- 3 كانون أول 2013
- أقلام مقدسية
يشكل الوقف الذري، وهو أوقاف عائلات القدس الاسلامية ما نسبته 22% من اجمالي الاملاك العقارية داخل اسوار القدس، ويشكل الوقف الخيري الاسلامي ما نسبته 7% فقط من الأملاك العقارية في البلدة القديمة، بينما يشكل الوقف المسيحي 28% من هذه الأملاك، اما باقي العقارات فهي املاك خاصة. 62 عائلة من عائلات القدس لها املاك وقفية في القدس، ومعظمها يمتلك عقارات في حارة الشرف، التي اصبحت الان تعرف بحارة اليهود، او الحي اليهودي، حيث تمتلك اوقاف العائلات هذه معظم اراضي ومباني هذا الحي، الذي تمت مصادرته بعد حرب عام 1967.
والاصل أن يشرف على الوقف الذري في القدس القاضي الشرعي، وهو الذي يملك صلاحية تعيين متولي الوقف من ابناء العائلات او اقالتهم، وله الحق ان يعين ناظرا لكل وقف، ان رأى ذلك مناسبا، ولا يشترط ان يكون الناظر موظفا في دائرة الاوقاف، وعلى القاضي واجب مراقبة ومحاسبة متولي الوقف للتأكد من قيامهم بواجباته ومسئولياتهم. أما دور دائرة الأوقاف فينحصر في ادارة الأوقاف الخيرية الاسلامية، اضافة الى مسئولياتها عن الحرم القدسي الشريف، والمساجد الاخرى في المدينة. ودوائر الأوقاف العامة هي دوائر مستحدثة استحدثت ابان الحكم العثماني على البلاد، وقبل ذلك كانت المسئولية عن ادارة الاملاك الوقفية وتعيين نظارها ومتوليها هي مسئولية مطلقة للقاضي.
كانت الاملاك الوقفية وريعها، هي عنصر اساسي من عناصر دخل عائلات بيت المقدس، فهم يسكنون في هذه العقارات، ويؤجرون بعضها، خاصة المحلات التجارية منها، وعلى سبيل المثال، فان دخل معظم عائلات القدس من الوقف ابان الحرب العالمية الاولى، هو الذي ابقاهم على قيد الحياة ايام المجاعة، وساهمت تكية خاصكي سلطان الوقفية في ذلك الحين بتوفير عنصر الغذاء، ربما الوحيد، لمعظم اهالي القدس، فقيرهم وغنيهم على حد سواء. اما الآن فيكاد يكون عائد الاملاك الوقفية متدنيا بسبب صغر عائداتها، ومعظمها هو ايجارات قديمة اصبحت بخسة الان، ونتيجة زيادة عدد المستفيدين الذين اصبح نصيب الواحد منهم بضع دنانير او قروش، يشكل تكاليف جبايتها أكثر من قيمتها.
في الفترة الاخيرة لوحظ ان دائرة الاوقاف في القدس تتدخل في شؤون الاوقاف الذرية أكثر مما يجب، واحيانا تدعي ملكيتها لأوقاف بعض العائلات في القدس، شاهدناه مؤخرا في رباط الكرد الذي نعرفه حسب التاريخ الشفوي لمدينة القدس وقفا خالصا لعائلة الشهابي، بينما تدعي دائرة الاوقاف انه وقف خيري، وكذلك شاهدنا بعض المشاكل بين دائرة الأوقاف وعائلتي الخطيب الكناني، والامام حول املاكهما الوقفية الملاصقة للحرم القدسي الشريف.
عقد في الأسبوع الماضي بالعاصمة الاردنية عمان مؤتمر دولي حول الأوقاف الاسلامية والمسيحية في القدس الشريف، وقد لاحظ جميع من حضروا هذا المؤتمر غياب دائرة اوقاف القدس عنه، فلم يحضره اي ممثل عنها، وانما اكتفت وزارة الاوقاف الاردنية في عمان بتمثيل محدود في هذا المؤتمر، الذي نظمه منتدى الفكر العربي بعمان، وترأسه الامير حسن رئيس المنتدى، وحضره جمع جيد من رجالات الفكر في العالم العربي، ومن باحثين ومتخصصين بشؤون القدس، وقد اسعدني ان اقدم ورقة في هذا المؤتمر بعنوان الوقف الذري في القدس. وقد ركزت في ورقتي على امور ثلاثة:
اولا: وجوب الاهتمام بالاراضي الوقفية التي كانت على خطوط الهدنة والتي عرفت بأراضي ، اي التي لا يملكها احد حسب نص اتفاقية الهدنة، اي انها لم تدخلNo Mans Land
ضمن المناطق الاسرائيلية او العربية في اتفاقية الهدنة ، على سبيل المثال ارض جبل المكبر التي كان يشغلها المندوب السامي واصبح يشغلها ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في القدس، وهي اراض وقفية لعائلتي الدجاني وابو السعود، والاراضي في منطقة مندلبوم والتي اقام عليها الاسرائيليون مبنى الهستدروت الذي اصبح مركزا صحيا الآن، كما اقاموا عليها الفنادق الثلاث الكبرى في تلك المنطقة على غير وجه حق. وكذلك الارض التي قام عليها الحي الاستيطاني الأول في القدس، حي اشكول. وهذه تحتاج الى معالجة دولية حيث ان حارس املاك الغائبين الاسرائيلي لم يكن له اية سلطة عليها!
ثانيا: أن ضغط العمل في محكمة القدس الشرعية يستدعي تعيين قاض ثالث فيها يتخصص بأمور الوقف الذري، دعمه ومتابعته، وتعيين وعزل ومحاسبة المتولين عليه ..
ثالثا : الاهتمام بالحصول على مستندات الملكية والوقفيات التي تحدد الاملاك الوقفية لكل عائلة، خاصة وان هذه المستندات موجودة في بطون سجلات المحكمة الشرعية بالقدس، او ضمن السجلات العثمانية في استنبول، والتي اصبحت متاحة الان ومفتوحة لجمهور الباحثين، عما بأنه قد شارك في هذا المؤتمر اكثر من باحث تركي وعربي متخصصين بالسجلات العثمانية، وأبدوا استعدادهم للمساعدة في هذا الأمر.
الله أسأل ان يمكننا من المحافظة على املاكنا الوقفية، التي لا تباع ولا تشترى، وأن نتمكن من تنميتها لما فيه خير للقدس وأهلها.. انه سميع مجيب!

