• 15 كانون الثاني 2014
  • أقلام مقدسية

 

نسمع كلاما معسولا ونرى عواطف جياشة عن القدس الشريف في جميع المؤتمرات واللجان وورشات العمل العربية. ونسعد بإعلانات المسؤولين العرب في قممهم عن إنشاء صناديق بمئات ملايين الدولارات لدعم صمود القدس فيما الأمر حقيقة لا يتعدى رصد ملايين من الدولارات الوهمية وفقا لبيانات رسمية صادرة عن مسؤولي منظمة التحرير الفلسطينية. وفيما يعيش أهالي القدس قلقا دائما جراء استمرار سلطات الاحتلال الاسرائيلي في تنفيذ سياسة هدم المنازل بالمدينة المقدسة وأحيائها بحجة البناء غير المرخص، يصرف ملياردير يهودي واحد هو (ارفين مسكوفيتش) أموالا لتهويد القدس بما يفوق أضعاف ما تقدمه كل الأنظمة المسلمة والعربية وغالبية المقتدرين والمتنفذين الفلسطينيين الشعبيين والرسميين، حيث تكللت مهمته الأبرز - حتى الآن - في بناء مستعمرة/ «مستوطنة» «أبو غنيم» العملاقة في قلب القدس المحتلة مع شراء عقارات وتخطيط مصمم لإقامة «مستوطنات» أخرى في قلب المدينة المحتلة، في حين لم تقم كل الأنظمة المسلمة والعربية ببناء حي سكني واحد في القدس؟!!!
اليوم، هناك هجمة مركزة تشنها إسرائيل على المدينة بهدف تغيير الواقع الديموغرافي لها وذلك بسبب قراءة إسرائيلية تقول إن سكان القدس العرب ستبلغ نسبتهم حتى العام 2040، 55% من عدد سكان المدينة. ولمواجهة هذا الواقع، ذكرت صحيفة «هآرتس» مؤخرا، أن «الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى ضم الكتل الاستيطانية الكبرى المحيطة بالقدس (150 ألف مستوطن) مما سيؤثر على نسب التواجد اليهودي في المدينة». وفي الأخبار، أن لجنة التنظيم والبناء الإسرائيلية في بلدية القدس المحتلة وضعت خطة تنفيذية لهدم 450 منزلا عربيا. وهناك أكثر من 20 الف شقة ومنزل فلسطيني بالقدس يتهددها الهدم الاسرائيلي بحجة عدم الترخيص حيث تفرض سلطات الاحتلال مبالغ مالية طائلة على المواطنين اذا ما تقدموا لبلدية الاحتلال بطلب للحصول على رخصة بناء.
في تقرير «جمعية حقوق المواطن في اسرائيل» قالت هذه المنظمة غير الحكومية أن «ثمانية من أصل عشرة فلسطينيين في القدس الشرقية يعيشون تحت خط الفقر أي نحو 80% «من السكان العرب». ويضيف التقرير بان «جدار الفصل العنصري يقطع القدس الشرقية عن الضفة مما فاقم الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية أصلا للسكان»، علاوة على الإذلال المستمر حيث أن نحو 90 الف فلسطيني من حملة بطاقة الهوية الزرقاء من القدس «يمرون عبر الحواجز بشكل يومي من أجل الوصول الى العمل او المدرسة او الحصول على خدمات صحية». هذا، عدا عن كون المستشفيات في القدس الشرقية تعاني صعوبات مادية لانخفاض عدد المرضى وعدم قدرتهم او قدرة الطواقم الطبية على الوصول اليهم من الضفة. ويختم التقرير بأنه «منذ العام 1967 صادرت الحكومات الاسرائيلية ثلث الاراضي الفلسطينية في القدس وبني عليها الاف الشقق لليهود في المدينة». وقد قامت وزارة الداخلية الاسرائيلية في العام 2012 بسحب اقامة 116 فلسطينيا من القدس الشرقية مما يرفع عدد «الذين لم يعد يسمح لهم بالعيش في مدينتهم» منذ عام 1967 الى 14 الفا. في المقابل، أكدت «مؤسسة الأقصى للوقف والتراث» أن رصدها لوقائع ممارسات الاحتلال فيما يخص منطقة حائط البراق، غربي المسجد الاقصى، يدلل أن هناك مخططات تنفيذية وشيكة ستؤدي الى تهويد كامل منطقة البراق، لتغيّر المشهد العمراني الاسلامي العريق بشكل كبير، وتخفي وتدمّر الكثير من معالم الآثار الاسلامية في محيط المسجد الأقصى.
بعيدا عن المواقف العربية التي لا تتعدى التنديد والاستنكار والتذكير بأن السياسة الإسرائيلية تؤدي الى اشاعة التوتر في المنطقة وزيادة اليأس والاحباط وسط الشعب الفلسطيني ووضع المزيد من العراقيل أمام «عملية السلام» المتعثرة أصلا، فإن الدعم العربي والإسلامي للقدس يثير الشفقة. فرغم أن الأمر يتعلق بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، فإن ما يقدم هو مجرد وعود فقط وإن تحققت على أرض الواقع فهي لا تتعدى ملايين لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة متناثرة بين عدة صناديق، رغم أن الهدف الأسمى هو دعم صمود أهل زهرة المدائن وعاصمة الشعب الفلسطيني في وجه الهجمة الشرسة التي تتعرض لها.
فلسطين عامة، والقدس خاصة، ليست قضية خاسرة رغم تراجع أهميتها في ظل التحولات العارمة في العالم العربي اليوم. ونصر ونعيد التأكيد على أن الفلسطينيين وعموم العرب والمسلمين يرونها قضيتهم الأولى. المهم: كيف نتخطى المشاعر والشعارات من خلال العمل على الأرض أقلها في المجالات الحياتية مثل الإسكان والتعليم والخدمات الصحية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا أقل المتوقع. وعلينا دوما أن نتذكر بأن القدس بالنسبة لإسرائيل ولكل يهودي في أي بقعة من أصقاع العالم هي - قولا وعملا-القلب النابض (للشعب اليهودي) و»لا تنازل عن القدس أبدا». فمتى نتشبه بهم ونقتفي خطواتهم؟

*مقالة قديمة للدكتور عبد الرحمن من جريدة الراي الاردنية