- 21 كانون الثاني 2014
- أقلام مقدسية
لا شك في أن الحديث عن القدس وشئونها وشجونها متعدد الأبعاد والمحاور؛ وذلك بسبب تعدد المشاهد والشواهد التي تحياها هذه المدينة، على مدى العقود السبعة الماضية، بخاصة العقود الخمسة الأخيرة. فالصراع قائم، على أشدّه، بين أصحاب الأرض الأصليين (بفقرهم وبؤس حالهم) والاحتلال بأدواته وأمواله والقوة التي يمتلكها.
لذلك؛ فإنه على المراقب لما يجري في القدس أن يكون قادراً على قراءة السطور وما بينها؛ أي قراءة المكتوب و"غير المكتوب"، لكي لا يجد نفسه في خندق الاحتلال من حيث لا يدري. الأمر الذي يتطلب التوقف الجاد والمعمق عند كل ما يسمع المرء، وما يشاهد، ليكون قادراً على وضع الأمور في نصابها الصحيح، وذلك بأن يتوقف عند الجزئيات، التي تبدو غير ذات أولوية، في السياق العام للخطاب الوطني المتجه نحو الدفاع عن عملية التهويد و/أو الأسرلة.
من بين الجزئيات التي تشكل، في مجموعها، رافداً هاماً من روافد النهر الجارف الذي يداهم جغرافية القدس وديمغرافيتها وبنيتها وجوهرها، موضوع كلفة البناء والتراخيص التي يئن المقدسيون تحت وطأتها.
فالاستراتيجية الاحتلالية تقوم على أن "البناء في القدس هو أهم من البناء في أي مكان آخر"، ويأتي ذلك على خلفية عقائدية بسعي السلطات الاسرائيلية إلى تغيير الوضع الديمغرافي في القدس، والحد من آثار هذا التغيير؛ بفرض قيود كبيرة على تطور الفلسطينيين فيها، وانتهاج سياسات وإجراءات تحول دون تمكن أي فلسطيني من ممارسة حقه الطبيعي في الإقامة والعيش داخل القدس؛ فيتّبع سياسات التضييق على المقدسيين في قضايا البناء وجعله شبه مستحيل؛ وهدم المنازل بحجج واهية (حوليات القدس، العدد 13). وفي هذا المجال؛ بين مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأراضي الفلسطينية المحتلة أن المقدسيين يعانون مرارة، لا توصف، متعددة الأبعاد والمصادر والأشكال أدت إلى نقص حاد في مساكن المقدسيين، منها:
1. فشل إسرائيل في توفير التخطيط المناسب للأحياء الفلسطينية.
2. قامت اسرائيل بمصادرة مساحات شاسعة من أراضي شرقي القدس لغرض بناء المستوطنات؛ حتى أن المستوطنات الإسرائيلية قد ازدهرت على أكثر من35٪ من أراضيها التي صودرت من أجل بنائها.
3. (يُسمح!) للفلسطينيين بالإعمار على % 13 فقط من مساحة شرقي القدس، مع العلم أن جزءاً كبيرا من هذه المساحة مكتظ أصلا.
4. يواجه الفلسطينيون صعوبات من شأنها أن تحول دون إمكانية الحصول على رخص البناء اللازمة، كالتكلفة المالية الباهظة للحصول على رخصة بناء تشكل للعديد من الفلسطينيين عاملاً عائقاً للبناء. كما أن عملية استصدار رخصة بناء تستغرق سنوات علاوة على أن التقدم بطلب لرخصة البناء لا يشكل ضمانة على أن المتقدم سيحصل عليها.
5. من جانبٍ آخر؛ حتى إذا توجه المقدسيون إلى خارج الجدار، فإنهم سيجدون الإدارة المدنية تتحكم في 60% من الضفة وهي المناطق المصنفة ج؛ فيمنع البناء عليها، فبين العامين 2000 و2007 رفض الجانب الاسرائيلي حوالي 94% من الطلبات التي تقدم بها فلسطينيون للحصول على رخص في المناطق المصنفة –ج-.
