• 22 شباط 2026
  • أقلام مقدسية

بقلم د. علي قليبو

أقود سيارتي بتؤدة وحذر، بسرعة لا تتجاوز السبعين، وألتزم أقصى اليمين تجنباً لأي مفاجأة؛ أنظر إلى اليمين والشمال، وفي المرآة أنظر إلى الخلف، وأتوجس خوفاً من أن يضرب السائق أمامي على فرامله فجأة، أو أن يقفز أحد المارة أمامي. أنا خلف هذا المقود في طريقي لشراء ضروريات الطعام للإفطار الرمضاني، الذي تم الإفتاء بتوقيت غير متوقع لبدئه اليوم بدلاً من غد؛ فيكفي سائقان متوتران ينطلقان كالقذيفة ليسلباك حياتك. هذا التوجس ليس إلا انعكاساً لـ "قلق وجودي" يتملكنا جميعاً؛ فهو نتاج الظروف السياسية والاقتصادية القاسية التي يمر بها الفلسطينيون تحت الاحتلال. 

تشوب بهجة رمضان غلالة من القهر؛ فما زالت الحرب التي شنها العالم علينا مستمرة، يرافقها تعطل سبل العيش وركود الأسواق. ومع ترادف الأنباء عن مآسي جنين وطولكرم ونابلس، تتعالى الأصوات بمطالب تهجير أهلنا في غزة وفي الضفة الغربية. لقد أصبح 'رعاع المستوطنين' بين ليلة وضحاها 'أصحاب حق'، بينما أمسينا نحن 'المستعمرين الأشرار'؛ معزولين في القدس عن ضفة متقطعة الأوصال في سجن كبير يهدد بقاءنا.

ويزيدُ من حدة قهرنا أنه تَم منعُ الاستعدادات لإقامة المظلات الواقية؛ لحماية المصلين من الشمس والمطر، خاصة ونحن في شهر شباط. ويرافق ذلك حصرُ عدد المصلين الوافدين من الضفة الغربية بما لا يتجاوز عشرة آلاف شخص لإقامة صلاة يوم الجمعة. والأدهى من ذلك، اقتطاعُ حيزٍ زمنيٍّ في الحرم الشريف من الساعة السادسة صباحاً وحتى الحادية عشرة؛ لإقامة شعائر يهودية دينية، حيث يرقصون وتتعالى أصواتهم بالغناء إمعاناً في استفزاز حميتنا وفي إذلالنا، وفي محاولة لفرض "حق زمني" لهم في المسجد. إن هذا يمثل تجاوزاً خطيراً يهدد المسجد الأقصى وأرض المعراج، ويقيد حريتنا في العبادة والاعتكاف بالمسجد الأقصى كما درجت العادة في رمضان؛ في هجوم تعسفي استبدادي يستهدف منع حرية العبادة، هجومٍ زادت وتيرته ليضرب جوهر هويتنا ويقلق مضاجعنا.

وهو ما يخلق ضغطاً نفسياً شديداً وتصعيداً استفزازياً لمشاعر الفلسطينيين؛ وما هذه "الطوشات" والشجارات التي تندلع كالهشيم في النار بين الأهل والجيران في الخليل ويطا وكفر عقب والعيزرية، إلا ظاهرة تعبر عن القلق والترقب الفلسطيني مما يخبئه المستقبل من مكائد. فكيف بك ونحن الآن في أول أيام الشهر الفضيل؟

