• 3 تشرين الثاني 2013
  • أقلام مقدسية

                  

عندما كنت أجد عددا من الأشخاص من الذين ينتمون الى الحزب الشيوعي ، او الجبهات اليسارية الشعبية والقومية والديمقراطية، او حتى ممن اطلقنا عليها ماركسيين، وهم يؤدون صلاتهم في المسجد الأقصى المبارك، او مساجد أخرى ويبدو عليهم الخشوع والانصات وهم يستمعون الى خطبة الجمعة او درس ديني، كنت أسأل نفسي : لقد غرسوا في انفسنا منذ الصغر ما يفيد ان هذه الفئة من اليساريين، وخاصة الشيوعيين والماركسيين منهم، ملحدون!..  فإذا كانوا ملحدين، فلماذا نراهم يؤدون صلاتهم؟ .. هل يؤدونها لأن الذهاب الى المساجد لأداء صلاة الجمعة مثلا، اصبح  موضة أو عادة اجتماعية؟ او مكانا للإلتقاء بالناس وعدم الانعزال عنهم! وكنت أسأل نفسي أيضا.. من الذي أطلق على الأحزاب اليسارية صفة الالحاد؟ وهل يحق لأي من البشر أن يصم أحدا بالالحاد وهو لا يعرف ما في قرارة نفسه؟

وأخيرا كنت أسأل نفسي : من صاحب المقوله : الدين لله والوطن للجميع ؟ وهل هذه المققولة تتعارض مع جوهر الاسلام؟

هذه مجموعة من الأسئلة تستحق أن نلقي عليها بعض الاضاءات بمنطق تحليلي، بعيدا عن الفكر التكفيري، وبعيدا عن الأراء المسبقة التي دخلت ثقافاتنا او فكرنا بصورة مشوُّهة او مشوِّهة .. وخاصة اننا في زمن يحتدم فيه الصراع بين التيارات الدينية والتيارات التي تدعو الى العودة التي التيار القومي الوطني، وفي زمن ايضا بتنا نسمع استهجانا من بعض التيارات الدينية على استخدام كلمة الوطنية، وكأنها كلمة معيبة بعيدة عن الدين!

من قرأ سيرة كارل ماركس، او من قرأ كتابه الشهير، رأس المال، لا بد انه أدرك ان ماركس قد تبحر في دراسة الاديان، وانه أبدى اعجابه الشديد بالفكر الاسلامي، وخاصة الفكر الاقتصادي الاسلامي، وعلى وجه التحديد احكام الزكاة وفكرة بيت مال المسلمين، وانه عندما وضع نظريته الاقتصادية، كان واضحا فيها تأثره بالمنهجية الاسلامية في التعامل مع القضايا الاقتصادية، لكنه لم يكتب حرفا واحد في كتابه، او حتى في الاعلان الشيوعي الذي شارك في اصداره، عن الابتعاد عن الأديان، او الالحاد، او عدم الاعتراف بوجود الله! وقد تم الصاق عبارة الالحاد بالشيوعية من قبل النظام الغربي الذين وجدوا بالفكرة الاقتصادية الشيوعية نقيضا ومنافسا للفكر الاقتصادي الرأسمالي.. وأننا بالتالي كمسلمين أكلنا الطعم الغربي في وصف الماركسية بالالحاد، وروجناه واخذنا به كأحد المسلمات، دون أن نتحقق من صحته او من أهدافه.

وعندما بحثت عن اصل مقولة " الدين لله والوطن للجميع" توصلت الى أن اساسها يعود الى القرون الوسطى، والى اوروبا بالذات، وأن الغرض منها كان لمحاربة نفوذ الكنيسة، وخاصة  ,البابا وتدخلهما في الامور السياسية للممالك الاوروبية المتعددة المتفسخة المتطاحنة المتحاربة في تلك الأيام، وان هذه المقولة لا علاقة لها لالاسلام او بالفكر اليساري او الفكر القومي او الإيمان الوطني اطلاقا، وقد استخدمت هذه العبارة قبل اربعة قرون من ظهور كارل ماركس او حتى جورج حبش. وفي بحث آخر حول هذه المقولة وجدت كثيرا من علماء المسلمين لا يجدون أي تعارض بينها وبين العقيدة الاسلامية، التي لم تحارب التعددية الدينية على مدى اربعة عشر قرنا من الزمن!

