- 25 تشرين أول 2023
- أقلام مقدسية
بقلم : أحمد صيام
قد يعتقد قارئ العنوان ان كلمات المقال ستكون حول شخصية ما او قائد هنا او هناك !! خليل ما هو الا انسان بدت عليه البساطة والسعي وراء رزقه وقوت أولاده ، ولكن فعله كان احد اسباب النجاح الذي حققته عملية " طوفان الأقصى " في السابع من تشرين أول الجاري ( أكتوبر ) فمن هو هذا " الخليل " ؟؟
قبل الخوض بتفاصيل خليل ، لا بد من الاشارة الى ان دولة الكيان كانت قد شنت قبل السابع من أكتوبر ستة حروب على قطاع غزة خسرت فيها المقاومة الفلسطينية أضعاف ما خسرته قوات الاحتلال الغازية ، وجميعها كانت حروب دفاعية من جانب المقاومة حيث كانت تتصدى بما تملك من امكانيات محدودة للغاية وفي اغلبها تصنيع محلي ، مقابل عدوان مدجج بأحدث الاسلحة الفتاكة والقنابل ومعظمها محرمة دوليا ، ولكن وسط التعمد في تغييب الوعي الدولي والعدالة الكونية ، يجري غض الطرف عن ممارسات الاحتلال المخالفة لكافة الاعراف والقوانين الاممية ، بحق شعب متعطش لعدالة تغيب عنه منذ عقود طويلة ، ما يجعله يصب جل اعتماده على عدالة السماء .
المقاومة الفلسطينية كانت دوما هدفا لموجات متعددة من العدوان طال الحجر والبشر في قطاع غزة المحاصر منذ 2007 ، والبالغة مساحته 365 كم . ومنذ سيطرة حركة حماس على كامل القطاع عام 2007 ، والضحايا بالآلاف والغالبية العظمى منهم من الأبرياء العزل قضوا تحت أنقاض ما كان الاحتلال يدمره بقصف همجي وحشي حتى دور العبادة إسلامية كانت أم مسيحية ، لم تسلم من قنابلهم الحارقة ، والعدالة الكونية مغيبة وسياسة الكيل بمكيالين هي المخيمة خاصة إذا ما تعلق الأمر بالساحة الفلسطينية .
ومن هنا قامت قيامة العالم الاستعماري الحاضن للاحتلال والمدافع عن ممارساته في أعقاب عملية طوفان الأقصى التي بدأت في السابع من تشرين أول الجاري ( أكتوبر ) وما زالت راح فيها ألوف مؤلفة من الأبرياء الفلسطينيين ، مقابل عدد كبير من الجانب الآخر ، ناهيك عن كم من أسرى اسرائيليين ، عسكريين ومدنيين ، مع انه في المفهوم الاسرائيلي لا يوجد مدنيين اسرائيليين لان الخدمة العسكرية الاجبارية تطال كل اسرائيلي ، رجالا كانوا أم نساء !!
السابع من " أكتوبر" يوم تاريخي مميز في تاريخ الثورة الفلسطينية ، ومفصلي في مسار قضية تكالب عليها بنو البشر من كل صوب وحدب ، حتى بني جلدتنا ومن نرتبط معهم باللغة والدين والعرق لم نسلم من مؤامراتهم على مر الزمان ، لذلك يمكن القول ان ما بعد هذا التاريخ لن يكون كما قبله .
كثير من المحللين اعتبروا عملية طوفان الاقصى مغامرة ، ولكن كما يبدو من مجريات الأمور حتى اللحظة محسوبة بدقة متناهية ، حتى ردة الفعل المسعورة التي قامت بها دولة الكيان ، كانت ضمن معطيات الحسبة ، والتي اودت بحياة الالاف من ابناء شعبنا في القطاع نصفهم من الأطفال والشيوخ والنساء ، حتى ان هناك عائلات برمتها مسحت من السجل المدني ، عدا عشرات الآلاف من المنازل والبنايات المأهولة جرى تسويتها بالأرض .
لا يمكن انكار ان المقاومة الفلسطينية ومما سبق من حروب عدوانية استهدفتها ، استخلصت العبر واستفادت منها ، ورفعت شعار : " الضربة التي تؤلم لكنها لا تقتل تقوى " لذلك أعدت العدة بشكل محكم ، وخططت واستطاعت معرفة معظم التفاصيل التي تمكنها من الانقضاض على العدو و مباغتته .
