- 14 كانون الثاني 2014
- أقلام مقدسية
وقعت قبل اسبوع اتفاقية بين شركة فلسطين لتوريد الكهرباء في شمال الضفة الغربية ومجموعة من الشركات الاسرائيلية المستخرجة للنفط والمصدرة له تمثلها شركة نوبل انيرجي لتزويد الشركة الفلسطينية بالغاز الطبيعي لمدة عشرين عاما بعقد تبلغ قيمته أكثر من مليار ومئتي مليون دولار. وقد تم تخصيص قطعة أرض في شمال الضفة لإقامة المحطة عليها، حيث يستغرق بناء المحطة بضع سنوات وتبلغ تكاليف بنائها حوالي ثلاثمائة مليون دولار.
وقبل الدخول في مناقشة هذا الاتفاق لا بد من التنويه بأن شركة فلسطين لتوليد الكهرباء والتي وقعت هذا العقد مملوكة لعدد من كبار المستثمرين الفلسطينيين من بينهم شركة كهرباء غزة وبنك فلسطين ومجموعة باديكو وشركة المقاولون المتحدون التي يمثلها وليد سعد صايل ومن أكبر مساهميها السيد سعيد خوري.
وفي الحقيقة فإن فكرة المحطة ليست وليدة اليوم بل بدأ الحديث عنها منذ أكثر من ثلاث سنوات وبدأ المستثمرون يشعرون بالضجر لأن الأموال التي رصدوها للمشروع باتت شبه مجمدة وألحوا بضرورة البدء بإنشاء المحطة وتأمين الوقود اللازم لتشغيلها. ولقد درست عدة احتمالات من بينها استقدام الغاز من حقل غزة ولكن بعض القائمين على المشروع يقولون بأن ذلك سيكون مكلفا وأن الجهة الوحيدة التي يمكن أن تستورد الغاز من غزة هي اسرائيل .
ومهما يكن من شيء فإنني أقرر هنا بأنني لست بصدد مناقشة هذا الموضوع من ناحية اقتصادية لأنني لا أملك في هذه اللحظة كل المعطيات اللازمة لمناقشته اقتصاديا ، ناهيك عن حقيقة أن هذا الموضوع هو موضوع سياسي بامتياز وأن شركة فلسطين لتوليد الكهرباء لم تكن لتقدم على توقيع هذا الاتفاق بدون قرار سياسي وعلى أعلى مستوى ، ولعل هذا هو الذي يفسر أن الذي وقع على الاتفاق بحكم منصبه هو الأخ عمر كتانه بصفته وزيرا للطاقة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو التوقيت الذي تم فيه توقيع هذا الاتفاق حيث تمر المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية في أدق مراحلها ، وحيث يمكن أن تؤدي هذه المفاوضات الى اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بمجمل القضية والحقوق الفلسطينية. هذا من جهة ، ومن جهة أخرى مدى صلة الاسراع في اتخاذ القرار بتوقيع هذا الاتفاق بما يدور من حديث عن السلام الاقتصادي والتقدم في تطبيع وتطوير العلاقات الاقتصادية الفلسطينية- الاسرائيلية بمعزل عن الشأن السياسي وما يمكن أن يتمخض أو لا يتمخض عنه.
ومع كل ما يكتنف هذا الموضوع من أمور شائكة إلا أنه لا بد من الاشارة الى أمرين رئيسيين الأول هو بالمفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية ونقطة الانطلاق في هذه المفاوضات وخاصة من الجانب الفلسطيني ، والثاني هو ما يتعلق بالوضع الداخلي الفلسطيني وشرعية من يلتزمون نيابة عن الشعب الفلسطيني باتفاقيات تترتب عليها تبعات سياسية واقتصادية بعيدة المدى.
أما بالنسبة للمفاوضات فلا بد من القول وبصراحة مؤلمة أننا انطلقنا من النقطة الخطأ في التعامل مع الشأن التفاوضي ليس من اليوم فقط وإنما منذ بداية العملية التفاوضية.