ولو أننا نظرنا الى نشوء حركة القومية العربية ، لوجدنا اسماء ثلاثة نادت بها في نهاية القرن التاسع عشر، اي قبل 130 سنة من الان، هذه الاسماء هي عبد الرحمن الكواكبي، والشيخ محمد عبده واستاذهما جمال الأفغاني  .. وكلاهم كان عالما دينيا مسلما مرموقا، وانهم عندما نادوا بالقومية العربية، كانت حركتهم اصلاحية وطنية بحته ، نابعة اساسا من ظلم الممارسة العثمانية في ادارة البلاد العربية ومحاولاتهم تتريك الشعوب المنضوية تحت لواء الامبراطورية العثمانية. ولعلنا نذكر الامام الشيخ محمد عبده، ليس فقط كصاحب فكر قومي عربي فقط، وداع للنهضة العربية والاستفاقة العربية من غيبوبة العصور الوسطى، بل وجدناه هو الرجل الذي قاد الحركة الإصلاحية للأزهر الشريف، منارة العلم الديني الاسلامي عبر الف عام من الزمن او يزيد، وجدناه يقود الازهر الشريف والفكر الاسلامي للتحرر والتخلص من معتقدات وخزعبلات دخيلة على الدين، والدين منها براء... محمد عبده والافغاني والكواكبي، الذين لم نعطهم حقهم من الاحترام والتقدير تمكنوا من الجمع باقتدار بين القومية والوطنية والدين ولم يجدوا اي تعارض بينها.

ولو نظرنا الى الزعامة الفلسطينية في بداية القرن الماضي، التي حاولت التصدي مبكرا للهجرة اليهودية وانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، لوجدنا ان هذه الزعامة كانت زعامة دينية في أعلى سلمها الهرمي، لكنها زعامة قومية الفكر والطابع، وطنية مخلصة للوطن، حتى لو اعترفنا بأن هذه الزعامة اقترفت عددا من الأخطاء في اسلوب عملها، لكنها لم ترتكب خطأ في المنهجية القومية الوطنية، وانها تمكنت من الجمع بين الخيوط الثلاثة في بوتقة واحدة، والخيوط الثلاثة هي الدين والوطنية والقومية.

وإذا نظرنا الى من أكمل المسيرة القومية في العالم العربي، واعاد بعثها بعد أن حاول الاستعمار الغربي طمسها ، وهو جمال عبد الناصر، لم يكن كافرا او ملحدا او مسلما ضعيف الايمان، وقد حاول استقطاب التيارات الدينية للإندماج بحركة التحرر الوطني، والانعتاق عن النفوذ الاستعماري ، ونجح بادئ الأمر، لكن تضارب المصالح ، وليس الخلافات الفكرية او العقائدية، مع قادة التيارات الاسلامية، جعلهم يسعون للتخلص منه ومحاولة اغتياله.. وجعله بالمقابل يقوم بقمعهم .

لقد تأسست التيارات الدينية في الثلاثينات من القرن الماضي، تأسست بداية في مصر حين كانت الحركة القومية العربية قد نشطت وبدأت في مقاومة النفوذ البريطاني الفرنسي فيها، وسيطرته على النظام الملكي هناك أنذاك، لم يقم الملكين فؤاد وفاروق او القوات البريطانية المرابطة في مصر بمقاومة الحركات الاسلامية كما قاوموا الحركة الوطنية التحررية، وذلك لاعتقادهم بأن الحركات الاسلامية ستتصارع مع الحركات القومية، و " فخار يكسر بعضه" وسيكون الانجليز هم المستفيدون في النهاية.. وسرعان ما رأينا انتشار الحركات الاسلامية في فلسطين وسوريا .. وقد غض البريطانيون النظر ايضا عن نمو الحركة الاسلامية في فلسطين، لنفس السبب ، وكانت الحركة القسامية في ذلك الوقت في اوج نشاطها، ونحن جميعا نعرف أن القسام هو شيخ ورجل دين، اتخذ من الوطنية والقومية منهجا ودافعا لمقاومة الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية.. وكذلك غض الفرنسيون في سوريا النظر عن نمو التيار الديني هناك لأن حركة مقاومة الفرنسيين كانت مشتعلة هناك وخسائرهم كانت كبيرة سواء في سوريا او جنوب لبنان او جبل العرب. ورغم اننا نعرف كليا ان التيارات الدينية لم تكن لتأتمر بأمر الانجليز او الفرنسيين، بل ساهمت في مقاومتهما .. لكن هذه التيارات الاسلامية، ومن حيث لا تدري قد خدمت الانجليز والفرنسيين في مقاومتهم للحركات القومية الوطنية!

إن نماذج الشيخ محمد عبده  والكواكبي والشيخ القسام وجمال عبد الناصر، هي نماذج علينا اعادة التفكير بها والاستفادة منها الان في وضعنا القاتل داخليا في جميع انحاء الوطن العربي، وعلى الحركات الاسلامية أن تعيد النظر في الأمور التكفيرية ، فلا أحد يكفّر غيره، ونحن هنا على ارض فلسطين، وفي بقية العالم العربي ، مسلمون ومسيحيون، سنة أو شيعة،  ارثوذكس أو كاثوليك .. كلنا عرب وكلنا نؤمن بالله وكلنا نحب وطننا ونفخر بانتمائنا الى عروبتنا .. وما نطلبه من الجميع هو أن يتقوا الله فينا وفي اعمالهم وتصرفاتهم.. والله يهدي من يشاء الى السراط  المستقيم.