• 24 كانون أول 2025
  • أقلام مقدسية

 

 

بقلم : الشيخ الباحث مازن اهرام 

قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لبيت العنكبوت لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) سورة العنكبوت

عندما يختلط الوهم بالحقيقة والحقيقة مع الخيال والخيال مع المرض تظهر لنا نتيجة العالم من الغموض عالم مجهول بائس لا يُفهم وطالما حاولت فهمه لا يمكنك الوصول لأي شيء في هذا المكان تُقلب فيه الحقائق وتتحول فلا يمكنك أن تجزم بأن الأمور تبقى على ماهي عليه حروب ودمار وكوارث زلازل وأعاصير و رِّيحَ عَقِيمَ  مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ وبالمقابل "فأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض, فالإنسان ليس في البقاء على قيد الحياة فقط بل في شيء يعيش من أجله فكم من حضارة سادت ثم بادت تلخص جوهر البحث الإنساني عن المعنى، فالوجود ليس مجرد بقاء بيولوجي، بل هو رحلة لإيجاد هدف أسمى (مثل الحب، العدل، و الإيمان) يمنح الحياة قيمة، وهو ما يجعل الحضارات تزدهر ثم تتلاشى عندما تفقد هذا المعنى، فلا تُشغل البال بماضي الزمان ولا بآتِ العيشِ قبلَ الأوان

المتأمل في الأمثال القرآنية يلحظ دقة القرآن الكريم في صياغة ألفاظها؛ ليكون وقعها في النفوس مؤثراً وفاعلاً. فهي لا تأتي بالغريب العجيب، بل تتخير الصورة من المحسوسات، وتعرضها بأوصافها وخصائصها، ثم تصوغها في الألفاظ؛ لتكون شاهداً واضحاً على ما يراد إيصاله من أفكار وتوجيهات، فتأتي الصورة صادقة غاية الصدق، ومعبرة أدق التعبير.

فالقرآن الكريم قد أخبر أن أوهن البيوت على الإطلاق هو بيت العنكبوت، وقد أثبت العلم الحديث أن بيت العنكبوت منسوج من أقوى الخيوط، التي تستطيع مقاومة الرياح العاتية، ويمسك في نسجه فرائس العنكبوت، من الحشرات، التي هي أكبر من العنكبوت دون أن يتخرَّق. وهذه ‏الحقيقة يستطيع الإنسان أن يكتشفها بنفسه؛

والسؤال الذي ينبغي أن يُسأل هنا هو: كيف يكون بيت العنكبوت أوهن البيوت وهو منسوج من أقوى الخيوط على الإطلاق، وأكثرها مرونة؟ 

وكيف يجتمع في منشأة واحدة الحد الأدنى ‏من الوهن، والحد الأقصى من القوة والمرونة؟

حال بيت العنكبوت وهناً وضعفاً، كذلك هي حال القوى التي يلجأ إليها الناس طلباً للدعم والمساندة، والتي يجعلونها عوناً لهم لتمدهم بأسباب القوة. ولو علم هؤلاء الذين يلجؤون إلى تلك القوى الهشة، أن القوة التي يستمدونها منها هي عرضة للزوال في كل حين،

تصوير عجيب صادق لحقيقة القوى في هذا الوجود. الحقيقة التي يغفل عنها الناس أحياناً، فيسوء تقديرهم لجميع القيم، ويفسد تصورهم لجميع الارتباطات، وتختل في أيديهم جميع الموازين. ولا يعرفون إلى أين يتوجهون. ماذا يأخذون؟ وماذا يدعون؟ وعندئذ تخدعهم قوة الحكم والسلطان، يحسبونها القوة القادرة التي تعمل في هذه الأرض، فيتوجهون إليها بمخاوفهم ورغائبهم، ويخشونها ويفزعون منها، ويترضونها ليكفوا عن أنفسهم أذاها، أو يضمنوا لأنفسهم حماها!

