- 24 تشرين أول 2023
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى ارشيد
في العقود السبعة والنصف الماضية من عمر (اسرائيل) القصير، استطاعت هذه أن تسوق نفسها باعتبارها الدولة الأسطورة المحدودة المساحة وعدد السكان، ولكنها مع ذلك واحة الحرية والديمقراطية وقيم الليبرالية الغربية، في صحراء الاستبداد الشرقي، و الدولة القوية والقادرة على الانتصار على أعدائها الذين يفوقونها عددا وثراء ومساحة بمرات ومرات.
اقتنع بهذه الأسطورة- الاكذوبة بعض من المهزومين في أمتنا وعالمنا العربي ومعهم بعض من العالم، لأسباب تتعلق إما بالخوف من قوتها التي لا تقهر وجيشها الذي يصورونه على أنه الجيش الرابع أو الخامس في العالم ،واما عن مصلحة وحاجة لاعتقادهم أنها القادرة على حماية النخب الفاسدة من شعوبها وابقائها في مواقعها، واما عن اعجاب ودهشة باعجازها واسطورتها لدرجة أن صدق كل هؤلاء أن ما تريد اسرائيل قد اصبح القدر المحتوم والقضاء الذي لا يرد.
صناعاتها العسكرية هي الاقوى في ميادين المعارك، هكذا يقولون دبابة الميركافاة هي التي تملك الدروع التي لا تخترقها مضادات الدبابات، وصواريخها ومنها صاروخ حيتس (السهم) من افتك صواريخ الحربية وادقها في إصابة الهدف، وبندقية الجليلة تتفوق على الكلاشنكوف الروسي والميم 16 الأمريكية، وقدراتها العلمية والتكنولوجية وصناعتها في مجال الرقائق الإلكترونية والطائرات المسيرة هي من الافضل بالعالم، أما قدرتها السيبرانية فقد جعلت من برامجها التجسسية (بيجاسوس) اهم برنامج تنصت وتجسس تسعى الدول وأجهزة مخابراتها للحصول عليه.
لكن كل ما تقدم تهاوى في سويعات قليله صبيحة السابع من تشرين، فلم تستطع الدولة الأسطورة الصمود لدقائق أمام ميليشيا متواضعة تعيش في قطاع محاصر، فقد اجتاحت هذه الميليشيا القواعد العسكرية المحصنة والجدران العالية المزودة بالتكنولوجيا المتطورة والمستوطنات ذات الوظيفة القتالية، كان بضع مئات من هذه الميليشيا يحرقون ويقتلون ويدمرون ويأسرون عدد من العساكر لم يتم إحصاؤها حتى الان، فيما استيقظ اهل غزة المدنيين على ضجيج المعركة، فالتحقوا بالمقاومين، بعضهم بأحذية منزليه (بابوج) أو ملابس النوم (بيجامه) ليشاركوا دون سلاح باسر ضباط وجنود الجيش الرابع في العالم المرتعشين رعبا، وكان مشهدا عجيبا شهده العالم على الفضائيات عندما كان هؤلاء اشباه الحفاه يفركون اعينهم من النوم و يتأبطون رؤوس الضباط والجنود المستسلمين يسوقونهم نحو الأسر.
النتيجة الصارخة، لم يفلح برنامج التجسس (بيجاسوس) في الحصول على معلومات عن المقاومة و استعداداتها للهجوم، ولا زالت دبابة الميركافاة ذات الدروع التي لا تخترقها مضادات الدبابات تتلعثم وتتردد ان كانت ستدخل في معركة برية مع المقاومة أم أنها أعجز من ذلك، وهي معركة لا تستطيع الا ان تخوضها ولا تستطيع أن تنتصر بها، فهل لا زال الخائفين من الدولة والأسطورة خائفين؟ وهل لا زال المعجبين بها معجبين؟ وهل لا زال هناك زبائن يرغبون بشراء اسلحتها وبرامجها التجسسيه.
لم يكن من بد أمام تهشم الأسطورة إلا أن تستنجد (اسرائيل) صانعيها و مشغليها الذين هبوا لدعمها بالسلاح والسياسة وزيارتها وبعضهم من تلقاء نفسه، وكان كبيرهم الرئيس الامريكي جوزيف بايدن الذي تم الترتيب له لعقد قمة في عمان مع قادة محور العجز المغلف بالحكمة والعقل، حيث يستطيع الضغط عليهم، او لعلهم يستدرجون ضغوطه وذلك للدخول في المعركة ضد المقاومة و لو بالحياد الظاهري، لكن تحركا انسانيا شعبيا عالميا، تحرك في المقابل وكان اهمه ما فعله الشارع الأردني الذي كان له فضل وشرف شطب انعقاد القمة من أساسها، وليس الفضل كما قيل هو رفض القيادات المشاركة بالقمة عقدها إثر جريمة قصف المستشفى المعمداني،
جاء بايدن اولا لشد العصب الإسرائيلي وعصب محور العجز والاعتدال ليؤكد لهم وقوف بلاده إلى جانبهم وتبنيه لرواياتهم، تحدث في مؤتمره الصحفي الذي جمعه مع نتنياهو وكأنه جنرال اسرائيلي من أقصى اليمين، ولكن الرئيس الذي يعمل في خدمة الدولة العميقة في واشنطن يدرك ولا شك خطورة اطالة امد الحرب هذه على مجريات الحرب الروسية الأوكرانية من جانب، وإمكانية انخراط الضفة الغربية والداخل الفلسطيني في اعمال المقاومة، ثم لاحتمال دخول محور المقاومة او بعض اطرافه في المواجهة مما سيؤدي إلى تحولها من حرب ضد غزة، ضد المقاومة، ضد حماس، إلى حرب اقليمية واسعة تكون الولايات المتحدة ومصالحها الخاسر الأول فيها، ومن بعدها دولة الاحتلال ومحور العجز العربي،
قبل وصوله وصلت البارجات وحاملات الطائرات الى البحر الابيض المتوسط، لإثارة الرعب استعدادا لزيارته، ولكن ما حصل أن هذه البارجات وحاملات الطائرات لم ترعب احدا، وانما حرضت القوى الحية على مزيدا من التحرش لا في اسرائيل فحسب كما يحصل في جنوب لبنان حيث تمارس المقاومة إشغال العدو والاشتباك معه على طريقه تنس الطاولة، وإنما بمشاركة المقاومة السورية والعراقية، بقصف قواعد أمريكية في الريف الشمالي لدير الزور، وفي قاعدتي التنف وعين الأسد وغيرهما من المواقع الأمريكية في العراق، فيما يطلق اليمن صواريخه باتجاه بارجة عسكرية أمريكية في البحر.
انه مفصل تاريخي هام إذ ستعيد نتائج الحرب صياغة المنطقة حيث ستضعف قوى كانت تبدو قوية، وستغيب أخرى، وستظهر قوى ووجوه جديدة، منها من يملك الفرصة في حال الانتصار ليكون القوة الاقليمية الاولى و المسيطرة على المشرق و التي عليها ادراك ان هذه ليست معركة غزة و فلسطين فقط وإنما معركتها .

