- 2 كانون أول 2013
- أقلام مقدسية
القدس هي قلب القضية الفلسطينية ، وهي جوهرها ولا حل لهذه القضية بدون القدس ولا قيام للدولة الفلسطينية بدون أن تكون القدس عاصمتها." سمعنا ونسمع هذا الشعار من كل مسؤول فلسطيني وعلى أعلى المستويات ، ومع ذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كنا نقرن الأقوال بالأفعال وما إذا كانت لدينا استراتيجية واضحة لكيفية التعامل مع موضوع القدس لكي نصل إلى تحقيق هذا الشعار الذي أصبح لازمة موسيقية للخطاب الفلسطيني حول القدس. وأعود قليلا إلى الوراء ، إلى قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة بأغلبية الثلثين في التاسع والعشرين من تشرين ثاني عام 1947 وهو القرار 181. فقد أقر هذا القرار بحساسية موضوع القدس وسخونته فلم يقض بجعلها جزءا من أي من الدولة العربية أو اليهودية التي دعا إلى إقامتها ، وإنما قرر وضع مدينة القدس وعدد من القرى المحيطة بها وبيت لحم وشريط مؤد ٍإليها ، تحت الادارة الدولية. ولكن العرب لم يقبلوا بقرار التقسيم لأنهم اعتقدوا ، وبحق ، بأن المنظمة الدولية لا تملك حق تقسيم وطنهم وإعطاء جزء منه لآخرين رأوا فيهم غرباء قادمين لأرض ليست أرضهم.
أما اليهود المعتدلون بقيادة بن غوريون فقد رحبوا بالقرار ورقصوا له في الشوارع لأنه شكل أول ترجمة ذات شرعية دولية لوعد بلفور ، بينما رفضه اليهود اليمينيون المتطرفون وادعوا أن أرضهم هي كل فلسطين وشرقي الأردن عملا بشعارهم القائل : "ضفتان للأردن هذه لنا وأيضا ً تلك" وهو الذي لا يزال حتى اليوم شعار الليكود وحركة بيتار.. ولا بد من الاشارة هنا إلى أن القرار 181 والذي احتفلنا أمس الأول بمرور ستة وستين عاما عليه ، كان استمرارا لاستهداف فلسطين الذي كان مخططا له منذ مطلع القرن الماضي . فقد كان عدد اليهود حسب الاحصاء الذي قامت به بريطانيا عام 1918 حوالي 56 ألفا مقابل 700 سبعماية ألف عربي وارتفع عدد اليهود بشكل مستمر إلى أن أصبح يعادل ثلث سكان فلسطين عام 1947 ولكن قرار التقسيم أعطى اليهود 56% من مساحة فلسطين وأعطى العرب الذين كانوا يشكلون الثلثين من السكان ويملكون 93% من مساحة فلسطين 46% فقط ، وكان القصد من إعطاء اليهود أكثر من نسبتهم هو الأخذ بعين الاعتبار أعداد اليهود الذين سيهاجرون لاحقا من أوروبا للدولة اليهودية وهذا يفضح التورط الأوروبي في خلق المأساة الفلسطينية.
لقد استقبلنا قرار التقسيم بالخطب الرنانة – كما نفعل اليوم أيضا – فقد قال الزعيم الفلسطيني آنذاك جمال باشا الحسيني بأنه إذا تم إقرار قرار التقسيم فإن الدماء ستسيل كالأنهار في الشرق الأوسط ، ورد عليه رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد بأن العرب سيجتاحون فلسطين ببنادقهم وسيطمسون كل جحر يلجأ إليه اليهود ، بينما حذر وزير خارجيته محمد فاضل الجمالي من أنه لن تستطيع أية قوة في العالم كبح جماح الجماهير العربية... ولكن العرب كالعادة لم يترجموا أقوالهم إلى أفعال فكانت حرب 1948 واحتل اليهود جميع المنطقة التي كانت مخصصة لدولتهم حسب قرار التقسيم بالاضافة إلى أجزاء شاسعة من الجزء المخصص للدولة العربية وأجزاء من القدس التي كان يجب أن تظل تحت الأشراف الدولي وفقا لقرار التقسيم . ومع أن اليهود احتلوا جزءا من القدس واحتل الأردن الجزء الآخر وهو القدس الشرقية إلا أن منطقة محددة لم يحتلها أي من الطرفين وهي المنطقة المعروفة باسم دار المندوب على جبل المكبر والتي لا تزال حتى اليوم مقرا للأمم المتحدة وقد ظلت خاضعة للاشراف الدولي بينما لم تعترف الأمم المتحدة وكافة دول العالم بسيادة أي من إسرائيل أو الأردن على الجزء الذي سيطر عليه كل منهما.
وبما أنه لم يصدر عن الأمم المتحدة حتى اللحظة أي قرار يلغي قرار التقسيم 181 فإن بالامكان القول بأن قرار التقسيم ما زال قائما وأنه طبق بشكل جزئي على جبل المكبر ( دار المندوب ) وأنه كان من الواجب الاستمرار بالتمسك به سواء عند الحديث عن حل الدولتين أو عن القدس بالذات لأن كل الاجراءات التي تقوم إسرائيل بها في القدس هي إجراءات باطلة سواء وفقا للقرار 181 أو سلسلة القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن منذ 1967 واعتبرت كل الاجراءات والتشريعات الاسرائيلية في القدس باطلة ولا تترتب عليها أية نتائج قانونية وخاصة القرارات رقم 252 ، 267 ، 471 ، 476 ، و 478.
