- 1 كانون أول 2024
- أقلام مقدسية
بقلم : تحسين يقين
هم، يدفعوننا دوما الى ردود الأفعال، والتي تحتمل الارتجال والتسرع. ومعروفون هم!
يعجبني المثل: من حفر لأخيه حفرة، وقع فيها؛ لعل بعض الذكاء مفيد في التعامل مع من ما زالوا يسعون الى تغيير الواقع الفلسطيني، لترسيخ أمر واقع الاحتلال.
في ظل التحولات غير الطبيعية المقحمة التي عصفت بنا جميعا، فقد شاع أسلوب عمل ليس محدود التنظيم فقط، بل محدود البعد الاستراتيجي، وكأن النهج صار يعني التعامل مع الوضع الحالي، الذي تجاوز خطر ترسيخه إلى الاستسلام لنتائجه التي تتخلف وراء الهدف الاستراتيجي الوطني.
لم نصل الى حالة الخلاص الفردي-الفئوي، فجأة، بل هو حصاد لزرع على مدار 30 عاما.
- تأخرنا؟
- نعم، وربما تورطنا أيضا!
لذلك فإن معركة التعليم في القدس إنما تأتي في هذا السياق.
إدارة التعليم في المدينة المحتلة من قرن، وليس فقط احتلال عام 1967، عملية إشكالية، ليس لأن قضية القدس بعد عام 1993عدّت من قضايا الحل الدائم والنهائي، بل لأن التعليم في القدس، خاصة بعد الاحتلال الأخير (57 عاما) صارت له مرجعيات متعددة، ما بين مدارس بقيت تابعة للحكومة الأردنية، ومدارس تابعة لمعارف ما يسمى بلدية الاحتلال، إضافة للمدارس التابعة للكنائس، ومدارس أهلية، وأخرى خاصة، ولا ننسى المدارس التي تبعت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين-الأونروا، إضافة لمدارس أجنبية.
لقد استفردت دولة الاحتلال بالقدس، وجعلت التمويل أساسه الانصياع لما تفرضه بلدية الاحتلال من تدخلات في المناهج، حيث قامت بحذف كل ما له علاقة بخصوصية فلسطين. واستخدمت الترهيب والترغيب، فصار التعليم في القدس يسير على حواف خطرة، في ظل تقاعس المؤسسة الأممية في عدم الضغط الكافي لإجبار الاحتلال على عدم التدخل في تعليم لك وهو الذي ضمّ المدينة المقدسة وجعلها عاصمة لدولته؟
هوامش التدخل الوطني تضيق فقط إن ضاقت العقول والإرادة، وهي معرضة لانتكاسة، في ظل إمكانية دولة الاحتلال الانتقاص من بند الاتفاقيات السياسية الخاصة بالقدس مع الأردن الشقيق. لم يعد هناك حياء بعد ذبح غزة.
لذلك نحن معنيون بتوسيع النظرة، فلعل نقاط الضعف تصير قوة.
العب..
لعبة ذكية، بسيطة/ ممكنة، يمكن من خلالها توظيف الأمر الواقع فلسطينيا.
بعد الاحتلال عام 1967، تم حذف معلومات وطنية، وكان جيلنا هو من درس في مدارس الأرض المحتلة عام 1967، في غزة، والضفة بما فيها القدس؛ فمن كان عمره 6 سنوات، أصبح الآن جدا، بعمر 63 عاما، فهل كان هذا الجيل وجيلنا ومن جاء بعده مفرغا من الوطنية؟ ترى من قام بانتفاضة عام 1987؟ أليس هو الجيل الذي ولد عشية الاحتلال وخلاله الى اليوم؟ لقد كان للمعلمين والمعلمات دور في التربية الوطنية بل والقومية. كما كان لنا نحن الأطفال دور في البحث عن فلسطين في الكتب خارج أسوار المدارس. وكان لفصائل العمل الوطني دور توعوي مهم، كما كان للمساجد والكنائس كذلك.
إن تأمل أبناء فلسطين المحتلة عام 1948 وبناتها، يجد أنه كلما زاد منسوب أسرلتهم، صغارا وكبارا، كلما زادوا تمسكا بكل ما يتصل بخصوصيات الهوية الوطنية القومية.
إن استعراض ما كان أمرا مهما، حتى نعرف ما يكون، وما ينبغي فعله.
