- 6 أيلول 2024
- أقلام مقدسية
بقلم : د. لبيب قمحاوي
لم تشهد أُمَّةٌ إقتراب نهاياتها المفجعة بأعين مفتوحة جافاها الدمع وقلوب كسيرة تنبض بالموت كما يفعل العرب ذلك بأنفسهم وهم يتدافعون الآن نحو نهاياتهم بخطىً متسارعة وخيارات عقيمة يَسْتـَجْدونَ من خلالها الرحمة والعطف من العدو ، ويبيعون كرامتهم لكل من يُبدي استعداداً لشرائها حتى لو كان الهدف من ذلك سَحْقَها والدوس عليها دون رحمة ، معتبرين أن إستعطاف العدو وإستجداء فتاته أكثر جدوى وأهمية من دعم الاشقاء أو من استنهاض الأمة للدفاع عن حقوقها المسلوبة .
الحقوق العربية أصبحت أضحوكة ومهزلة تلوكها ألسن العديدين ومنهم بعض الموتورين من أبناء العروبة الذين يعتبرون أنفسهم الأكثر فهماً لمصالحها والأكثر تقديراً لمتطلباتها ، وهم يسعون بذلك إلى تبرير انهزاميتهم وقصورهم الفاضح في خدمة أوطانهم وشعوبهم منطلقين من الفرضية بأن خدمة النظام الحاكم يجب أن تكون في صلب الأولويات الوطنية لأي نظام وهي ما يضفي الشرعية على أية إجراءات أو قرارات أو سياسات يتم اعتمادها والعمل بها باعتبارها تمثل المصالح الوطنية لهذه الدولة العربية أو تلك .
استنهاض العروبة تحت ضغوط وتحديات الإحتلال والتنمية الاقتصادية والتبعية السياسية كان من المفروض والمنطقي أن يكون الخيار الأول والأكثر مثالية وملاءمة للمصالح العربية ، ولكن هذا لم يحدث ، وجاء الخيار الحقيقي في النهاية مختلفاً ومتناقضاً مع المنطق والمصلحة العامة للعرب . أماّ استنهاض العرب فهو أمر لم يعد ممكناً بسهولة بعد أن أمضت الأنظمة العربية عقوداً وهي تطحن شعوبها وتكسر ارادتها لصالح تنمية مفهوم الانصياع والولاء الأعمى ، وتدفع بها بالتالي في اتجاهات معاكسة لمصالحها والمصلحة القومية مقتربة بذلك من الهدف الصهيوني ومن قبول الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين باعتباره أمراً واقعياً وباعتبار التعامل معه هو الخيار الأكثر عملية والأقرب إلى مصالح الأنظمة العربية الحاكمة والمفتاح الأهم للدعم الأمريكي المستمر لتلك الأنظمة .
الدعم العربي والإسلامي لِحَقّْ الفلسطينيين وهدفهم في البقاء على أرضهم ومنع كافة ممارسات الإحتلال الإسرائيلي الهادفة إلى تهجيرهم من وطنهم فلسطين هي نوع الدعم الذي يحتاجه الفلسطينيون من العرب . ومطالب دعم صمود الفلسطينيين على أرضهم فلسطين يتنافى وإدعاءات بعض الأنظمة العربية بثقل الحمل الفلسطيني على أكتافهم مما يعني أن حالة العداء لإسرائيل هي بحد ذاتها حملاً لا يرغبون بحمله نظراً لعدم توفر النية لديهم لمعاداة إسرائيل مما أدى إلى تطور حالة عربية من الحقد الظالم على الفلسطينيين باعتبارهم في نظر تلك الأنظمة أسـاس البلاء العربي وليس باعتبار إسرائيل هي أسـاس ذلك البـلاء . الهدف من هذا الحديث ليس تجريم أحد أو القاء اللوم على أحد دون الآخر بقدر ما يهدف إلى تبيان الحقيقة وعدم السماح بإلقاء مسؤولية الضعف والهوان العربي على أكتاف الفلسطينيين . وبالإضافة إلى ذلك ، فإن الأنظمة العربية وليس الفلسطينيين هي من دعمت السلطة الفلسطينية ودورها الآثم في التعاون مع الاحتلال ومنع مقاومته مما شجع المستوطنين على استيطان المزيد من أراضي الضفة الفلسطينية وخَـلَقَ بالنتيجة حالة ضاغطة بشكل متفاقم على الشعب الفلسطيني أدت في السابع من أكتوبر 2024 إلى انفجار الأوضاع في إقليم غزة ثم في الضفة الفلسطينية .
ما جرى من حرب على إقليم غزة بعد السابع من أكتوبر عام 2024 ، والقتل والتدمير الذي رافقها أمراً من المستحيل نسيانه أو إعادته إلى الوراء . والموقف العربي الرسمي السلبي مما جرى ويجري للفلسطينيين في تلك الحرب هو أمر مرفوض ومن الصعب بالتالي قبوله أو محاولة تبريره أو العودة عنه بعد كل تلك الظروف الدموية والتدميرية التي مَرَّ بها الشعب الفلسطيني وما زال . ومـع أن " العـودة عن الباطـل فضيلـة " ، إلا أن ما فعلته الأنظمة العربية أو بالأصح ما لم تفعله الأنظمة العربية لمساعدة ودعم إقليم غزة والضفة الفلسطينية هي أمر لا يمكن تجاهله أو التغاضي عنه أو مسامحته أو الرجوع عنه لأن ما حصل قد حصل ، ولكن المطلوب حقيقة هو إزالة الظروف التي جعلت حصول ذلك ممكناً وبشكل لا يسمح بالعودة إلى مثل ذلك المسار العربي الرسمي والمشؤوم مجدداً.
