• 31 تشرين أول 2023
  • أقلام مقدسية

بقلم : أحمد صيام 

المبادرة التي تقدم بها الدكتور سلام فياض ، رئيس الحكومة الفلسطينية الاسبق ، لانهاء العدوان الاسرائيلي البربري على قطاع غزة ، والدور المطلوب من السلطة الوطنية الفلسطينية بعد أن تضع الحرب أوزارها ، وهو بالطبع ليس تقليلا من شأن ذلك الرجل الذي قاد بحنكة وحكمة مرحلة من أدق المراحل في تاريخ السلطة الفلسطينية ، بعد أن عصفت بها رياح الانقسام المؤلم بين شطري الوطن ( الضفة الغربية وقطاع غزة ) وسيطرة حركة حماس على قطاع غزة بالكامل وإنهاء أي وجود للسلطة الفلسطينية فيه . 

المشككين في وطنية الدكتور فياض ، وبعيدا عن بعض ردود الفعل التي صدرت هنا وهناك على مبادرته ، ووصفها بأنها شكل من أشكال الخروج عن الاجماع الوطني الفلسطيني ، او انتقاد توقيتها حيث الاولوية لوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الانسانية لاهل القطاع ، أو عن ضرورة الضغط على أصدقائه في الحزب الديموقراطي الحاكم بالولايات المتحدة الامريكية لأجل الضغط على دولة الكيان بوقف عدوانها !! وبعيدا عن المؤيدين أو المعارضين لهذا الرجل ، السؤال الذي يطرح نفسه:  هل كان الدكتور فياض حين أعلن عن مبادرته ، ينطق عن الهوى ؟

 اضافة الى سؤال آخر يطفو على السطح ، ودوت اصداءه بعد عملية " طوفان الأقصى " ما هو الاجماع الوطني الفلسطيني ؟ 

اولا ، ماذا تقول مبادرة فياض بإيجاز : المبادرة تطالب حركة حماس بإطلاق سراح المدنيين الذين تحتجزهم دون قيد أو شرط ، وهو ما لوح به بعض من قيادات حركة حماس الموافقة المشروطة ، اضافة الى ان ذلك يأتي ضمن الجهود القطرية الحالية ، والدعوات الروسية الى حد قريب ، اضافة الى انه مطلب أمريكي ، بمعنى أن هناك توافق في وجهات النظر بين مختلف الأطراف ولكن بحاجة الى ربط الخيوط ببعضها! 

فياض تحدث ايضا عن السلطة الفلسطينية ، مستبعدا أن تكون قادرة على حكم وإدارة قطاع غزة بعد أن  تنتهي الحرب ، بهيكليتها وتشكيلاتها الضعيفة الحالية ، في ظل تعاظم موجة الغضب الشعبي في الضفة الغربية ، على الصمت الرسمي والتنظيمي إزاء ما يجري من جرائم بحق المدنيين في قطاع غزة ، وهو ما أضر بوحدانية تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني ، في ضوء تمسكها بخيار السلام في الوقت الذي تتآكل فيه شعبيتها على حساب المعارضين لاتفاقيات أوسلو التي باتت حبرا على ورق والالتفاف الاسرائيلي عليها ، في وقت التفت الجماهير حول المعارضين الذين تبنوا خيار المقاومة ، وتعاظمت شعبيتهم بعد عملية " طوفان الأقصى " . 

ومن هنا دعا فياض في مبادرته وقبل اي خطوة قادمة ، وقبل فوات الاوان ، الى الاسراع في اصلاح هياكل ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتوسيع لجنتها التنفيذية لتشمل حركة حماس والفصائل ذات التوجهات المماثلة ، والانطلاق نحو تبني برنامج سياسي وطني يعكس الطيف الكامل من وجهات النظر الفلسطينية حول ما يشكل تسوية مقبولة تحافظ على مسار يؤدي إلى حل الدولتين عن طريق التفاوض ، ومن ثم ووفق القانون الأساسي تتولى السلطة الوطنية ومن خلال حكومة توافق عليها منظمة التحرير الفلسطينية الموسعة ، السيطرة الكاملة على إدارة شؤون الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال فترة انتقالية ، ربما تقود الى تحقيق ما يحلم به الشعب الفلسطيني . 

