• 21 تشرين الثاني 2013
  • أقلام مقدسية

قيل أن الكتابة تطورت ومرت بمراحل متعاقبة ومتداخلة في الزمان والمكان قبل أن تصبح صناعة لها أدواتها وأنواعها ومجالاتها وميادينها ووظائفها ، وهي قبل الالمام بالحقائق المركزة وجمع المعلومات ، والتحقق من مصادرها ، وتدوينها وذكرها وتوضيحها ووصفها بحيادية ، وبلا مبالغة أو إطالة لا لزوم لها ، هي وسيلة للتعبير عن كاتبها ورسالة عن ما يختزنه الكاتب في نفسه وذاته ، وفضفضة عن فرحه أو حزنه أو ألمه أو فخره ، واستنهاضاً لعزته وكرامة وطنه وأهله ، كما هي وسيلة لإفصاح ما يستشيره ويحس به ويؤثر على مشاعره ، وتنفيس لما يراه او يسمعه من تصرفات او ظواهر لافته للنظر ايجابية كانت او سلبية بأسلوب موضوعي او ساخر تهكمي ، أو رغبة منه في إحياء لقطة يلتقطها بعدسة وجدانه ، أو إظهار ذكرى أحداث تاريخية أو معالم حضارية ، او خواطر تُبْرِزْ مواقف عادلة او شعور بالظلم وممارسات همجية لأنظمة إستبدادية ، أو مطالبة بحقوق مدنية وإنسانية منتهكة ، أو مناقشة وتسليط الضوء على حروب وصراعات محلية أو دولية ، او لدراسة تطورات أو تدهور أوضاع سياسية أو اقتصادية ، أو استعراض وتشريح ومعالجة مشاكل وانحرافات اجتماعية ، او الخوض والغوص في تحليل او رصد إنفعالات أو أفكار ذاتية خاصة لأحداث حياتية واجتماعية عابرة مؤثرة محلية أو عالمية ، أو توقعاً لأفاق مستقبلية... الخ ، وصياغتها بفكر منظم واضح ، وعرضها بألفاظ شيقة سلسة ، وأسلوب سهل جميل لتوصيل رسالته بكل تجرد واستقلالية وعدم انحياز ، ومتحلياً بروح المسئولية والموضوعية ، يفرغ ويعبر ويعرض عما يجول بآرائه وأفكاره وانطباعاته وخواطره واستنتاجاته بكل حرية وصدق وشفافية، فهذه شروط خلودها . فهو مرآة صادقة لنبض المجتمع ، يعكس ما يجول بفكره ، فيكتب في شتى الموضوعات حسب إختلاف طبيعتها ودوافعها ومدى تأثيرها عليه أو على غيره ، دينية كانت أو تاريخية أو تراثية أو اجتماعية او ثقافية أو تربوية او سياسية أو اقتصادية او فنية ... الخ ، الأمر الذي يستلزم وعياً ونضجاً وخبرة ، لذا قال أحد الادباء " ندمت على الكتابة قبل الاربعين " ، لارتباط الكتابة بنوعية نخب كتابها وصفوة مثقفيها وفي كيفية تناولهم للموضوعات شرحاً وتوضيحاً وإثارة ، وكذلك باختلاف طبيعة الشعوب والأمم والمناطق والبلدان والمدن ، وتأثرهم بالكتابة وبما يقرأون إيجاباً أو سلباً.

 

ولما كانت منطقة بلاد الشام وفلسطين منذ القدم من أكثر المناطق التي تعاقب عليها العديد من الغزوات و الصراعات والحروب ، وبضمنها مدينة القدس التي كانت تشكل دائماً جوهر وبؤرة الصراع في المنطقة ، كما هي حالياً في صلب النزاع العربي الاسرائيلي ، لذا كثر الحديث والكتابة عن آمالها وأحلامها ، وعن شؤونها وشجونها وآلامها وهمومها ، لكثرة الاطماع فيها ، والرغبة في السيطرة عليها واحتلالها ، مما عرض اهلها للأهوال والظلم والقهر والاضطهاد والتهديد وعدم الاستقرار الدائم .