وللأسف الشديد فإن المفاوض الفلسطيني بدلا من أن يرفع سقفه التفاوضي لكي يحصل على شيء معقول في نهاية المرحلة التفاوضية ، ظل وبشكل ممنهج يخفض سقفه التفاوضي استجابة لضغوط أو رغبات الطرف الآخر إلى أن أسقط كل فرص التسوية التي يمكن أن تكون مقبولة جماهيريا وعزل نفسه عن شعبه وعن الواقع بشكل مثير للاستغراب.
إن أول خطأ وقع فيه المفاوض الفلسطيني بشأن القدس هو أنه لم يطرح القدس ككل على مائدة المفاوضات وإنما بدأ بالحديث عن القدس الشرقية مما قصر المفاوضات على القدس الشرقية فقط ، بحيث أُقر ضمنا بأن القدس الغربية هي لاسرائيل وأن التفاوض يجري بشأن القدس الشرقية مما أوقعه في شرك السعي الاسرائيلي إلى إخراج القدس الغربية من موضوع التفاوض وأن يضع على الطاولة موضوع تقاسم القدس الشرقية ، ثم جاءت فكرة تبادل الأراضي فسارع الجانب الاسرائيلي إلى استخدامها كغطاء لتشريع الأحياء الأستيطانية التي أُقيمت بالقدس الشرقية بحيث بدأنا نسمع بأن هذه الأحياء سيتم التعامل معها وفق مبدأ تبادل الأراضي ، ثم خرج علينا البعض بمقولة : الأحياء العربية للعرب واليهودية لليهود، فشهدنا بعد ذلك حمى الهجمة اليهودية على الأحياء العربية لتحويلها إلى أحياء يهودية لتصفية الوجود والحق العربي في القدس.
ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد فقد كان هناك حديث إسرائيلي عن أبو ديس كبديل للقدس وفوجئنا بأن السلطة الفلسطينية بدأت وبشكل خاص بعد الانقسام عام 2007 بتجميع الدوائر الحكومية ونقلها من العيزرية إلى أبو ديس ، وبناء مجمع للدوائر الحكومية الفلسطينية في أبو ديس ، بل وإصدار الوثائق الرسمية التي تحمل اسم " محافظة أبو ديس " بدلا من " محافظة القدس " ، الأمر الذي يثير الكثير من الدهشة والتساؤلات المشروعة عما إذا كانت تلك الاجراءات بريئة وعفوية أم أن وراءها ما وراءها.
نحن نواجه خطة ممنهجة لتكريس احتلال القدس وضياعها ، وكل ذلك في إطار خطة أوسع وأشمل لضياع ما تبقى من فلسطين. ومع ذلك فإن هناك من يصر على التقليل من هول ما يجري وإلى الأدعاء بأنه ما زال بالامكان إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء.
لقد كُتب الكثير عن القدس وانعقد العديد من المؤتمرات المحلية والاقليمية وسيكتب الكثير وينعقد الكثير ، وأصبح العديد منا خبراء في شؤون القدس وبالمخططات والنوايا الاسرائيلية تجاهها ، ويبقى السؤال الكبير وهو ما هي مخططاتنا ونوايانا وما الذي يمكن أن تحققه هذه المقالات والمؤتمرات وإلى متى ستبقى القدس في الأسر سبية تنتظر الخلاص؟
صحيح أن أهل القدس يواجهون هجمة شرسة لاقتلاعهم من أرضهم وتهجيرهم وتتخذ هذه الهجمة أشكالا شتى ، وصحيح أن أهل القدس بحاجة إلى الدعم المادي والمعنوي الفوري لتمكينهم من الصمود أمام هذه الهجمة الشرسة ولكن هذا الصمود مهما توفر له من الدعم المادي لن يكون هو الحل الحقيقي لانقاذ القدس.
ولا شك بأن بقاء القدس حاضرة في الأذهان وعلى رأس جدول الاهتمامات هو أمر في غاية الأهمية ولكن القدس بحاجة إلى إرادة حقيقية عربية وإسلامية لتحريرها وإنقاذها. وإذا لم يدرك العرب والمسلمون في شتى أنحاء المعمورة بأن القدس ليست فقط مسؤولية الشعب الفلسطيني وإنما مسؤوليتهم جميعا فإن المرء ليخشى أن يأتي يوم ، وربما كان ذلك قريبا ، يرى فيه أحياء القدس خارج السور وقد تحولت إلى أحياء فقر مهمشة ويرى داخل السور وقد تحول إلى منطقة أثرية خالية من السكان العرب وفي أرجائها آثار ونصب ومعالم تتحدث عن التراث والتاريخ اليهودي لهذه المدينة.... ويرى الأقصى وقد تحول إلى كنيس الهيكل رغم تخصيص جزء صغير منه لصلاة المسلمين يمسك الاسرائيليون بمفاتيحه يسمحون متى شاؤوا ويمنعون متى شاؤوا.... والبعض منا ما زال يتغنى ويغني للقدس..