مبادرة فياض هذه ، سبقتها عدة إشارات رسمية وشعبية ، فلسطينية وعربية ودولية ، ومنها اسرائيلية من المعتدلين في دولة الكيان ، ماذا بعد الحرب على غزة ؟ فمن ضمن الإشارات الرسمية ، كان هناك تصريحات للرئيس الامريكي بايدن عن حل الدولتين ، - بصرف النظر عن جديته أو أنها تصريحات مخادعة - ، الأمر نفسه بالنسبة للرئيس الروسي بوتين ، وايضا الصين تحدثت عن ذات الشأن ، حتى اسبانيا دعت الى مؤتمر دولي للسلام في الشرق الاوسط ، ومن دون شك هناك اشارات رسمية اخرى ، ومن الاشارات الشعبية ، نزول الملايين الى الشوارع في العواصم الغربية ، خاصة تلك المؤيدة للاحتلال وعدوانه  مثل بريطانيا ، وفرنسا ، وحتى في الولايات المتحدة ، ترفع شعارات الحرية لفلسطين . 

ناهيك عن الشعوب العربية والإسلامية الغاضبة ، والضاغطة على حكوماتها بضرورة نصرة شعب فلسطين ووقف ما يتعرض لع الشعب الفلسطيني من ابادة جماعية وتهجير قسري . 

ومن ثم تلى مبادرة فياض إشارات فلسطينية ، وكان محرما الحديث عنها في ظل العدوان ، أبرزها تصريحات رئيس الحكومة الفلسطينية الدكتور محمد اشتية ، الرافضة لأي ادارة اممية لقطاع غزة ، لافتا الى ان قطاع غزة مسؤولة من الحكومة الفلسطينية منذ ثلاثين عاما ، وان لا حلول جزئية لقطاع غزة او الضفة الغربية ، مشيرا إلى أن حركة حماس جزء من المشهد "السياسي" الفلسطيني . 

ورشحت معلومات من الغرف المغلقة للقيادة الفلسطينية في رام الله ، ان الرئيس محمود عباس تحدث في هذا الإطار وعن ضرورة ضم حركة حماس الى منظمة التحرير الفلسطينية ، و نقاش دار حول إدارة قطاع غزة بعد انتهاء العدوان . 

في ضوء ما تقدم ، هل أتت مبادرة الدكتور سلام فياض من فراغ ؟ ام تبرع مشكورا بتقديم رؤية من ذاته ؟ وهل كان ينطق عن الهوى ؟ أم أنه سيكون رجل المرحلة القادمة ؟ 

تقديري ان الدكتور فياض ، وبحكم علاقته الشخصية الحميمة التي تجمعه والرئيس محمود عباس ، وبحكم علاقاته القوية والحزب الديموقراطي الحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية ، وبحكم حسن إدارته للشؤون الفلسطينية إبان توليه رئاسة الحكومة الفلسطينية ، والرضا الشعبي عن ذلك ، لم يكن ينطق عن الهوى ، وإنما تلقى إشارات من تحت الطاولة ، ربما امريكية ، وربما من الرئيس محمود عباس للادلاء بدلوه ، لجس نبض الشارع وتهيئته لقيادة المرحلة القادمة ، حتى ولو كانت انتقالية . 

بصرف النظر، إن كانت حركة حماس قد اخطأت ، او اصابت في عملية " طوفان الاقصى " الا انه من دون شك أن هذه العملية البطولية الاسطورية قد حركت المياه الراكدة ، فقد كشفت زيف الأساطير الاسرائيلية عن الجيش الذي لا يقهر ، كشفت عورته أمام شعبه وأمام العالم أجمع ، ما استدعى دولة الكيان الى طلب النجدة من حلفائها وخاصة الولايات المتحدة والغرب الذين حركوا الأساطيل والبوارج لإنقاذها من السقوط بالهاوية ، كذلك فقد أسقطت هذه العملية القناع وكشفت الصديق من العدو ، خاصة اولئك المتهالكين على التطبيع ، واستحالة تحقيقه مع الشعوب التي تقطر قلوبها نحو فلسطين ، حتى لو بادر الحكام المهزومين إليه ، كما والحقت " طوفان الاقصى " ولاول مرة في تاريخ الصراع خسائر مادية وبشرية فادحة في صفوف الجانب الاسرائيلي لم يسبق لها مثيل ، ودفعت باتجاه ضرورة إيجاد حل عادل وشامل للصراع يستند الى الشرعية الدولية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بحدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية إلى جانب دولة الكيان. 

وربما دعوة الرئيس محمود عباس في اجتماع القيادة الأخير لعقد قمة عربية طارئة تأتي ضمن هذا الإطار ، لبلورة إجماع عربي لإحياء المبادرة العربية للسلام وفرضها على الطاولة من جديد وبموافقة أمريكية ودولية.