وبينما أَرْقُبُ الطريقَ وأرصدُ حركةَ السير، تتواردُ الخواطرُ ببالي كشريطٍ سينمائي لفيلمِ رعبٍ يستعرضُ واقعنا الأليم؛ حيث نعيشُ كابوساً يتمثلُ في اجتثاثِ المخيماتِ وتدميرِ المنازل. تخيلْ وضعَ الفلسطينيِّ في الضفةِ إذا ما اعترضتْ طريقَهُ ثُلَّةٌ من المستوطنين تنهالُ عليه بالضرب! إنه واقعٌ يُقتلُ فيه البشرُ ويُحرقُ الشجرُ، في تحدٍ عظيمٍ يجعلُ المستقبلَ يبدو قاتِماً، ويدفعُ بنا إلى مواجهةِ كابوسِ الرعبِ الذي يدورُ في الخَلَدِ ولا نجرؤُ على بوحه، أو طرحه، أو مواجهته: آجلاً أم عاجلاً سيتم ترحيلنا؟ نبقى أم لا نبقى؟ سؤالٌ يقلقُ مضاجعنا.

توقفَ السيرُ فجأةً، وتوقفتْ معه الحركةُ، وفي سكونِ ما قبلَ عَجِيجِ أبواقِ السياراتِ؛ يسلبني التمتعَ بأولِ أيامِ الصومِ ويحرمني لذةَ اللحظةِ، وأنا أَتَلَظَّى بجرعةِ الواقعِ الأليمِ، حينها.. ينهمرُ شلالٌ من الأفكارِ ليعيدَ إليَّ توازني وسطَ ضوضاءِ هذا الواقعِ المُتَفَجِّرِ بضغوطاتٍ تحاصرني من كلِّ فجٍّ وصوبٍ.

لقد تمسكنا طويلاً بحلمِ العدالةِ، فإذا به "أوهى من بيتِ العنكبوتِ"؛ فلقد كشفَ ملفُّ "أبستين" عن فسادِ المنظومةِ السياسيةِ والاقتصاديةِ العالميةِ التي استفردتْ بحكمِ العبادِ، وسقطتِ الأقنعةُ لندركَ أنَّ هؤلاءِ منغمسون في بذخٍ فاجرٍ ينمُّ عن ازدراءٍ مطلقٍ للشرائعِ الدينيةِ، ضاربين بعرضِ الحائطِ القيمَ الإنسانيةَ في اسْتِخْفافٍ مُطْلَقٍ؛ حيثُ باتَ الزنا وممارسةُ الرذائلِ وكافةُ المُوبقاتِ مُبَاحاً في نظرهم، يبحثون عن لذةٍ ساديةٍ في تعذيبِ واغتصابِ وقتلِ الأطفالِ والتجارةِ بهم، في سقوطٍ صاعقٍ غدا نمطَ حياةٍ لرجالاتِ الحكمِ والاقتصادِ، ولمن كانوا بنظرنا أهلَ القدوةِ والشأنِ.

لقد تلقينا صَفْعَةً مدويةً أيقظتنا من حالةِ السُّباتِ العميقِ الذي غرقنا فيه، وانْتَشَلَتْنَا من شَرَكِ الضلالِ والتضليلِ؛ فبين ليلةٍ وضحاها استفقنا لنجدَ أننا عشنا وهماً كبيراً بنينا حوله صرحاً من الأملِ والرجاء، فإذا به يتهاوى أمامَ أعيننا؛ وإذ بقيمنا وأخلاقياتنا باتت "قاموساً غيرَ مُتداولٍ" في معجمِ الاقتصادِ الإمبرياليِّ المعاصرِ بصيغتِهِ الصهيونيةِ. هذه المنظومةُ التي لا تربطها صلةٌ بشريعةٍ أو خطابٍ إنسانيٍّ، جعلتِ التعويلَ على تحقيقِ العدالةِ في القضيةِ الفلسطينيةِ سَرَاباً، وإمعاناً في تضليلِ أنفسنا.

