• 11 تشرين أول 2023
  • أقلام مقدسية

بقلم : أحمد صيام 

ليس من الضروري ان تتوج عملية طوفان الاقصى التي انطلقت من قطاع غزة نحو اهداف احتلالية اسرائيلية ان تتوج بنصر مؤزر ! وليس من الضروري ان تقود هذه العملية الفدائية الى إحقاق الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة في الوقت الراهن ! وليس من الضروري أن تؤتي هذه العملية البطولية ثمارها كاملة ! ولكن من الضروري ان يفهم جيدا أن هذه العملية النوعية والفريدة في تاريخ الثورات الفلسطينية ومقاومتها للاحتلالات المتعددة منذ نكبة عام 1948 وحتى الان ، فيها كثير من الدروس والعبر، ما إن أمعنا بها و استخلصنا عبرها جيدا سيكون هناك كثير من النتائج الايجابية مستقبلا بعيدا عن سلبياتها الآنية . 

اولا : لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي والذي بات يعرف بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي – بعدما نجحت قيادات الاحتلال في تحييد العديد من الأشقاء العرب والمسلمين ، واستقطاب الدول الصديقة سابقا الى جانبها – ان يتحول المدافع الى مهاجم يقود معركته في ارض العدو لا يمتص الصدمات والضربات كما كان سابقا بل يقض مضاجعه في عقر داره ولا يكتفي بموقف المدافع والمتمترس في أرضه منعا لسلبها منه كما سابقاتها من الحروب العدوانية . 

ثانيا : استغلت المقاومة الفلسطينية الحالة الإنسانية في قطاع غزة ونجحت في تضليل الرأي العام العالمي ، في الوقت الذي كانت تعد فيه العدة للانقضاض على العدو ، وباغته في وقت كان فيه قد اتخذ جانب الأمان من قطاع غزة ، عنصر المباغتة هذا أكد بما لا يدعو الى الشك على فشل ذريع الاذرع الامنية للاحتلال وسقط من جديد نظرية الجيش الذي لا يقهر، وابعد من ذلك ادخل العدو في صدمة بحاجة الى وقت طويل للاستفاقة منها . 

ثالثا : تجلت في هذه العملية الأخلاق الثورية الوطنية ، ومن قبل الاخلاق الاسلامية في كيفية معاملة الأسرى والرهائن الذين جرى أسرهم خلال العملية ، حيث لم يقدم اي من المقاومين الى قتل اي ممن لم يبادر الى رفع السلاح بوجههم خاصة النساء والأطفال ، وجرى اقتيادهم الى مناطق أسرهم بكل انسانية واجراء اللازم لهم طبيا حفاظا على ارواحهم ، حتى ان هناك من الاسرى من وضعت طفليها التوأم في مشفى الشفاء بغزة ووفرت المقاومة لها المستلزمات الطبية بكل سكينة وطمأنينة ، وهو مغاير تماما للمعاملة الاجرامية التي يتلقاها الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من الاحتلال والذي وممارساته التعسفية الارهابية لا يميز بين مدني سواءا كان مسنا ام طفلا ام نسوة ، والتي فاقت الممارسات النازية والفاشية بحق من كان ضحية يوما ما واصبح جلادا يتفنن في ممارسة اشكال الارهاب بحق ضحايا أبرياء ، لا ذنب لهم سوى اصرارهم على انتزاع حقوقهم المشروعة وفي مقدمتها استرداد أرضهم السليبة والعودة الى ديارهم والعيش بحرية وكرامة . رابعا : كشفت هذه العملية – وذلك كان ربما واضحا مع بدء الحرب الروسية الاوكرانية – ولكن أكدت بما لا يدعو الى التنبيه حتى إنما التذكير فقط ، على حقيقة المجتمع الدولي وجهه البشع وفي مقدمته الدول العظمى : الولايات المتحدة الأمريكية ، بريطانيا ، فرنسا ، ألمانيا وحتى ايطاليا ، وسياسة ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين والاسراع إلى إعلان التأييد المطلق لما اسموه "حق الاحتلال في الدفاع عن نفسه" وتبنيه سلسلة من العقوبات بحق الشعب الفلسطيني وقياداته ، وابعد من ذلك الإعلان عن إمدادات مالية وعسكرية كبيرة للتصدي لما اتفق على وصفه فيما بينهم " إرهاب حماس " ، دون أدنى مراعاة او عقلانية ، ان من يجري التصدي " لارهابه " ما هو الا مجرد حركة مقاومة وحفنة من المسلحين ، هم بحقيقة الأمر ابطال نذروا أنفسهم في سبيل استرجاع الحقوق المسلوبة ونصرة المظلومين ومقاومة الظالم ، متسلحين بالإيمان والإرادة الصلبة والعزيمة القوية اولا ، ومن ثم إمكانيات محدودة متواضعة قياسا بالإمكانيات العظمى التي يمتلكها الاحتلال وأعوانه ، الأمر الذي يدعو الى الانحناء امام اصرار هذه المقاومة الباسلة . 

