• 3 كانون أول 2023
  • أقلام مقدسية

 

 بقلم ٬ الشيخ مازن اهرام 

عادت حكاية قابيل وهابيل إلى أرض فلسطين 

صورتان متماثلتان تختلفان في الجوهر والمضمون 

الرحمة الإنسانيّة التعاطُف مع ما حوله من الناس أو من المخلوقات وتعني مواجهة الواقع بما يحقّق مصلحة الإنسان المستمدة من الرحمة الإلهيّة من المغفرة والتسامح وأنّها الرغبة والإرادة في إيصال الخير للغير وهي حالةٌ وجدانيَّةٌ تعرض غالبًا لمن به رقّة القلب وعطفه وتكون مبدأ مقام الإحسان 

والجانب الأخر تجرد من إنسانيته البشرية فأصبح دون وبعداوته وبطشه إذا تولى سعى في الأرض بالعدوان والظلم والدمار عاد لقتل البشر وقلع الشجر وهدم المدن (وإذا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) 

الحرية التامة للإنسان طبقا للعقيدة والمعتقد الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وُهِبوُا العقل والوُجْدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء والمساوة

لكلِّ إنسان حقُّ التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة دونما تمييز من أيِّ نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدِّين، فالناسُ جميعًا سواءٌ أمام القانون البشري بل أمام قانون الله الحكم العدل فالحق يرشدنا بقوله 

  (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا  يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ،  يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي ، إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا ، فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي ، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا   يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) 

 أخرجه مسلم في صحيحه 

اتفقت جميع الشرائع السماوية الحفاظ على الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ للإنسان   وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالنَّسْلُ، وَالْمَالُ، وَالْعَقْلُ ـ وضَّرُورِتها لحياة الإنسان على وجه البسيطة 

لنرجع الى الماضي السحيق 

تعدّ قصّة قابيل وهابيل أوّل قصّة قتلٍ حدثت في تاريخ البشريّة، وتحدّث القرآن الكريم عن هذه القصّة وذكر أدقّ تفاصيلها، ومن باب الذكرى إن نفعت الذكرى في هذا المقال المزبور نسترشد جوهر القصّة والحكمة منها كما وردت في القرآن الكريم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 (لا تُقْتل نفسٌ ظُلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفل من دمها لأنهُ كان أول من سنْ القتل)

 ‏وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام وَهُوَ 

أَنَّ كُلّ مَنْ اِبْتَدَعَ شَيْئًا مِنْ الشَّرّ كَانَ عَلَيْهِ مِثْل وِزْر كُلّ مَنْ اِقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ الْعَمَل مِثْل عَمَله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَمِثْله مَنْ اِبْتَدَعَ شَيْئًا مِنْ الْخَيْر كَانَ لَهُ مِثْل أَجْر كُلّ مَنْ يَعْمَل بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَهُوَ مُوَافِق لِلْحَدِيثِ الصَّحِيح: " مَنْ سَنَّ سُنَّة حَسَنَة وَمَنْ سَنَّ سُنَّة سَيِّئَة " وَلِلْحَدِيثِ الصَّحِيح " مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْر فَلَهُ مِثْل أَجْر فَاعِله " وَلِلْحَدِيثِ الصَّحِيح:

 (مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى هُدًى وَمَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى ضَلَالَة) 

فهي من القصص المعبرة والمثيرة التي قصها علينا القرآن الكريم قصة ابني آدم عليه السلام، تلك القصة التي جرت وقائعها مع بداية الوجود الإنساني على هذه الأرض، والتي انتهت أحداثها بقتل الأخ لأخيه، حسداً وعدوانا ذكر سبحانه حاصل أحداث هذه القصة في موضع واحد من كتابه وهو قوله ً  

 (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين * إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين * فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين) 

(المائدة   : 27-31)

جاءت هذه الآيات عقيب حديث طويل عن رذائل قوم موسى عليه السلام، الذين خالفوا نبيهم، وامتنعوا عن طاعته، والاهتداء بهديه، وقالوا له بكل صلافة وسوء أدب 

 {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} 

(المائدة:  24)
ومجريات القصة تفيد أن كلاًّ من قابيل وهابيل قدَّم صدقة قربة إلى الله سبحانه، فتقبل الله صدقة هابيل؛ لصدقه وإخلاصه، ولم يتقبل صدقة قابيل؛ لسوء نيته، وعدم تقواه، فقال قابيل -على سبيل الحسد-لأخيه هابيل: {لأقتلنك} بسبب قبول صدقتك، ورفض قبول صدقتي، 

 {إنما يتقبل الله من المتقين} فكان ردُّ هابيل لأخيه قابيل ردًّا فيه نصح وإرشاد؛ حيث بيَّن له الوسيلة التي تجعل صدقته مقبولة عند الله، ألا وهي التقوى، وصيانة النفس عن كل ما لا يرضاه الله سبحانه 
الأخ الناصح العاقل-  انتقل من حال وعظ أخيه بتطهير قلبه من الحسد   إلى تذكيره بما تفتضيه رابطة الأخوة من تسامح، وما تستدعيه لحمة النسب من بر فقال لأخيه (  لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين)

فأخبره أنه إن اعتدى عليه بالقتل ظلماً وحسداً، فإنه لن يقابله بالفعل نفسه؛ خوفاً من الله وكراهية أن يراه سبحانه قاتلاً لأخيه إذ القتل جريمة نكراء شنعاء، ولا سيما إذا كانت من أخ لأخيه ثم انتقل هابيل إلى أسلوب آخر في وعظ أخيه وإرشاده؛ إذ أخذ يحذره من سوء المصير إن هو أقبل على تنفيذ فعلته السوداء الهوجاء 

إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين 

 بيد أن قابيل لم يرعىِ نصائح أخيه، وضرب بها عُرْض الحائط، ثم انساق مع هوى نفسه، وزينت له نفسه الإقدام على تلك الفعلة الشنعاء، ارتكب جريمته النكراء وأفظعها. على أن قابيل القاتل لم يكتف بفعلته تلك الجريمة البشعة، بل ترك أخاه ملقى في العراء، معرضاً للهوام والوحوش، ما يدل على قساوة قلبه، وشنيع فعله، بيد أن الله سبحانه لا ينسى عباده الصالحين، فهو يرعاهم بعنايته ورعايته، ويكلؤهم بحفظه وحمايته، فقد بعث الله غراباً يحفر في الأرض حفرة ليدفن تلك الجثة الهامدة التي لا حول لها ولا قوة من البشر، فلما رأى قابيل الظالم 

ذلك المشهد، تحركت فيه عواطف الإنسانية، وأخذ يلوم نفسه على ما أقدم عليه، وعاتب نفسه كيف يكون هذا الغراب -وهو من أخس أنواع الطيور أهدى منه سبيلاً، فعض أصابع الندامة، وندم ندماً شديداً، ولات ساعة مندم  

لقد فقدت الانسانية انسانيتها وجُرد الانسان من جوهره أما آن لهذا العالم أن يعود إلى إنسانيته اما آن الاوان ان تستفيق الانسانية؟ متى يعود الانسان الى انسانيته؟