تتعالى أصواتُ أبواقِ السيرِ من حولي وكأنها تُجدي نفعاً، في نَحِيْبٍ يائسٍ تَبَرُّماً من هذا الوضعِ المُتَأَزِّمِ الذي لا حَوْلَ لَهُم عَلَيْهِ وَلَا قُوَّةَ، في مَشهدٍ عَبَثِيٍّ لمسرحيةٍ سُورياليَّةٍ؛ فأبذلُ جهدي في تَجاوُزِها مُحَلِّقاً بِأَفْكَارِي، فيستحضرني مشهدُ صلاةِ التراويحِ في المسجدِ العمريِّ الكبيرِ في غزةَ، تحتَ بقايا قِبابٍ لم تتدمرْ بعدُ؛ يقفون في خشوعٍ ماثلينَ بينَ يدي اللهِ في غزةَ، صابرينَ محتسبينَ في مشهدٍ يجسدُ أسمى آياتِ الإيمانِ. وبينما تنتظمُ حركةُ السيرِ، تنهمرُ الأفكارُ شلالاً يُنيرُ طريقي، مُعلنةً استمرارَنا في جِهادٍ مُستَميتٍ رغمَ عبثيةِ المَشهدِ؛ فتترددُ عَبْرَةُ أيوبَ عليه السلام في ابتلائه، وتستحضرُ الذاكرةُ يقينَ يعقوبَ عليه السلام في سورةِ يوسفَ لندركَ معنى: "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ".

فَوْقَ الرُّكَامِ، وفي وسطِ الدمارِ، وعلى أَشْلَاءِ المَدينةِ؛ وبالرغمِ من سِلْسِلَةِ المَجَازِرِ حيثُ تَمَّتْ إِبَادَةُ أَرْوَاحِ الآلافِ، تنتظمُ صفوفُ المصلينَ الثكالى في وحدةٍ إيمانيةٍ مهيبةٍ في غُرَّةِ رمضانَ، مُستعدينَ لشهرِ الصيامِ، ماثلينَ في خشوعٍ بينَ يدي اللهِ، مُحْتَسِبِينَ اللهَ، صَابِرِينَ مُرَابِطينَ؛ حيثُ يبقى اليقينُ باللهِ نوراً ساطعاً، يَقينٌ بحكمةِ اللهِ في التدبيرِ والتقديرِ، وبالبقاءِ والأمانةِ في أرضِ الرباطِ. إنَّ هذا الصمودَ هو قَدَرٌ إلهي لا يمحوهُ الترحيلُ، ولا ينالُ منهُ الموتُ أو بشاعةُ المجازرِ الدمويةِ. وفي بيتِ المقدسِ، تتراءى صورةُ "غزةَ هاشمٍ" ونسمعُ صدى التاريخِ يُنادِينا: "صبراً يا آلَ هاشمٍ"؛ لأدركَ أنَّ غلبةَ الإيمانِ هي السلاحُ الأمضى في وجهِ منظومةِ الفسادِ. فالمرابطونَ الفلسطينيونَ هم حُرَّاسُ أمانةِ العُهْدَةِ العُمَرِيَّةِ، يُرَدِّدُ صَدَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾؛ لِيَبْقَى الأَمَلُ مَعْقُوداً بِيَقِينِ الوَعْدِ الحَقِّ، فَالصِّيَامُ رِبَاطٌ.

أترقبُ انقلابَ الإشارةِ الضوئيةِ وأعدُّ الثوانيَ انتظاراً لها، فأشردُ بأفكاري مَلْتَجِئاً إِلَى بُرْجِي العَاجِيِّ؛ هُرُوباً من واقِعٍ أَلِيمٍ مَشْحُونٍ بالمُتَنَاقِضَاتِ؛ هَكَذَا أَحْتَمِلُ وَطْأَةَ الِاحْتِلَالِ بِمُهْجَةٍ أَبِيَّةٍ؛ متأملاً، فاحصاً، مُمَحِّصاً في وضعِنا الوجوديِّ والاجتماعيِّ والاقتصاديِّ؛ ورُوَيْدًا رُوَيْدًا تَخْفُتُ أَصْوَاتُ الضَّجِيجِ وَالنَّفِيرِ وصخبُ أبواقِ السياراتِ، فألتفتُ ذاتَ اليَمينِ وذاتَ اليَسارِ باحثاً عن طمأنينةٍ مفقودةٍ؛ فإذا بالتوترِ يختفي تدريجياً وتذوبُ الهواجسُ التي أرقتني خلفَ هذا المِقوَدِ. ومن بينِ زحامِ أطيافِ وجوهِ المارةِ، يمرُّ طيفٌ يشبهُ والدي -رحمهُ اللهُ-؛ فالحنينُ يَنْسَلُّ في صمتٍ ليعيدَ لي ذاك السكونَ الذي عهدتُهُ بقربهِ. أراهُ بعينِ قلبي مائلاً إلى الاعتكافِ المهيبِ على قراءةِ القرآنِ، وقد تدثرَ بعباءتِهِ الصوفيةِ الوقورةِ؛ حيثُ كان يجلسُ في خُشوعٍ مُطْبِقٍ، يناجي ربهُ بيقينٍ لا يعرفُ التزعزعَ، حتى غدتِ العباءةُ من مُتلازماتِ الصومِ والصمودِ!