 

وبالرغم من كثرة ما كتب عن القدس وأحوالها ومعاناة أهلها ، إلا أن الكتابة عنها لم توفها حقها ونصيبها ، وحيث أن الكتابة هي بداية للفعل والعمل والأمل ، فالكلمة وحدها لا تكفي بدون عمل فهي قول بلا فعل ، ومع هذا يجب قولها وكتابتها، فهي قوة تحرك المياه الراكدة، وتنشط الهمم ، وتشحذ العزيمة ، وتقوي الهمم ، وتسمع الاذان الصماء ، لذا فاستمرار الكتابة عن القدس واجب ديني ووطني وعربي وإسلامي وإنساني ، ولإعطاء هذا الامر اهميته ، علينا ان نسأل أنفسنا دوماً : لماذا يجب علينا أن نكتب عن القدس ؟ وماذا نكتب ؟ بل ما هي جدوى الكتابة عنها ؟ " وضعاف النفوس والمتخاذلون ، والأعداء المتربصون يتهموننا بأننا " أمة لا تقرأ ، وإن قرأت لا تفهم ، فإن فهمت لا تنفذ ولا تطبق " وللإجابة على كل هذا و لدحض مثل هذه الاتهامات ، ثمة عشرات الردود والمبررات ، إلا أن السؤال الواجب طرحه ، هو لماذا يجب الكتابة عن القدس ؟ وعلى الأخص أبناءها من الكتاب والأدباء والمثقفين الذين يكنون لها ويختزنون لها في صدورهم كل الود والمحبة والفخر والاعتزاز . كيف لا وهي التي تعيش في عقولهم وقلوبهم وتسري كالدماء في عروقهم ، تسكن فيهم كما هم يسكنون فيها فهي تعيش فينا ونحن نعيش فيها من فرط شوقهم وعشقهم لها ومِن تَمْسكهم بها وخوفهم وحرصهم عليها ، وهم يرونها تُخْتَطَف منهم حجراً حجراً ، وشبراً شبراً ، يوماً بعد يوم ، دون حراك من أحد وتحت سمع وبصر الجميع صباح مساء . فالقدس في نظر أبنائها مسلمين ومسيحيين مدينة المدائن ، وهي مغروسة في نفوسهم غرساً لمكانتها وأهميتها ، صورتها في أعينهم جنة الخلد لعظمتها فيكفيْهم ما يتمتعون به من سكينة ووقار وهدوء ، ونفوسهم آمنة مطمئنة وهم في داخل مساجدها وكنائسها ، وتحت قناطر وقباب شوارعها وأزقتها لذا فهم لا يفرطون بذرة تراب او حبة رمل منها ، كما لا يفرطون بأي ذرة من حقوقهم الثابتة ، او جزء من مقدساتهم الاسلامية والمسيحية فيها ، لذا هم يدافعون عنها بأرواحهم وأنفسهم وفي سبيلها يبذلون الغالي والرخيص .

 

إلا أن غمامة سوداء ، وأيادي شريرة ، وقلوبا حاقدة ، طالت المدينة وأهلها عند إكتمال إحتلالها عام 1967 ، احتلال دخلها ليَشِبع اطماعه وجشعه فيها ويحقق مصالحه ، وأهدافه ينفذ مخططاته فأحال اوضاعها وقلب أحوالها الى كابوس كئيب وظلام دامس في ابشع ممارسات إحتلالية وإجراءات لم يشهد لها التاريخ مثيلا ، فأفرز احتلاله واقعا سياسيا وديموغرافيا جديدين على حساب الجغرافيا الفلسطينية للقدس " بما يسمى القدس الكبرى " ، وبضم الشطر الشرقي واعتبارها عاصمة موحدة . وإحلال إستيطاني ديموغرافي مستورد من مختلف بلاد العالم ، على حساب وجود وتفريغ سكانها العرب ، وأسرلة شخصية المدينة وعزلها وسلخها عن محيطها ، لطمس وتشويه معالمها وتغييب هوية الانسان المقدسي ، لكي تبقى مغيبة وغائبة عن الحضور ، وبالتالي محوها وشطبها من الذاكرةالفلسطينية والعربية .