ربما فات موعد الحديث؛ بعد أن فسّرت إسرائيل المحتلة اتفاق أوسلو، الذي قضى بعدم تغيير الوضع الحالي للمدينة المقدسة؛ ففي الوقت الذي حارب الاحتلال فعلنا الوطني في القدس، بضرب وجودنا الوطني بدءا في التجرؤ وإغلاق بيت الشرق، وجمعية الدراسات العربية، فإنها راحت بكل ما أوتيت من قوة بتهويد المدينة المقدسة.
ونقول فات الموعد، لأن القدس تيتمت، وكان لرحيل فيصل الحسيني أثر إضافيّ لليتم، ما دفع المؤسسات الوطنية الى الرحيل. أما من ظلت وخصوصا المدارس، فإنه عام وراء آخر، سطا الاحتلال وتسارع سطوه على المدارس، بالترغيب والترهيب؛ فكان الترغيب بدعم مدارس باشتراطات إما تدريس الكتب الفلسطينية المنقوصة، أو استخدام نظام البجروت، عاملا في التأثير على السلوك، في غياب (أو تغييب) الفعل الوطني.
للأسف هذا ما وصلنا إليه؛ فمعظم طلبة القدس، أصبحوا تقريبا خارج المنظومة الوطنية الجامعة، ما يهدد مرجعياتنا وبالتالي وجودنا.
ولكن مهلا!
يمكن كما قلنا جعل نقاط الضعف نقاط قوة، فمن خلال لجوء طلبة القدس "للاختبارات الإسرائيلية كالبجروت وغيرها"، فإن إقبالهم على التعليم العالي في دولة الاحتلال، سيمكنهم من تلقي تعليم جيد، وشهادات تخرج، تؤهلهم للعمل بنديّة مع "الخريجين اليهود"، ما يعني ترسيخ الندية، وعدم تحوليهم لمجرد عمال مهرة أو غير مهرة في الورش والمزارع والمستوطنات فقط كما تسعى عقلية الاحتلال.
ما نفعله، هو ضمان تواجد الطلبة في المدارس والمدارس المهنية، فهي أيضا وسيلة للحصول على عمل بدخل جيد؛ في واقع يعيشه المقدسيون، فإن وجود دخل يعني بناء أسر جديدة.
أما ما يتعلق بالخصوصيات الوطنية، فإنه وفي ظل تغيير الواقع الآن، فإنه يمكن للأهل والمجتمع المقدسي المعرفي والثقافي والفني أن يقوم بدوره في التربية الوطنية، والتي تعني التربية على الهوية والتاريخ والأدب والفن، في ظل وجود الفضاء الافتراضي، الذي أصبح مصدرا حيويا للمعلومات التي تخص فلسطين. بل وأصبحت تقنية اليوم تساهم في التربية القومية والعالمية.
لعل أهم مساهمة في حماية أسرلة الأطفال، هي إعادة الأمور الى نصابها، كما كانت في فلسطين المحتلة عام 1948 حتى الآن، وكما صارت في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ عام 1967 حتى عام 1994، بل ومتذكرين الأطفال اللاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين، كيف استطاع مجتمع المخيمات النجاح في التربية الوطنية.
وحتى نقطع على احتلال دفع لنا للاشتباك فيما بيننا، فعلينا الاستمرار في سياسة تعدد المرجعيات التعليمية، على أن تكون منطلقاتها فلسطينية وقومية عربية.
وبالطبع هناك مجال لدعم المدارس التي تتبع المرجعية الفلسطينية إدارة وتمويلا، عبر طرق وآليات تضمن بقاء طلبتنا في تلك المدارس، لضمان عدم تفريغها.
وفي هذا السياق، نحن مدعوون للتعاون فيما بيننا، فكلنا جهة واحدة وطرف واحد، بمن فينا إدارة الأوقاف، وبما يؤازرنا به الأردن الشقيق والمؤسسات الأممية، والبعثات الدبلوماسية الدولية. إن الطرف الآخر هو الاحتلال فقط.
لقد تم دعم تلك المدارس من مؤسسات عربية ودولية، ويمكن جعل جزء من الدعم للمعلمين، بمشاركة التمويل الوطني طبعا.
فلسطين حاضرة، وستزداد حضورا.
والقدس، فقط إن أردنا جميعا وتعاونا.
الأهالي، والقطاع الخاص، وأبناء العروبة والمؤسسات المانحة، وصبر المعلمين والمديرين، سيعني لمعركة التعليم في القدس أملا يتحقق. وبالتالي معركة القدس وفلسطين.