فقد اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية في الرسائل المتبادلة بين الرئيس أبو عمار ورابين بدولة إسرائيل لقاء اعتراف اسرائيل بمنظمة التحرير وليس بالدولة الفلسطينية. وها نحن اليوم نخوض مفاوضات مضنية مع إسرائيل دون أن تكون لنا أية مرجعية لهذه المفاوضات ، وأن المرجعية التي يحاول وزير الخارجية الأمريكي بلورتها مبنية على نفس الموقف الخاطيء الذي فاوضنا على أساسه منذ البداية وهو الاعتراف باسرائيل ، واستثناء ما أخذته عام 1948 بما في ذلك القدس الغربية من المفاوضات والتفاوض معها على تقاسم الضفة الغربية والقدس الشرقية تحت غطاء ما يسمى بتبادل الأراضي وهو الشيفرة التي تعني التخلي عن المطالبة بانسحاب اسرائيل الكامل من الأراضي التي احتلت عام 1967 بما في ذلك القدس العربية وقبول التنازل عن أجزاء من تلك الأراضي.
لقد انطلقنا من نقطة الاعتراف باسرائيل والتنازل عن القدس الغربية لقاء الافتراض بأن اسرائيل ستتنازل عن احتلالها للضفة وغزة والقدس العربية وهذا افتراض خاطيء لأن من بديهيات التفاوض هو الأخذ والعطاء وأن أحدا لا يدخل المفاوضات ليأخذ كل ما يطالب به ، وأنه كان الأجدر بنا أن نطالب بكل فلسطين لنحصل على جزء منها ، أو أن نطالب بقرار التقسيم 181 لعام 1947 لنحصل على حدود 1967.
وقد يقول قائل... فات الميعاد.. على طريقة أم كلثوم ولكنني أقول ما قاله عمر بن الخطاب .." إن الحق قديم والرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل".
وطالما أن إسرائيل لم تعترف بنا ، وطالما أن كل فلسفة المفاوضات الحالية يجب أن تقوم على أساس الافتراض بأن فلسطين كل فلسطين هي أرض متنازع عليها بين الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي ، فإن فرض الأمر الواقع بإقامة دولة إسرائيل على الجزء الأكبر من فلسطين لا يجب أن ينفي حق الشعب الفلسطيني في كل شبر من أرض فلسطين إلى أن تتم تسوية النزاع بشكل متفق عليه بين الطرفين.
ووضع فلسطين في هذا الحال هو وضع الملكية المشاع التي يتعلق حق كل طرف فيها بكل ذرة من ترابها إلى أن تتم قسمتها بالتراضي بينهما.
وتأسيسا على هذا المبدأ فإن حق الشعب الفلسطيني في كل ذرة تراب لا يقتصر على الأرض وإنما على مصادرها ومواردها الطبيعية ولذلك فإنني أعتقد جازما بأن من حقنا حتى لو أبدينا استعدادا للاعتراف بإسرائيل بحدود عام 1967 أن نطالب بحقنا في الثروات والموارد الطبيعية كالغاز أو البترول في أية بقعة من فلسطين كما أن من حقنا أن نطالب بحقنا في حقول الغاز على شواطئها وأن نطالب بميناء على شمال البحر الأبيض المتوسط لخدمة الضفة الغربية.
وانطلاقا من هذا المبدأ فإن علينا أن نفكر جيدا وأن نضمن بأن أية اتفاقية كالتي وقعتها شركة فلسطين لتوليد الكهرباء لا تجحف بحقوقنا الأساسية آنفة الذكر.
هذا فيما يتعلق بالشأن التفاوضي ، أما ما يتعلق بشرعية من يلتزمون نيابة عن الشعب الفلسطيني ، فإن من البديهي أن تعرض مثل هذه الاتفاقية على البرلمان لأخذ المصادقة عليها حسبما نص عليه القانون الأساسي ، وطالما أن المجلس التشريعي معطل ولا وجود له فإن قانونية وشرعية مثل هذه الاتفاقية تبقى موضع شك كبير.
ولا شك بأن إعادة بناء موقفنا التفاوضي وبما يضمن التمسك بحقوقنا الأساسية وتصحيح الخطأ التفاوضي الذي وقعنا فيه يتطلب إنهاء الانقسام وإعادة اللحمة الوطنية ، كما أن المصادقة أو عدم المصادقة على مثل هذه الاتفاقية تتطلب أن يكون هناك برلمان شرعي منتخب وهذا يؤكد أيضا أهمية إنهاء الانقسام وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية ومجالس الحكم المحلي في أسرع وقت ممكن حتى يتسنى لنا الحفاظ على حقوقنا الوطنية ومنع التفريط بها تحت أية مسميات أيا كانت
*عن صحيفة القدس