 

إن استراتيجية الاحتلال للقدس لا تتعدى تحقيق الاهداف الصهيونية العالمية ، المليئة بالأساطير والخرافات التوراتية ، تحت ذرائع بأن القدس مدينة يهودية قبل 3000 عام ، وعاصمة دولتهم الأبدية والموحدة ، وأنها تحت سيادتهم المطلقة ، وان سكانها يجب أن يكونوا من اليهود فقط ، لذا سعى الاحتلال للاستيلاء على المدينة بالقيام بهجمة شرسة منذ اليوم الاول لاحتلاله ، استهدف انتزاع ومصادرة اراضيها وسلب عقاراتها وغرس المستوطنات حولها ، كما استهدف تفريغ وطرد سكانها العرب وسحب هوياتهم ، تدريجياً لإحلال اليهود مكانهم ، وتسهيل اندماجهم ضمن النسيج المقدسي لطمس معالمها وملامحها وشخصيتها العربية ، بحيث يغلب على المدينة اكثرية يهودية تقلب ديموغرافيتها رأساً على عقب .

 

من هذا يتضح ضرورة وأهمية الكتابة عن القدس . لبيان وفضح ما يجري من اغتصاب وقهر ومن ممارسات تعسفية وقمعية على ارضها ومواطنيها ، لذا علينا ان لا نمل او نكل أو نيأس من تكرار الحديث والكتابة عنها ، إذ أن الاعادة والتكرار في ذكر تاريخها ومناقبها وأمجادها مبرراً لتأكيد بقاء حضورها في ذاكرتنا ووجداننا وأذهاننا . وكذلك للإستنهاض لاستعادة الحقوق الفلسطينية والإنسانية والتاريخية ، فالتذكير بها بشكل مستمر وبكل منهجية علمية وموضوعية هو واجب ديني ، ومسئولية وطنية وقومية ، باعتبارها ليست قضية وطن فقط ، بل قضية بقاء وتطور ، ومواجهة مع الاحتلال بل ومع المشروع الصهيوني برمته . والكتابة عن القدس يجب أن تكون شاملة غير منقوصة لا تجاهل فيها عن ماضي المدينة أو تاريخها أو حضارتها أو ثقافتها وتراثها القديم ، إحياء للذاكرة البشرية وزيادة معارفها لتبقى القدس صورة ماثلة أمامهم ، ولكي لا تغيب عن مشاعرهم حتى لا تتعرض مع مرور الزمن للتلاشي أو الضياع أو النسيان

 

لذا علينا ان نكتب لفضح الاستراتيجية الصهيونية وأهدافها بوسائل وأساليب رصينة وحقائق علمية عميقة وحيادية ، وعلينا ان نحترم انفسنا عندما نكتب عنها ، وان نكون صادقين مع انفسنا حتى يصدّقُ غيرنا ويقتنعون بما نكتب ، ويكتشفون كذب وزيف ما يكتبه اليهود عنا ، نكتب بدون مغالاة او مزايدة ، ودون مغالاة بالتفاخر والتغني بأمجاد الماضي ، وبما ورد في كتب التاريخ على أهميته. فيصبح ما نكتب مجرد كلمات تفقد أهميتها قبل ان يجف حبرها وتصبح كالدق على الطبول ، كلمات لا تغني ولا تسمن من جوع ، تذروها الرياح بلا طائل .

 

وعلينا الكتابة لأبنائنا وأجيالنا الصاعدة التي لم تستوعب جذور القضية بشكل سليم ، لتوعيتهم باهمية القدس ومكانتها ، وزيادة وتعزيز وعيهم والثقة في انفسهم ، فهم القادرون على العمل الآن وفي المستقيل ، ولتمكينهم من مواجهة الغزو الثقافي والفكري الاحتلالي الذي يستهدف العقل وتجهيل جيل الشباب وتسطيح معلوماتهم وثقافتهم والهائهم . ففي الكتابة لهم دافع وموجه فعال لحياتهم ، ووسيلة لمعرفتهم بتاريخ مدينتهم ، وأمجادها وحضارتها وعظمتها بآثارها وتراثها ، للإعتزاز والفخر بها ، وهذا يتطلب منهم العودة الى ماضيهم ليفهموا الحاضر من أجل مستقبل أفضل ، خصوصا وانه الجيل الذي سيحمل أمانة المحافظة على المدينة وحمايتها ، والذين ستقع عليهم مسئولية القيام بواجبهم والتزاماتهم لصونها والدفاع عنها ، وهي بلا شك امانة صعبة ومسئولية شاقة .