اخُذُ نَفَساً عَمِيقاً وأنا ثابتٌ بمكاني لا أتحركُ قِيدَ أُنْمُلَةٍ؛ أستجمعُ شتاتَ أفكاري، وأُلَمْلِمُ بَقَايا خَوَاطِرِي اسْتِعْدَاداً لِصِيَاغَتِهَا إِنْشَائِيّاً. أَرْصُدُ السياراتِ أَمَامِي وبِجَانِبِي وخَلْفِي من خَلْفِ المِقْوَدِ؛ فلا أرمقُ المرآةَ الخلفيةَ لأرقبَ الطريقَ فحسب، بل أَنْظُرُ عَبْرَهَا إِلَى المَاضِي وأَسْتَرْجِعُ ذِكْرَيَاتِي؛ أحاولُ سَبْرَ أغوارِ "شهرِ الفرقانِ" بقالبٍ إنشائيٍّ ولغةٍ جَزلةٍ، والغوصَ خلفَ المعنى الظاهريِّ للصيامِ والزحامِ؛ في محاولةٍ لإعادةِ صياغةٍ تحليليةٍ لأثرِ "الزمنِ المقدسِ" في علاقةِ الفردِ بذاتِهِ، ومعَ اللهِ، ومعَ المجتمعِ. فأشرعُ برسمِ الفكرةِ بصورةٍ عامةٍ، ثم أتناولُ المفرداتِ الضروريةَ؛ فلكلِّ مقالٍ مفرداتُهُ الخاصةُ، وأبدأُ وأنا أُنَمِّقُ الكلماتِ والفقراتِ التي تتحولُ إلى مقالاتي الشهريةِ، بترتيبِ الجملِ في مُخيلتي، مستبدلاً كلمةً بمفردةٍ مرادفةٍ أضعُها في جملةٍ لتصبحَ وَقُوداً لتيارِ المقالِ؛ ريثما تُسْتَأْنَفُ الحركةُ فتنهمرُ أفكاري بغزارةٍ؛ فأهربُ من كَدَرِ وصَخَبِ الواقعِ، وأَسْتَرْسِلُ بأفكاري.

فِي رَمَضَانَ، يَتَدَاخَلُ اللَّيْلُ بِالنَّهَارِ حَتَّى يَتَلَاشَى الإِحْسَاسُ بِالزَّمَنِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَالاعْتِكَافِ فِي رِحَابِ المَسَاجِدِ، وَتَرَاتِيلِ القُرْآنِ الكَرِيمِ. وَتَبَعاً لِهَذَا التَّحَوُّلِ الكَيَانِيِّ، تَتَبَدَّلُ الهُوِيَّةُ البَصَرِيَّةُ لِلْمَدِينَةِ؛ فَتَنْزَاحُ الأَزْيَاءُ الأُورُوبِّيَّةُ المُعَاصِرَةُ لِتَفْسَحَ المَجَالَ لِلزَّيِّ العَرَبِيِّ التَّقْلِيدِيِّ، حَيْثُ يَرْتَدِي الرِّجَالُ الجَلابِيبَ وَالدَّشَادِيشَ، وَيَتَدَثَّرُونَ بِتِلْكَ العَبَاءَاتِ الدَّافِئَةِ —تَمَاماً كَمَا كَانَ يَفْعَلُ وَالِدِي— لِيُصَلُّوا خَاشِعِينَ وَيُسَبِّحُوا الخَالِقَ فِي إِطَارٍ مُتَوَارَثٍ؛ يُنَاجُونَهُ سُبْحَانَهُ مُتَوَدِّدِينَ وَمُتَقَرِّبِينَ فِي الشَّهْرِ الَّذِي شَهِدَ نُزُولَ القُرْآنِ الكَرِيمِ.

وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الِانْقِلَابِ فِي الْإِيقَاعِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالزَّمَنِيِّ، يتبدلُ المشهدُ في القدسِ القديمةِ؛ حيثُ تُحيلُ صلاةُ التراويحِ في المسجدِ الأقصى ليلَ المدينةِ نهاراً، فَتُضاءُ الشوارعُ وتَضجُّ بالحياةِ. وأتذكرُها كما عَهدتُها في الماضي وقد ازدانتْ قناطرُها وأزقتُها بأسلاكٍ كهربائيةٍ تُنيرُ دربَ المصلينَ نحو الأقصى؛ تتجاورُ فيها رموزُ رمضانَ الهندسيةُ من فوانيسَ ونجومٍ يَتَصَدَّرُهَا شكلُ الهلالِ، جَنْباً إلى جَنْبٍ مع مَصَابِيحَ كَهْرَبَائِيَّةٍ مُلَوَّنَةٍ ("لَمَبَاتٍ") تزهو بلونِ العَنْبَرِ، واللازَوَرْدِيِّ، والأُرْجُوانِ والاخضر؛ وهي ألوانٌ ارتبطتْ رمزيتُها بـ "الزمنِ المقدسِ.

أَتَوَقَّفُ مَلِيّاً عِنْدَ كَلِمَةٍ، أَشْعُرُ أَنَّهَا لَا تُسْعِفُنِي؛ فَهَلْ أَقُولُ لِرَمَضَانَ "عَجْقَةٌ"؟ كَلَّا.. فَهِيَ كَلِمَةٌ عَامِّيَّةٌ لَا تَلِيقُ بِمُسْتَوَى جَزَالَةِ المَقَالِ. رُبَّمَا أَسْتَعْمِلُ كَلِمَةَ "غُرَّةٍ"؟ لَا.. فَكَلِمَةُ "غُرَّةٍ" لَهَا مَعْنًى آخَرُ يُشِيرُ لِلْبِدَايَةِ، مِثْلَ "غُرَّةِ رَمَضَانَ" أَيْ مَطْلَعِهِ؛ أَظُنُّ أَنَّ الكَلِمَةَ الأَدَقَّ هِيَ "غَمْرَةٌ"؛ كِنَايَةً عَنِ الِازْدِحَامِ الشَّدِيدِ وَالِانْغِمَاسِ فِي المَادَّةِ.

وَأَتَسَاءَلُ أَيْضاً: هَلْ أَقُولُ "دَكَاكِين"؟ رُبَّمَا "حَوَانِيت" أَفْضَلُ لِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ عَبَقٍ وَأَصَالَةٍ تَلِيقُ بِقُدْسِيَّةِ المَكَانِ. فَأُتَابِعُ صِيَاغَةَ فِكْرَتِي: فَلِرَمَضَانَ "غَمْرَةٌ" يُرَافِقُهَا ازْدِحَامٌ بِالطُّرُقَاتِ، وَوُقُوفٌ طَوِيلٌ أَمَامَ "الحَوَانِيتِ" وَسَطَ حُشُودِ النَّاسِ المُتَدَافِعَةِ لِشِرَاءِ الحَاجِيَّاتِ؛ مِمَّا يُثِيرُ الشُّعُورَ بِالإِعْيَاءِ وَالحِصَار.