خامسا : هذا الدعم اللامحدود من القوى العظمى للاحتلال شجعه على الإمعان في عدوانه وارهابه ، واتضح ذلك من قسوة القصف العشوائي الذي قام به على قطاع غزة والذي لم يميز بين مسلح ومقاوم وبين طفل او مسن او مريض او امرأة ، الى درجة ان هناك عائلات بأكملها مسحت من السجل المدني ، قضت تحت أنقاض القصف البربري ، الهدف منه تحويل القطاع الى مقبرة جماعية وتهجير من تبقى على قيد الحياة . ويمكن القول إن سلطات ستمعن أكثر في القتل الجماعي والقصف العشوائي الدموي على غزة والقمع اليومي بالقدس والضفة الغربية وافلات قطعان المستوطنين لارتكاب مزيد من الجرائم الوحشية ، متذرعة بالهجوم النوعي الاول للمقاومة ، والتاريخ حافل بمجازر مماثلة ولعل مجازر القتل الوحشي التي مارسها الحركات الصهيونية منذ دير ياسين وكفر قاسم والسموع والدوايمة وصبرا وشاتيلا وقانا وبحر البقر وعشرات المجازر شاهد ما زال حيا في أذهان كل فلسطيني وعربي ، والهدف من ذلك إرهاب الامة العربية والاسلامية كي تبقى خاضعة ذليلة للمشروع الغربي ولكي لا تمتلك مقومات نهوضها ابدا . 

سادسا : من دون شك ان المقاومة وضعت في حساباتها ردة الفعل الاسرائيلية ، وعلى ضوئها وضعت خططها وسارعت الى تنفيذها لامتلاك نقاط قوة تضغط من خلالها للتخفيف من حدة ردة الفعل ، ولكن كما يبدو ان الاحتلال لم يفهم الدرس جيدا ، لا من سياساته السابقة ولا من الحالية ، ومضى يمعن في غطرسته وعنجهيته في احتقار الشعب الفلسطيني وقياداته ، الى درجة وصل في رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ان يصف الرئيس محمود عباس " برئيس بلدية رام الله " ، والاصرار على التنكر للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة وامتهان كرامته والنيل من مقدساتهم واسراه ، وها هو يمارس نفس الهمجية المعهودة بدعم دولي وصمت عربي واممي ويقوم بقصف بربري همجي طال الأطفال والشيوخ والنساء والعزل ، ولكن ، وبعد الترحم على شهدائنا الأبرار ، فمن دون شك أن طريق الحرية والكرامة معبد بالدماء الزكية وقوافل من الشهداء . 

سابعا : اكدت هذه العملية ، ان ما تسمى دولة إسرائيل ، المدججة بأحدث الاسلحة الفتاكة وجيشها لا يقهر ، والمحصنة بالقنابل النووية والجدر الاسمنتية العاتية ، اوهن من خيط العنكبوت ولا تفهم سوى لغة القوة ، وانهيارها رهينة بفعل مخطط له بإحكام ، بالتالي من السهل إخضاعها لتمثل للقوانين والشرائع الدولية والانسانية وفرض السلام الشامل والعادل الذي يضمن إحقاق الحقوق لأصحابها . 

ثامنا : بات من المؤكد ، ومن خلال ردات الفعل العربية والاسلامية الشعبية ، والتي كانت في أوجها حين نزلت الشعوب العربية قاطبة ، من المحيط الى الخليج الى الشوارع تطالب بفتح الحدود للجهاد في سبيل تحرير فلسطين ، صحة المقولة الداعية الى ان الطريق الى تحرير فلسطين سيقود إلى الطريق لوحدة الأمة العربية ، وليس العكس ، وهو ما يدركه الاستعمار الغربي وأدواته الحالية من العرب والعجم ويقدم الدعم اللازم لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ، ومن هنا يجاهدوا بالعمل على عدم الوصول إلى إقامة دولة فلسطينية لانهم يدركون ان قبلة العرب والمسلمين السابقة هي ذاتها الحالية وستبقى كذلك دائما وابدا ، وان الشعوب العربية حاضنة اساسية لشعب فلسطين وقضيته العادلة . كما تؤكد ردات الفعل الشعبية ان كل مخططات الاحتلال للتطبيع مع دول عربية فاشلة وسط تزايد الكراهية في الأوساط الشعبية العربية وانتهائها وانقلاب السحر على الساحر ما هو الا مجرد وقت . 

في ضوء من سبق ، وفي ظل الوضع الراهن الذي تعيشه الساحة الفلسطينية بشقيها : غزة والضفة والقدس الشريف ، وقبل ان يجرف الطوفان الجميع دون استثناء ، باتت الضرورة ملحة اكثر من اي وقت مضى الى الوحدة الوطنية وطي صفحات الماضي بكل ما فيها من ظلمات ، والالتفاف الصادق حول خيار الوحدة الوطنية والارتقاء إلى برنامج وطني يعزز العمل المقاوم الوحدوي ويواجه المخططات الخبيثة المبيتة للمنطقة ، وفي مقدمتها تصفية القضية الفلسطينية ، والعمل الموحد في استغلال الأزمات وخاصة هذه الملحمة البطولية وما يعيشه الاحتلال من أزمات داخلية والشرخ الذي دك عصبه ، وتحويلها الى فرص ممكنة من خلال مضاعفة العمل الدبلوماسي مع الأشقاء العرب والأصدقاء في المجتمع الدولي للضغط لأجل إيقاف العدوان البربري على القطاع والتحذير من القادم ، ما من شأن ذلك أن يعيد للقضية الفلسطينية باعتبارها واولويتها محليا واقليميا وعربيا ودوليا . 

أما محليا ، فالاطر الفلسطينية كافة مدعوة الى تشكيل لجان شعبية في مناطق الضفة الغربية على وجه الخصوص ، ترصد وتتصدى لاي عدوان قد يقدم عليه قطعان المستوطنين ، خاصة بعدما اعلن رسميا ان سلطات الاحتلال قررت تزويد المستوطنين بالاسلحة ، لا لحماية انفسهم انما لشن اعتداءات على ابناء شعبنا العزل.