• 14 تشرين أول 2023
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : تحسين يقين

 

ما أعرفه ان الاحتلال الى انتهاء، رغم ما يمكن إطالة عمره.

من الانفعال في اليومين الأول والثاني الى التفكير:

ما زال المشروع الصهيوني مشروع ترحيل، وإحلالا ونفيا، ويبدو أنه لن يتغيّر بسهولة.

بان كذب الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، ظهرت النوايا على حقيقتها، فلا صداقة مع فلسطين والعالم العربي ولا ما يحزنون؛ فالاستعمار لغة واحدة وقلب واحد، ولا بد من بناء استراتيجية للدفاع عن الأمة العربية. فما الذي يصفه وزير الخارجية الأمريكي بلينيكن، حينما قال إنه لا يزور إسرائيل كوزير للخارجية بل كيهودي فرّ جده من المحرقة؟ فمن أي محرقة نجا؟ أليست محرقة أوروبية غربية؟ ترى ما وصف العالم "المتحضر" لما يتم حرقه من بشر وشجر وحجر في غزة؟ أليس موقف الدولة الكبرى هم شجع وزير الحرب الإسرائيلي لوصفنا ب "الحيوانات البشرية" ألا تعني أن العرب الذين ينتمي لهم الفلسطينيون هم كذلك؟ فهل سيمر ذلك خصوصا أن الوصف قادم من مسؤول رسمي إسرائيلي؟

رحنا نفكر بما هو سائد، عن حزب الله وإيران، وروسيا، وصمت الصين، الحرب السبرانية، التوظيف السياسي للحرب، الدول الكبرى، تصفية الحسابات..

قليل هو ما يدهشنا، بل نادرا ما تصيبنا الدهشة، ونادرا من ننفعل، لذلك يظل سؤال الحكمة وجوابها هو المهم والأهم. تخف الدهشة والانفعال مع تقدمنا بالسنّ، كبرنا! وهكذا ننتقل من الاحتفاء بالآن، إلى ما بعده، شخصيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. لكن ما حدث في يوم 7 تشرين الأول أكتوبر هذا أدهشنا ونحن نتهيأ لموسم الزيتون؛ فالأرض لها فصولها، ونحن إنما نضبط إيقاعنا عليها، لا هي. 

وجدت نفسي أردد مفتتح قصيدة عمورية لأبي تمام: 

السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

أغار الروم في أيام المعتصم على بلدة زبطرة واعتدى روميّ كما نعرف من أهل عمّورية على امرأة عربية فصاحت "وامعتصماه"، فغزا المعتصم بلاد الروم، فكانت معركة عمورية الشهيرة بين الخلافة العباسية والإمبراطورية البيزنطية في رمضان عام 223 هـ الموافق آب عام 838 م. لقد انتصر العرب وفُتحت عمّورية، رغم أن المُنجِّمِين كانوا قد نصحوا المعتصم بالانتظار حتى ينضج التين والعنب، لأنه لن يستطيع فتح عمّورية قبل ذلك، لكنه لم يستمع لنصيحتهم، فأنشد أبو تمام في هذه المناسبة قصيدته التي أعلى فيها من قيمة الإرادة والفكر والتخطيط والحزم والعزم ضد ظلماء الخزعبلات والرجم بالغيب إلى جانب مدحه فعل المعتصم نجدة الضعفاء وضحايا الحروب.

بين الخميسين لا في السبعة الشهب والعلم في شهب الأرماح لامعة

أين الرواية بل أين النجوم وما صاغوه من زخرف فيها ومن كذب

وتلا البيتين 6 أبيات تدحض التنجيم! والقصيدة جميلة تعدّ من عيون الشعر العربي، وفيها دراما شعرية سردية كاملة، استخدم الشاعر فيها جماليات بلاغية في مكانها. ولعل هذا البيت: "فتح الفتوح تعالى أن يحيط به نظم من الشعر أو نثر من الخطب"، من أجمل ما برره الشعراء من تقصير في التعبير عن حدث عظيم. وهو يذكرني ببيت شعر القيسراني في قصيدة مدح بها نور الدين زنكي بعد انتصاره في معركة انب:

وهذه الهمم اللائي متى خطبت تعثرت خلفها الأشعار والخطب

حدثت معركة انب عام 544ه ال موافق1149، أي بعد معركة عمورية بثلاثة قرون ويزيد، وما زالت بلادنا تتعرض للغزو، وما زال الشعر والنثر، والمقالات والكتب والتحليلات العسكرية.

رحت أشاهد، لأرى لا لأصف، فما يحدث صار مباشرا!

في هذا اليوم تذكرت ما كتبته في أكثر من مقال مخاطبا الاحتلال ليرحل، "ويجيها وجي" لأن الجيل الجديد سيجد طرقا ذكية للمقاومة والدفاع عن الوطن.  ولعلني كتبت ذلك مما نسمعه عن القدرات الالكترونية لدى الغزيين، الصغار منهم والصغيرات. كان ذلك في اليوم الأول، 7/10/2023.

في اليوم الثاني: تساءلت: إذا كان الاحتلال قد فوجئ في اليوم الأول، فما بال ذلك استمر في الأيام التي تلت من بقاء مهاجمة المتسللين للمواقع الإسرائيلية في محيط غلاف غزة؟

وهكذا رحت أتتبع تطور رد الفعل الأمريكي بشكل خاص، وما تبعه وواكبه من ردود فعل أوروبية ووو...عربية!

واندهشت، وقلما أندهش بطلب إسرائيل المساعدة من الولايات المتحدة، وتوزيع بن غفير 10 آلاف قطعة سلاح على المستوطنين، وكأن السلاح ينقصهم.

في اليوم الثالث: لم يستح وزير الدفاع الإسرائيلي من إعلان وقف ضخ الكهرباء والماء والغذاء الى قطاع غزة. 

لكن في هذا اليوم دخلت مساعدات مصرية الى غزة. ولكنها لم تستمر بسبب قيود الاحتلال.,

اليوم الرابع: أرض محروقة، دمار مجازر، قطع الكهرباء والماء والطعام..

اليوم الخامس: مسيرات حزب الله الافتراضية، وبدا أنه سيصعب على إسرائيل الحرب على جبهتين معا.

وفي اليوم الخامس بكيت، وما زلت من آن لآخر، ثمة مشاعر مختلطة.

اليوم السادس، إمكانية نزع فتيل الحرب الإقليمية مقابل وقف جرائم الحرب المنظمة لجيش الاحتلال، في ظل الغضب الشعبي العربي والعالمي.

الآن ربما سيكون لمصر دور مهم، فمهما يحدث من تحولات في الأدوار السياسية، سيظل للشقيقة الكبرى دور مهما مورس عليها من ضغوطات، خاصة ما يوصف بسيناء كوطن بديل.

القل يقول: وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وإعمار غزة في سياق مفاوضات جادة تنهي الاحتلال. هل من عقل يرفض ذلك؟ هل ممارسة القوة سياسة حكيمة عملية واستراتيجية؟ ألا تريد إسرائيل تعلم الدرس وأخذ العبر: لا سلام بدون حق شعبنا في تقرير المصير.

ما أعرفه هو ان الاحتلال الى نهاية، بالرغم مما لا أعرفه من أسرار. أما ما لا أريد معرفته، فهو كل مضمون لا يصبّ في حتمية تحررنا من الاحتلال.