وَبالنقيض قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ    وتارة تخدعهم قوة المال، يحسبونها القوة المسيطرة على أقدار الناس وأقدار الحياة. ويتقدمون إليها في رغب وفي رهب؛ ويسعون للحصول عليها ليستطيلوا بها، ويتسلطوا على الرقاب كما يحسبون! وتارة أُخرى تخدعهم قوة العلم، يحسبونها أصل القوة وأصل المال، وأصل سائر القوى التي يصول بها من يملكها ويجول، ويتقدمون إليها خاشعين، كأنهم عباد في المحاريب! وتخدعهم هذه القوى الظاهرة، تخدعهم في أيدي الأفراد، وفي أيدي الجماعات، وفي أيدي الدول، فيدورون حولها، ويتهافتون عليها، كما يدور الفراش على المصباح، وكما يتهافت الفراش على النار!

الوهن المعنوي : ‏ أن بيت العنكبوت من الناحية المعنوية هو أوهن بيت على الإطلاق لأنه بيت محروم من معاني المودة والرحمة التي يقوم على أساسها كل بيت سعيد‏،‏ وذلك لأن الأنثى في بعض أنواع العنكبوت تقضي على ذكرها بمجرد إتمام عملية الإخصاب وذلك بقتله وافتراس جسده لأنها أكبر حجما وأكثر شراسة منه‏،‏ وفي بعض الحالات تلتهم الأنثى صغارها دون أدني رحمة‏،‏ وفي بعض الأنواع تموت الأنثى بعد إتمام إخصاب بيضها الذي عادة ما تحتضنه في كيس من الحرير‏،‏ وعندما يفقس البيض تخرج العناكب ‏ فتجد نفسها في مكان شديد الازدحام بالأفراد داخل كيس البيض‏،‏ فيبدأ الإخوة الأشقاء في الاقتتال من أجل الطعام أو من أجل المكان أو من أجلهما معا فيقتل الأخ أخاه وأخته‏،‏ وتقتل الأخت أختها وأخاها حتي تنتهي المعركة ببقاء عدد قليل من العناكب التي تنسلخ من جلدها‏،‏ وتمزق جدار كيس البيض لتخرج الواحدة تلو الأخرى‏،‏ والواحد تلو الآخر بذكريات تعيسة‏،‏ لينتشر الجميع في البيئة المحيطة وتبدأ كل أنثي في بناء بيتها‏،‏ ويهلك في الطريق إلي ذلك من يهلك من هذه العنيك بات‏.‏ ويكرر من ينجو منها نفس المأساة التي تجعل من بيت العنكبوت أكثر البيوت شراسة ووحشية‏،‏ وانعداما لأواصر القربى‏،‏ ومن هنا ضرب الله تعالى به المثل في الوهن والضعف لافتقاره إلي أبسط معاني التراحم بين الزوج وزوجه‏،‏ والأم وصغارها‏،‏ والأخ وشقيقه وشقيقته‏،‏ والأخت وأختها وأخيها‏.!

وجه التشابه الأساسي بين الإنسان (خاصة في سياق التشبيه القرآني) وبيت العنكبوت يكمن في الضعف والهشاشة والوهم، فكلاهما قد يبدو قوياً من بعيد، لكنه يتهاوى أمام أول اختبار حقيقي، فبيت العنكبوت يمثل الأماني الباطلة والأولياء الذين لا ينفعون، تمامًا كالأصنام، وهي لا تملك أساساً ولا حماية حقيقية، مثلما يضع الإنسان حياته ومصيره في أوهام لا سند لها، حسب تفسير سورة العنكبوت كبناء هش وغير مستقر، وهو ما يعكس وهم النصر أو الحماية.

بناء هش: البيت كله قائم على خيوط دقيقة ومتشابكة، وهذا التشابك يجعله عرضة للانهيار، وكذلك حال بعض البيوت فهم يتعلقون بأمور هشة (الأصنام) يظنونها سنداً، ولكنها في الحقيقة لا تمنحهم أي قوة أو استقرار

وخلاصة القول قد يتبادر للذهن ما علاقة الفتن بالعنكبوت؟

الجواب: إنّ تداخل الفتن يشبه خيوط العنكبوت..

فالفتن متشابكة ومتداخلة فلا يستطيع المرء أن يميز بينها وهي كثيرة ومعقدة ولكنها هشة وضعيفة والله المستعان