• 24 كانون أول 2013
  • أقلام مقدسية
 

إنّ المتتبّع للإقبال الشديد على دراسة الطب البشري في فلسطين بعد ظهور نتائج الثانوية العامة؛ سيلحظ أنّ كليات الطب في جامعات الوطن تفتقر إلى القدرة الاستيعابية للأعداد المتزايدة للطلبة المتقدمين لدراسة الطب البشري. وحيث أن آلية القبول المتبعة في هذه الكليات هو المعدل الأكاديمي في امتحان الثانوية العامة، ومع نجاح نسب كبيرة من الطلبة سنوياً في تحقيق معدلات تفوق 95%، والتي وصلت هذا العام إلى 400 طالب؛ أصبح التنافس على المقاعد في الكليات المحلية أمرا في غاية الصعوبة ويحتاج إلى نظرة موضوعية للتعامل مع الأعداد المتزايدة للمتقدمين إلى كليات الطب.

 

وفي داخل الوطن الفلسطيني، هناك 4 جامعات تدرس الطب البشري وهي: جامعة القدس وجامعة النجاح في الضفة الغربية، وجامعة الأزهر والجامعة الإسلامية في غزة. وبغض النظر عن كيفية ومدى احتياج المجتمع الفلسطيني لاعتماد هذه الكليات من قِبل وزارة التعليم العالي، إلا أن الأمور آلت إلى ما نحن عليه الآن، وبات من الواجب دراسة مدى الحاجة وواقع التعليم الطبي في فلسطين، علما أن سبل وطريقة التعليم في كليات الطب لا تقوم فقط على المنهاج والبنية التحتية التدريسية ، وإنما أيضاً وجود العدد المتخصص من الأساتذة، وتوفر الأماكن السريرية لتدريب الطلبة.

 

والسؤال الذي يجب أن نبحث فيه ونجيب عليه هو: هل هناك دراسة علمية تربط احتياج القطاع الصحي الفلسطيني وتطوره المستقبلي بعدد كليات الطب وبأعداد خريجيها؟ فلا يعقل أن نواصل العمل  بأحقية الموقع الجغرافي وكأننا مازلنا أسرى الذهنية القبلية في تأسيس واستحداث كليات مهنية دون الرجوع إلى معادلة تعكس احتياجات الوطن من الخريجين في هذه المهن المختلفة وبالذات فروع التعليم الصحي.

 

وبالرجوع إلى ما هو حاصل في فلسطين، نجد أن معظم خريجي كليات الطب يطمحون إلى استكمال تدريبهم الطبي في أمريكا، كندا، أو الدول الأوروبية ثم يستقرون بعدها في تلك البلاد، أو يخضعون لإغراءات فرص العمل في دول الخليج العربي، أي أننا دخلنا نفق نزوح الأدمغة إلى خارج الوطن، مما يؤثر سلبا على إيفاء ورفد متطلبات القطاع الصحي بالكوادر الطبية اللازمة.

 

كما أن إمكانية دراسة الطب خارج الوطن وخاصة في معظم الدول الأوروبية التي يكون فيها قبول الطلبة  لهذه الكليات ليس مرتكزا على التميز الأكاديمي دائما يقدر حاجة هذة الكليات الى سد العجز المادي لديها والحصول على الأموال لتسيير أعمالها ، خلق جيلا من الأطباء دون المستوى المطلوب مقارنة مع خريجي كليات الطب المحلية أو من الدول العربية المجاورة.

 

وهنا يجدر بنا الإشارة إلى قرار وزارة التعليم العالي الذي صدر مؤخراً، بعدم اعتماد أي شهادة خارجية في الطب إذا لم يكن المتقدم حاصلاً على معدل في الثانوية العامة 85% فما فوق، إنما يُعتبر خطوة جيدة للتعامل مع هذه الظاهرة للحفاظ على المستوى الطبي، ووقف تدفق أعداد كبيرة من الأطباء الذين يواجهون صعوبات جمة في اجتياز امتحانات التقييم ومزاولة المهنة، وما لذلك من تأثير سلبي معنوي، عائلي ومادي.

