• 3 كانون الثاني 2026
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : سعادة مصطفى أرشيد

 

جرت العادة في كل مطلع عام جديد أن يتبادل الناس التهاني والتمنيات بأن يكون هذا العام عام خير وبركة وعز وانتصار، ولكن مع تلاحق الكوارث النازلة على أمتنا أصبحت التمنيات تقتصر على أن يكون العام الجديد أقل سوءاً من العام المرتحل، أما مع مطلع هذا العام فقد أصبح مختلفاً أيضاً إذ ينظر الفلسطيني الحزين إلى بؤس الحالة العامة إن في فلسطين وإن في الأمة وإن على مستوى العالم العربي والإقليم، ليرى ما لا يسُرّ.
في غزة التي حوّلها الاحتلال إلى ركام في حرب القتل والتجويع والإبادة الجماعيّة قد زادتها نهاية هذا العام وبداية العام الجديد مطراً وبرداً، ولا يجد أهلها سقفاً يحميهم أو بقايا حطب تدفئهم، فيما تتحضّر بلاد بعيدة لاستقبالهم في حال نجاح خطط ترامب – نتنياهو لترحيلهم، ويرى المواطن الحزين أيضاً في لقاء ترامب – نتنياهو الذي عقد في فلوريدا أن ترامب لا زال يرى أن المقاومة هي من يتحمّل مسؤولية هذا الوضع البائس التي يتحضر هو وقرابة 59 دولة، حسب قوله، لإجبارها على تسليم سلاحها بما يعني استسلامها الكامل، وهو أمر مرفوض من قبلها، فيما يهدّد ترامب ما ومن تبقى من غزة في حال أصرّت المقاومة على موقفها بالويل والثبور وعظائم الأمور.
الضفة الغربية يتغوّل فيها الاستيطان وتنفلت ميليشيات المستوطنين الرسميّة والمسلحة للاعتداء اليومي المتواصل على المواطنين، فيما يشارك الجيش (الإسرائيلي) بالعدوان وينبح وزراء الحكومة بمفردات التحريض والدعم لهذا السلوك العدوانيّ، ونسمع عن لقاء فلوريدا بين ترامب ونتنياهو أن الأول لا زال يبدي إعجابه بالثاني ولا يرى عنه بديلاً في قيادة هذا الكيان الغاصب العنصري، وأنه على ثقة تامة بأنه سيفعل الصواب وإن كان قد تمنّى عليه أن يهدئ من سياساته في الضفة الغربية حرصاً على بقاء السلطة الفلسطينية وأن يضع حداً للعنف الذي تمارسه حكومته وجيشه ومستوطنوه هناك. وبالطبع فإن نتنياهو خير مَن يعرف ترامب وخير مَن يعرف مقدار جدية تمنياته هذه، ويعرف أنه لا زال مطلق اليدين وسيواصل إجراءاته إن لم يصعّدها ويزيدها قسوة بعد عودته من الولايات المتحدة.
كل ما تقدّم أصبح أمراً ثانوياً لدى العالم العربيّ الذي غاب عموماً، وإن كان ثمّة حضور باهت في فلوريدا فقد مثله الأتراك والقطريون والمصريون دون تأثير ملحوظ، فالجميع اليوم منشغل في الصراع السعودي – الإماراتي حول اليمن والبحر الأحمر والذي سيمتدّ ليشمل ملفات عديدة منها الشام ولبنان وفلسطين والسودان وليبيا إضافة طبعاً إلى ملف دولة أرض الصومال. في هذا النزاع يستقوي الإماراتيون على الجميع بتحالفهم مع تل أبيب التي ليس من عادتها إلا أن تأخذ لا أن تعطي، وأن تطالب الآخرين أن يشاركوا في حروبها لا أن تشارك هي في حروب الآخرين مهما كانت طبيعة علاقتهم معها.
في لحظة الانشغال هذه يريد الأميركي و(الإسرائيلي) تصفية المقاومة ومَن تبقى من محورها، إيران في الشرق وغزة في الغرب وما بينهما، أدواتهم القتل والدمار والتجويع فيما الحالة القومية المتردية والعربية التي تراوح بين منشغلة أو متخاذلة تمثل استكمالاً لأدوات الأعداء، وتصفية المقاومة لها أشكال غير الشكل العسكري فالقوة الناعمة وقفازات الحرير ليست أقل خطراً من المدفع والدبابة والصاروخ، والمقاومة في أساسها فكرة تطورت إلى فعل وعمل، وهي لا تهزم الا عندما يتم القضاء على بذرتها الأولى أي فكرتها فقد تتبدّل أساليبها أو تنتقل من يد إلى يد أو من جيل إلى جيل، ولكنها باقية وعلى مَن يؤمن بفكرتها ويسعى لتحقيقها ان يعرف ان الأمور العظام تستدعي تقديم تضحيات مساوية للهدف في حجمه وقيمته.
ويحضرني في مطلع هذا العام الجديد قصيدة من ديوان “قالت الأرض” لأدونيس القديم كتبها في مطلع خمسينيات القرن الماضي يصف بها الحالة القومية والخصوصية الفلسطينية والخيارات التي يطرحها العدو على الفلسطيني والخيار القومي وبما يصف الواقع المرّ دون التخلي عن روح التحدي والأمل :
في مطلع العام الجديد قالت لنا آهاتنا
شدّوا الرحال إلى بعيد أو فاسكنوا خيام الجليد
فبلادكم ليست هنا
نحن الذين على الدخيل تمرّدوا فتهدّموا وتشرّدوا
أكل الفراغ نداءنا ومشى الإمام وراءنا
الريح بعض غطائنا والجوع كل ندائنا
أقلوبنا رفقاً بنا لا تهربي وتقحمي عنف المصير
في الجوع في اليأس المرير
وهنا على هذا التراب تتربّي فغداً يقال
من أرضنا طلع النضال
ونما على أشلائنا وندائنا
وعلى تلفتنا البعيد لغد جديد…