تتدفق الكتابة:" فلا مَنَاصَ مِنْ أَدَاءِ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ القَسْرِيَّةِ، الَّتِي بَاتَتْ تَسْتَنْزِفُ مَا تَبَقَّى مِنْ سَكِينَةِ الصَّائِمِ؛ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ رَمَضَانُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ إِلَى مَيْدَانٍ لِلْمُبَاهَاةِ وَالْمُجَامَلَاتِ الشَّكْلِيَّةِ، مِمَّا يُثْقِلُ كَاهِلَ الْفَرْدِ بِمَا لَا يُطِيقُ. وَبَيْنَ كَدْحِ النَّهَارِ لِتَوْفِيرِ لُقْمَةِ الْعَيْشِ، وَضَغْطِ الِالْتِزَامَاتِ الْأُسْرِيَّةِ الَّتِي لَا تَرْحَمُ، يَسْتَحِيلُ إِحْسَاسُ الْبَهْجَةِ بِرَمَضَانَ إِلَى إِحْسَاسٍ بِالْعَجْزِ وَالْقَهْرِ؛ إِذْ نَجِدُ أَنْفُسَنَا مُحَاصَرِينَ بَيْنَ "رُوحَانِيَّةِ الشَّهْرِ" الَّتِي نَنْشُدُهَا، وَبَيْنَ "مَادِّيَّةِ الْوَاقِعِ" الَّتِي تَفْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْنَا بِقُوَّةٍ."

أُتَابِعُ تَيَّارَ أَفْكَارِي:" فَإِذَا مَا أَضَفْنَا فَرَائِضَ الصِّيَامِ وَمَا يُرَافِقُهَا مِنْ تَزَهُّدٍ، نُدْرِكُ جَلِيّاً حَجْمَ الضُّغُوطِ تَحْتَ وَطْأَةِ الِاحْتِلَالِ؛ إِنَّ هَذَا التَّدَاخُلَ بَيْنَ مَشَقَّةِ العِبَادَةِ وَقَسْوَةِ الإِبَادَةِ، يَجْعَلُ مِنْ كُلِّ لَحْظَةِ انْتِظَارٍ خَوْضاً فِي عَصْفِ الأَفْكَارِ، وَمُصَارَعَةً لِإِعْصَارِ المَصِيرِ. حِينَهَا.." أَسْتَمْتِعُ بِصَدَى الكَلِمَاتِ وَقَدِ اتَّصَلَتْ بِجُمْلَةٍ مُعَبِّرَةٍ، وَأَسْتَشْعِرُ إِيْقَاعَهَا يَنْسَابُ جُمَلاً بِجَرْسِهَا المُوسِيقيِّ الخَاصِّ بِي، وَالَّذِي يَحْمِلُ طَبْعَتِي؛ فَأَبْتَسِمُ، وَتَنْفَرِجُ الأَزْمَةُ فَيُعَاوِدُ السَّيْرُ تَدَفُّقَهُ.