من الصعب إن لم يكن من المستحيل السعي نحو إيجاد سبيل لمسامحة الأنظمة العربية على ما لم تقم به تجاه الشعب الفلسطيني . وسعي بعض الأنظمة العربية للخلاص الروحي من عقدة الذنب يتم الآن من خلال الامعان في قهر الفلسطينيين أينما كانوا وتجاهل حقوقهم أو المباهاة والتفاخر العلني بالتملق للإسرائيليين ومحاباتهم في محاولة بائسة لتبرير ما ارتكبوه من أخطاء بحق شعوبهم وأمتهم ومصالحها من خلال سياسات التطبيع المجاني أو قبول خيار النهج الإبراهيمي الساعي إلى إعادة تعريف الوجود الإسرائيلي في المنطقة باعتباره وجوداً أصيلاً له جذوره التاريخية والدينية التي تجمع اليهود والعرب وتضعهم في نفس القارب الذي يمنحهم حق التمتع بنفس الحقوق التاريخية والدينية ويجعل منهم كيهود شركاء أصيلين في المنطقة وليس دخلاء عليها ومحتلين لأراضيها .
أن التعقيدات التي تغلف القضية الفلسطينيـة تنبع من كونها قضيـة وطـن وليس قضية سياسية قابلة للتجزئة . فالوطن هو وحدة واحدة ، وهو إطار جامع ولا يمكن تقسيمه إلى أجزاء بعضها سياسي وبعضها ديني وبعضها الآخر اقتصادي . الوطن الفلسطيني هو إطار جامع لشعب واحد هو الشعب الفلسطيني ، ولكن المسؤولية الدينيـة هي إطار روحي عابـر للشعـوب الأوطـان ومن هنا تجئ المسـؤولية الإسلامية والمسيحية في حماية الأماكن المقدسة في الوطن الفلسطيني من سطوة الاحتلال ومحاولاته المستمرة لتهويد تلك الأماكن المقدسة إنطلاقاً من النظرة العنصرية الإقصائية والدينية الضيقة لذلك الكيان .
يخُطْىء العالم الإسلامي إذا اعتقد أن حماية الأماكن المقدسة ومنها المسجد الأقصى هي مسؤولية فلسطينية حصراً . الفلسطينيون مسؤولون عن حماية القدس باعتبارها أرضاً فلسطينية السيادة عليها للفلسطينيين فقط . أما حماية المواقع الدينية مثل الأقصى كمسجد وكموقع ديني إسلامي ومنع تحويله إلى معبد يهودي فهي من مسؤولية العالم الإسلامي ، أما إذا لم يشأ العالم الإسلامـي ذلك أو يكترث به ، فهذه مشكلته وليست مشكلـة الشعب الفلسطيني .
السيادة السياسية شئ ، والقدسية الدينية للأماكن الدينية ومنها الأقصى شئ آخر . وإذا ماشاء العالم الإسلامي أن يتنكر لمقدساته في فلسطين أو أن يتجاهلها أو يُحْجِم عن دفع الثمن المطلوب لحمايتها ولمنع الاحتلال الإسرائيلي من التعدي على حرمتها الدينية ، فالمسؤولية الدينية والأدبية والأخلاقية تقع على ذلك العالم . ومع ذلك فعندما تم تدمير مساجد غزة وكنائسها ، حتى التاريخي منها والـذي لا يمكن تعويضه ، لم يحرك أحد ساكناً لا في العالم الإسلامي ولا في العالم المسيحي .
وعندما تصدى الفلسطينيون في معركة "سهم الأقصى" لحماية الوضع الديني للمسجد الأقصى ودفعوا ثمناً غالياً من أجل ذلك ، فإن العالم الإسلامي لم يقم بواجبه ولم يفعل شيئاً . ومَنـْع الإحتلال الإسرائيلي من الاستيلاء على المسجد الأقصى دينياً ، سواء جزئياً أو كلياً ، تمهيداً لتحويله إلى كنيس ومعبد لليهود تبقى دائماً مسؤولية إسلامية . وهكذا ، ومع أن تحرير مدينة القدس من الإحتلال وفرض السيادة الفلسطينية عليها تبقى في نهاية الأمر مسؤولية فلسطينية ، إلا أن منع تغيير الصفة الدينية للأماكن المقدسة ومنع تحويلها إلى أماكن عبادة يهودية هي أيضاً مسؤولية العالمين الاسلامـي للأماكن الإسلامية والمسيحي للأماكن المسيحية . وهكذا ، تبقى المسؤولية مشتركة إذا ما اعتبرنا أن عروبة مدينة القدس هي أمر يهم الفلسطينيين سياسياً بينما قدسية وحرمة أماكنها المقدسة هي أمر يهم العالمين الإسلامي والمسيحي دينياً . هذه هي الحقيقة التي لا يريد أحد ، على ما يبدو ، أن يفهمها أو حتى أن يسمع بها .