وكان " خليل " أحد أهم المعضلات التي ساهمت في مباغتة الاحتلال افقدته صوابه ، حتى أنها أفقدته روح المبادرة ، ووضعته في صدمة لم يستفق منها حتى الآن رغم الدعم الغربي الاستعماري الذي تلقاه وما زال ، وجعلته يتخبط في ردة فعله والتي كانت كالمعتاد بقصف بربري وحشي فاق السابق .
تقول إحدى المستوطنات التي نزحت عن غلاف قطاع غزة في مقابلة معها ، أن عامل فلسطيني يدعى خليل كان يعمل في المستوطنات الاسرائيلية ودخل كل منزل وحاز على ثقة جمهور واسع من المستوطنين ، واستخدمه الكثير في أعمال مختلفة ، من سباكة ونجارة وتنظيف وبناء وبستنة .. وغيرها ، وبدت عليه البساطة والمسكنة وحاز كذلك على عطف كثير ممن عمل لديه في المستوطنة .
ولكن ، تبين أن خليل هذا كان من عناصر المقاومة ، زرعته المقاومة وسط المستوطنين ، وكان خبيرا في رسم الخرائط ، وأتقن عمله بشكل كبير الى درجة ان خرائطه شملت كل منزل ، داخله وخارجه ، حتى مفاتيح الكهرباء والمياه رسمها بالخريطة بكل دقة ، ومعلوماته شملت كل عائلة بالاسم وعدد الأفراد واعمارهم وعدد السيارات والزوار وغير ذلك كثير ، ما أسهم في سهولة تحرك عناصر المقاومة مباغتتهم للمستوطنين والمعسكرات العسكرية والسيطرة على أجزاء واسعة من المنطقة وشل حركة قوات الدعم التي استدعيت لردع أفراد المقاومة لوجود إسرائيليين مستوطنين معهم .
من دون شك أن شخصية خليل تكررت في أكثر من مستوطنة بمنطقة غلاف غزة ، ويؤكد أن المقاومة في استخلاصها للعبر، درست التاريخ جيدا ، واستفادت من تجربة الحركة الصهيونية في عقد الثلاثينات والاربعينات ، والتي كانت قد زرعت بين الفلسطينيين يهود " كخليل "بدى عليهم انهم مسالمين الا انهم كانوا يجمعوا المعلومات عن كل عائلة فلسطينية بالقرى والبلدات والمدن الفلسطينية ، بكل تفاصيلها ما سهل عملية الاستيلاء واحتلال فلسطين ، ودور خليل ساهم بشكل فعال ولاول مرة في تاريخ الصراع أن تبادر المقاومة الى الهجوم ومباغتة الاحتلال ، وعدم الاكتفاء بالدفاع وصد العدوان ، وكما يبدو من هنا أعادت سلطات الاحتلال اعتقال ما امكن من عمال قطاع غزة الذين نقلتهم إلى الضفة الغربية خلال العدوان ، والتحقيق معهم بحثا عن " خليل " !!
قد يتساءل سائل : هل يستحق الأمر أن تشعل المقاومة معركة وهي تدرك ان ردة الفعل الاسرائيلية سيكون ثمنها باهظا جدا ؟ الامة برمتها تعيش حالة من الذل والهوان ، وشعبنا جزء لا يتجزأ منها وانسحبت هذه الحالة عليه ، ما شجع الاحتلال في التمادي بعنجهيته وساديته بحق المسرى والأسرى ، والحجر والبشر ، دون أدنى مراعاة لمبادئ وقوانين حقوق الإنسان والشرعية الدولية التي باتت قراراتها حبرا على ورق إذا ما تعلق الأمر بالفلسطينيين .. وانسد الافق امام الشعب الفلسطيني الذي وقع بين فكي كماشة التهجير الطوعي او البقاء خدما وعبيدا للسياسة الاستعمارية ، فأتت عملية طوفان الأقصى ، - وهي قد تكون سلاح ذو حدين ، إلا أنها أعادت القضية الفلسطينية والمعاناة التي يكابدها الشعب الفلسطيني والذي خرج منه هذا الخليل ، وهو قادر على انجاب اكثر من خليل وصولا الى الكرامة والحرية المنشودة ، الى سلم الأولويات ، ويتضح ذلك من اختلاف اللهجة الحاصل في ردود الفعل الدولية والتي كانت في بدايات المعركة مؤيدة بالمطلق للاحتلال وممارساته وابدت تعاطفا كبيرا معه ، الا انه مع الوقت أخذ العالم يستفيق ولو قليلا من غفلته وينظر الى الفلسطينيين كشعب يعاني من الاحتلال ويدعو الى ضرورة اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق ما أقرته الشرعية الدولية .