يَتَفَاعَلُ كُلُّ مُسْلِمٍ مَعَ رَهْبَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ حَسَبَ وَضْعِهِ النَّفْسِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ وَالصِّحِّيِّ؛ فَبَيْنَمَا نَجْدُ مَنْ يَحْتَفِي بِهِ مُسْتَبْشِراً فَرَحاً، يَجِدُ فِي طُقُوسِهِ الدِّينِيَّةِ الصَّارِمَةِ —وَمَا تَتَطَلَّبُهُ مِنْ زُهْدٍ وَنُسُكٍ— الرَّاحَةَ النَّفْسِيَّةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ الرُّوحَانِيَّةَ، مُتَمَتِّعاً بِالمُشَارَكَةِ فِي الطُّقُوسِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ بِكُلِّ جُزَيْئَاتِهَا؛ مِنْ زِيَارَاتٍ وَإِقَامَةِ المَآدِبِ الرَّمَضَانِيَّةِ الَّتِي يَحْكُمُهَا "نَامُوسٌ" رَسْمِيٌّ مُتَعَارَفٌ عَلَيْهِ اجْتِمَاعِيّاً. فَيُصْبِحُ لِمَائِدَةِ الإِفْطَارِ مَرَاسِمُ لِتَقْدِيمِ أَفَانِينَ شَتَّى مِنَ الطَّعَامِ؛ تَبْدَأُ بِتَنَاوُلِ حَبَّةِ التَّمْرِ، يَلِيهَا طَبَقُ الشُّورْبَةِ وَالمُقَبِّلَاتُ مِنْ سَلَطَاتٍ وَمَقَالٍ كَالسَّمْبُوسَكِ وَالكُبَّةِ وَالفَلَافِلِ المَحْشِيَّةِ بِالبَصَلِ المُبَهَّرِ، تَتْبَعُهَا أَطْبَاقُ اللَّحْمِ وَالخُضَارِ بِصُورَةِ مَحَاشٍ أَوْ يَخَانٍ، وَمِنْ ثَمَّ الحَلْوَى الخَاصَّةُ بِرَمَضَانَ؛ لِتَسْتَحِيلَ غَمْرَةُ تَحْضِيرِ الطَّعَامِ وَاسْتِقْبَالِ الضُّيُوفِ وَانْتِظَارِ المَدْفَعِ وَالصَّلَاةِ حَفْلاً بَهِيجاً يَتْرُكُ أَطْيَبَ الذِّكْرَيَاتِ.

وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، نَجْدُ آخَرِينَ مُثْقَلِينَ بِتَكَالِيفِهِ البَاهِظَةِ، وَجِلِينَ مِنِ اسْتِقْبَالِ الضُّيُوفِ، فَيُصْبِحُ الحَفْلُ وَاجِباً ثَقِيلاً وَأَمْراً مُجْبَرِينَ عَلَيْهِ. وَعَلَى الطَّرَفِ النَّقِيضِ، نَجْدُ بِطَبِيعَةٍ أُخْرَى مُنْغَمِسِينَ فِي شَذَى الرُّوحَانِيَّاتِ الرَّمَضَانِيَّةِ؛ يَعْتَزِلُونَ مُعْتَكِفِينَ، مُنْهَمِكِينَ بِالصَّلَاةِ، مُتَزَهِّدِينَ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، يَجِدُونَ فِي رَمَضَانَ مَلَاذاً لِلتَّوَاصُلِ مَعَ اللهِ. فَيَنْعَكِسُ رَمَضَانُ بِقُدْسِيَّتِهِ وَضُغُوطَاتِهِ —كَانْقِطَاعٍ عَنْ فِنْجَانِ القَهْوَةِ أَوِ السِّيجَارَةِ— بِصُورَةٍ مُتَغَايِرَةٍ عَلَى الصَّعِيدِ الِانْفِعَالِيِّ الفَرْدِيِّ، تَتَفَاوَتُ بَيْنَ الحَفَاوَةِ وَالِانْشِرَاحِ وَبَيْنَ الرَّهْبَةِ وَالوَجَلِ؛ حَيْثُ يَتَفَاعَلُ كُلُّ فَرْدٍ بِصُورَةٍ لَاوَاعِيَةٍ مَعَ هَذِهِ التَّنَاقُضَاتِ، تَتَأَرْجَحُ بِهِ فَيَكْبَحُ جِمَاحَهَا بِـ "اللَّهُمَّ إِنِّي صَائِمٌ".