 

وعلينا أن نكتب للاجئين والمهاجرين والغائبين والمبعدين طوعاً او قسراً عن مدينتهم ، ولأبنائهم الذين لا يعرفون عن مدينة آبائهم الا ما يسمعونه منهم أو ما يتعلمونه حولها من كتب دراسية ، او ما يلتقطونه ويشاهدونه عنها في القنوات الفضائية ، حتى لا تَصْدق الرواية الاسرائيلية التي تراهن بأن الأجيال القادمة من الفلسطينيين ستنسى ما تتذكره الاجيال السابقة عنها ، اذا ما استطاعت ونجحت في ابعادها عن عيون الاجيال الصاعدة وذاكرتهم .

 

ونكتب للسائحين والزوار الذين تتوقد أفئدتهم لرؤية القدس وزيارتها والتعرف على مواقعها وأماكنها المقدسة وللصلاة والتعبد فيها والتبرك والقداسة منها ، فنكتب لهم الكتيبات عن الاماكن " بل وعن كل شبر بالقدس " وكيفية الوصول لها ، وندلهم اليها حتى يتمكنوا من زيارتها والتعرف على تاريخها ، والكتابة عن بعض قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا للتعرف عليها ونشر الثقافية المحلية لهم ، أخيراً علينا الكتابة لتكون وسيلة أداة النشر المعارف ، وتشجيع البحوث ، والدراسات عن المدينة المقدسة . وكذلك لتوثيق الانتهاكات والاعتداءات الاسرائيلية عليها وبثها في مراكز الاعلام ووكالات الانباء بالعالم اجمع .

 

وعلينا أن نكتب لفضح ممارسات ومخططات الاحتلال وافتراءاته وإجراءاته غير الشرعية التي يسعى من ورائها لتهويد المدينة لما تمثله من ثقل ديني وسياسي واقتصادي واجتماعي فهي مدينة ليست عادية ، وهي مدينة ليست كباقي المدن ، لقد شرع الاحتلال منذ البداية تمييع مفهوم مساحة القدس ورسم مخططات هيكلية لها لتوسيعها ، وتغيير معالمها ، وفرض وقائع جديدة للسيطرة عليها باقامة أطواق المستوطنات حولها ، وتوسيع مساحة الاحياء اليهودية على حساب الاراضي العربية ، وعمد على عزلها وإقامة الجدار العازل حولها لفصلها عن محيطها الفلسطيني ، وتطبيق خططه الأحادية الجانب لتكريسها عاصمة أبدية له .

 

وعلينا الكتابة عن زيف الادعاءات الاسرائيلية عن حرية الاديان والعبادة وحرية الوصول الى اماكن العبادة كما يدعي الاحتلال ، وإلا بماذا نفسر الانتهاكات التي يتعرض لها المسجد الاقصى والأماكن المقدسة كل يوم والتي تسيء لحرمته وقدسيته ، وتتعارض مع ابسط الحقوق الدينية للمسلمين والمسيحيين بالمدينة والمتمثلة في التدخل بالشؤون الداخلية كمنع المصلين من الدخول للصلاة بالأقصى والعبادة فيه ، والتدخل في مضايقة المصلين والزوار بالطرق والشوارع الموصلة اليه ، في الوقت الذي يفسح فيه المجال لليهود والجماعات الاستيطانية المتطرفة من اقتحامه والدخول اليه في اي وقت من الاوقات بدواعي زيارته والصلاة فيعيثون فيه فساداً تحت بصر وسمع قوات الاحتلال بينما هي دعاوي مشبوهة وذرائع واهية لتنفيذ مخططات ممنهجة لهم بغية فرض واقع جديد يستهدف السيطرة والسيادة على الحرم الشريف وتحقيق فكرتهم " لا سمح الله " بالتقسيم الزماني والمكاني له او حتى هدمه لبناء هيكلهم المزعوم ، وما الحفريات اسفل المسجد الاقصى وحول محيطه وزعزعة اساساته وجدران اسواره إلا تأكيد على ذلك غير عابئين بان المسجد الأقصى هو حق خالص للمسلمين لا ينازعهم فيه ولا يقاسمهم به احد ، فالقدس بل فلسطين كلها ارض وقف اسلامي الى يوم القيامة ، فهي ارض عربية الاصول ، اسلامية الجذور ، مهوى الافئدة والقلوب ، لملايين المؤمنين في العالم بأسره