 

وفي خضم كل هذا الزخم وما يعتري التعليم الطبي من مشاكل في كيفية التعامل مع الأعداد الضخمة من الطلاب الحائزين على معدلات فلكية في الثانوية العامة، والذين يرغبون في دراسة الطب، ومع عدم مواءمة هذه الأعداد مع المقاعد المتوفرة في الكليات المحلية، مما يحتم علينا باعادة النظر والتفكير بايجاد أليات جديدة لأختيار الطلبة لدراسة الطب بحث أن تكون هذه الآلية واضحة وشفافة، مع توفير فرص متكافئة لكافة شرائح المجتمع بما في ذلك الفئات المهمشة.

 

كما أنّ الانتساب إلى كليات الطب يمكن أن يتطور حيث على المتقدم أن يجتاز امتحان قبول لدراسة الطب، وكما هو معمول به في معظم الدول في العالم الغربي. فمثلا في أمريكا، كندا، استراليا، وبريطانيا، على الطالب المتقدم لدراسة الطب اجتياز امتحان القبول هذا، والذي يسمى MCAT، ISAT و UKMAT على التوالي كمتطلب للنظر في قبوله في كلية الطب.

 

ولا بدّ أن يكون هذا الامتحان على مستوى الوطن، ويطبق على جميع الطلاب في كل الجامعات الشاملة لكليات الطب، أي أن هذا الأمر يحتاج إلى تنسيق بين كليات الطب المختلفة، مع تأسيس مجلس مكون من كفاءات علمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبية، بحيث يتم اختيار أعضائه من ... وزارة التعليم والجامعات وكفائات مشهود لها في وضع مثل هذة الامتحانات ، وترتكز طبيعة هذا الامتحان على تقييم المهارات العقلية، التواصل والتخاطب مع الآخرين، التفكير المنطقي والتجريدي، واستعمال اللغة في التعبير وتوصيل المعلومة.

 

ويسمى هذا الامتحان PMAT "امتحان القبول الفلسطيني إلى كليات الطب"، وعلى الطالب التقدم لهذا الامتحان والنجاح فيه بمعدل تحدّده اللجنة المعنية والمسؤولة عن هذا الامتحان للنظر في قبوله بكلية الطب.

 

 

أي أن على الطالب اجتياز امتحان التوجيهي بمعدل لا يقل عن 95%، و اجتياز امتحان القبول الفلسطيني لكلية الطب PMAT قبل النظر في طلبه وقبوله في كلية الطب. وفي حال لم يتمكن الطالب من اجتياز امتحان القبول، سيُسمح له التقدم مرة أخرى وإعادة الامتحان في الدورة الثانية ولثلاث مرات فقط، وإن لم ينجح في الفرصة الأخيرة، يفقد الطالب أحقيته في التقدم لكلية الطب.

 

إن إخراج هذه الفكرة إلى حيز التنفيذ، يحتاج إلى تنسيق مشترك ما بين الجامعات المحلية  ووزارة التعليم العالي والأجسام الطبية المختلفة، وتشكيل لجنة مكونة من أعضاء مشهود لهم بقدرتهم وإمكانياتهم العلمية، بحيث يتم اختيارهم وتعيينهم من قِبل مستويات عُليا، تتمثل في الرئاسة ووزارة التعليم العالم والجامعات المعنية. وإنّ من شأن هذه الخطوة أن تسهِم في الاستجابة الصحيحة لاحتياجات القطاع الصحي بشكل مدروس، وبما يخدم أهداف تطوير هذا القطاع، وتغذيته بالكوادر المؤهلة والقادرة على تلبية المجتمع الفلسطيني بخدمات طبية على المستوى المطلوب.    

 

* عميد كلية الطب البشري في جامعة القدس ووزير الصحة السابق...