انَّ الِانْقِلَابَ الاجتماعيَّ والدينيَّ في رمضانَ، والانتقالِ من الحياةِ الدنيويةِ برتابتِها وانهماكِها بالمشاغلِ الآنِيَةِ إلى "الزمنِ المقدسِ"— تكتنفُهُ مراسمُ مهيبةٌ تؤثرُ على كلِّ مسلمٍ بصورةٍ فرديةٍ؛ فلا يمكنُ التعميمُ، إذ إنَّ كلَّ شخصٍ هو حالةٌ خاصةٌ ووضعٌ نفسيٌّ مستقلٌّ. فتجدُ البعضَ يتوترونَ من انقلابِ إيقاعِ حياتِهم، لتصبحَ الشعائرُ ضغوطاً يتحملُها المرءُ بصمتٍ تارةً، وَيَنُوءُ بها ويثورُ من ثقلِ حِملِها تارةً أخرى. وفي المقابلِ، تجدُ من يستقبلُ الشهرَ كصديقٍ عزيزٍ يحلُّ رِحابَ المَساجدِ والمدينةِ والبيوتِ فتَحُلُّ بركتُهُ؛ وهناك شخصيةٌ أخرى تجمعُ ما بين الزهدِ الروحانيِّ وحبِّ الآخرين في حركيةٍ اجتماعيةٍ مَائِجَةٍ، يغدو فيها الشهرُ الفضيلُ فصلَ الخيرِ والمحبةِ. ولا غرابة في هذا التأرجح العاطفي؛ فالفلسطينيون هم مجموعة أفراد في إطار وجداني عام، لكل فرد منهم حياته وتجاربه الخاصة، وهويّة ذاتية هي نتاج تفاعله مع نفسه ومع الآخرين، في ظل إيمانه بوجود قوة عليا يحدس وجودها سَلِيقِيّاً.

فَالْفِلَسْطِينِيُّ ليسَ مجردَ رمزٍ للبطولةِ والكفاحِ، بل هو كَيَانٌ مَادِّيٌّ، أي أنَّهُ إنسانٌ؛ يُحبُّ ويُبغضُ، متسامحٌ وناقمٌ، بسيطُ السَّجِيَّةِ ومُعقدُها، متقلبُ الأطوارِ ومسالمٌ ليّنٌ، حادُّ الطبعِ عنيفٌ، وكريمُ النفسِ أَبِيُّهَا وشحيحٌ ذليلٌ، بسيطٌ متقشفٌ ومُتَبَهْرِجٌ مَوْلَعٌ بمظاهرِ الوجاهةِ، مثقفٌ متنوّرٌ وضيقُ الآفاقِ محدودُ البصيرةِ، وهادئٌ رزينٌ ومتوترُ الأعصابِ سهلُ الاستفزازِ، رَقِيقُ الْحَاشِيَةِ مفرطُ العاطفيةِ، ومتجبرٌ عنيدٌ.

فلا عجبَ في تناقضِ الأحاسيسِ المُضْطَرِبَةِ بَيْنَ جَوَانِحِهِ؛ فالشخصيةُ الذاتيةُ لا تخرجُ عن كونِها سلسلةً متعاقبةً من الانفعالاتِ المتناقضةِ. فالفلسطينيُّ، مثلَ سائرِ أبناءِ البشرِ، إنسانٌ؛ أي كائنٌ معقدٌ نلمحُ جوانبَهُ الإنسانيةَ، بِخِصَالِهَا وَمَنَاقِبِهَا.

تتدفقُ حركةُ السيرِ وتسترجعُ إيقاعَها المعهودَ؛ أقودُ سيارتي بِتُؤَدَةٍ وحَذَرٍ، وأرمقُ اليمينَ واليسارَ، وأُدققُ النظرَ في المرايا العاكسةِ؛ تجنباً لأي عارضٍ غيرِ مُرتقبٍ. يتدفقُ السيرُ تارةً، ويتوقفُ تارةً أخرى، فأشردُ في شَلَّالٍ من الأفكارِ؛ أقلبُها في بالي وأستشعرُها في كياني، لأصوغَ مقالاتٍ هي شَوَاهِدُ على الحاضرِ الفلسطينيِّ وصمودِ شَعْبِ الجَبَّارِين.