المعلن هو سحق المقاومة وبيئتها الحاضنة وتفكيك البنية المصنعة للصواريخ او غيرها من ادوات المقاومة.
لكن (الاسرائيلي) لم يستطع تحقيق ذلك برغم كل الحشد العسكري في الأفراد والمعدات، صحيح أن الاحتلال قد أحدث دمارا هائلا في بيوت المخيم وشوارعه وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي بما يشابه لا بل في بعض المناطق يفوق ما حصل في معركة المخيم الشهيرة عام 2002، استشهد في هذه المعركة اثنا عشر شهيدا والعدد مرشحٌ للزيادة بسبب الحالات التي لا تزال في غرف العناية المركزّة في المستشفيات، ولكن الحروب والمعارك لا تقاس بأعداد الشهداء وبالقيمة المادية للدمار وإنما بقدرتها على تحقيق أهدافها، فهل حقق العدو أهدافه؟ من اهداف الاحتلال كان حاجته لمعركة او مواجهة تشد العصب الداخلي لديه وهو يمر في حالة انقسام داخلي حاد، ليس من السهل عليه الاشتباك مع إيران وهو الأمر الذي يتطلب موافقة ومشاركة اميركية غير متوفرة، ولا يرى من الحكمة الاشتباك مع غزة الملتزمة بشروط التهدئة التي رعتها مصر، ولا يبدو أنه راغب او قادر على الاشتباك مع لبنان وخيمتي المقاومة المنصوبين في حلقه، وهو إن استطاع توجيه ضربات مؤلمة للبنان الا انه يدرك انه قد لا يستطيع تحمل أكلاف رد المقاومة اللبنانية، لذلك ظن ان معركة من هذا النوع في مخيم جنين قد تفي بالغرض، وهو ما لم يره (الاسرائيلي) الا صورة جديدة من صور الفشل الحكومي في القضاء عللى المقاومة.
يذهب التقدير العام والتوقع الى القول ان هذه المعركة لن تكون الاخيرة، و ان معركة قد تكون أكثر ضراوة تلوح في افق المخيم الصامد في قادمات الأيام، وذلك أمر يستدعي التفكير من خارج صندوق الهتاف بصيحات النصر والأناشيد الحماسية، والتفكير بشكل عملي علمي منهجي في ظروف ونتائج هذه المعركة، وتحديد أماكن النجاح واماكن الفشل بجرأة و موضوعية، وتقييم الأداء والنظر الدقيق في نقاط القوة وكيف يمكن تدعيمها، ونقاط الضعف وكيف يمكن تلافيها وتحويلها إلى نقاط قوة ونجاح بعيدا عن الارتجال، علينا ان نعرف من هم الاصدقاء والحلفاء الذين يعول عليهم ومن لا يعول عليه، من هو قادر على دعم المخيم وتخفيف الضغط عنه ومن يكتفي بالإشادة والدعم اللفظي الذي لا يجد من يسمعه بسبب ضجيج القنابل حيث لا قيمة له أمام حراب وبنادق ومدافع واسنان جرافات الاحتلال.
اكتب هذا المقال من حواف مخيم جنين واستميح الاستاذ الكبير ناصر قنديل الذي احترمه واجله ان يقبلني في قائمة الطيبين و المتحمسين الذين يتساءلون اين محور المقاومة وأين وحدة الساحات لا من جوقة التشكيك وأصحاب النوايا السيئة و الأجندات الخبيثة، وان اقول ان (اسرائيل) استطاعت في الثمانية وأربعين ساعة الماضية اعادة طرح هذا السؤال: اين وحدة الساحات.