والحالة هذه؛ فإن عدد رخص البناء الممنوحة سنوياً لا تلبي الحاجة القائمة للمساكن كما أنها لا تلبي الحاجة الناشئة عن نمو السكان السنوي، فيجد المقدسي نفسه، في النهاية، مضطراً للبناء بدون ترخيص، الأمر الذي يجعله عرضة لكوارث لا يمكن للمرء أن يطيقها؛ عندما يتعرض لعقوبات "مركبة" تتلخص في أوامر الهدم إلى جانب غرامات مالية، مضاف إليها أن يدفع المقدسي (صاحب البناء) كلفة الهدم، وفق الأسعار التي تفرضها السلطات الاسرائيلية، أو أن يقوم صاحب المبنى بهدمه بيده.
ويتم هذا كله بعد أن يكون البناء قد اكتمل وأصبح جاهزاً للسكن، وبعد أن تغمر (الفرحة!!) أصحابه الذين بنوه طوبة طوبة، وحجراً حجراً. الأمر الذي يعني إشاعة الإحباط في نفوس المقدسيين، والإمعان في تعذيبهم وطردهم شر طرد ليتوجهوا إلى خارج الجدار، وهناك يصطدمون بالمناطق –ج- التي يمنع البناء عليها وفق ما هو موصوف أعلاه.
وللدلالة على هذا كله قدر لي الاطلاع على قصة المقدسي "نبيل دعنا" الذي روى قصته، المشبعة بالمرارة والألم، والتي تتلخص في أنه تمكن من استصدار رخصة بناء، بعد جهود استمرت لسنوات طويلة بكلفة حوالي "مائة ألف دولار"، وهي صالحة لمدة سنتين فقط. أي أنه إن لم يكن يملك، بعد المائة ألف دولار تلك، المبلغ الكافي للبناء خلال هذه المدة فإن الرخصة تعتبر لاغية. وإذا ما علمنا بأن الهدف من هذا البناء هو توفير السكن الكريم لابنيه المقبلين على الزواج، فإننا نكون أمام "معضلة" متعددة الآثار والتي تتوج بـ "إعاقة إنشاء أسرتين مقدسيتين".
أمام هذا الوضع المربك؛ يجد هذا المواطن نفسه وقد اكتوى بـ "نيران!!" الرخصة التي فرح لها فرحاً شديداً، عندما يتكالب عليه المقاولون وقد عرفوا "نقطة ضعفه" بأن يعرضوا عليه تمويل المبنى الهدف وفق شروط تضاعف وجعه وأَلَمَه؛ فقد ينتهي الأمر بأن يتسرب المبنى الجديد والأرض التابعة له إلى الاحتلال. وإذا رفض تلك العروض فعليه أن يتوجه إلى القروض التي تجعله يتأرجح بين الاكتواء بحرمتها وشروطها الباهظة التي تحرق الفؤاد، أو أن ينتزع مقدسيته، كمن ينتزع أحشاءه، ويرمي بها على أشواك الهجرة والغربة، ليحل محله مستوطن في أرض فارغة من البناء والسكان.
أمام هذا الحال؛ يتساءل المقدسيون الذين يتلظون بلهيب نيران البناء والرخص وشروطها: "ألا يوجد في هذه الأمة، شخص يقترب إيمانه بالقدس وقضاياها وهموم أهلها من إيمان "آرفين موسكوفيتش"؛ المتمول اليهودي-الأمريكي الذي يعمل بشكل دائم على استكمال تهويد القدس وإغراقها بالمستوطنين؛ بأن يضخ أموالا ضخمة من أجل الاستيلاء على بيوت عربية في البلدة القديمة وأحياء القدس الأخرى، وقد أولى موسكوفيتش اهتماما خاصاً، لوقت طويل، للسيطرة على عقارات في البلدة القديمة، متعمداً تحويلها إلى نواة بؤرة استيطانية ما تلبث أن تتوسع؟!
إلى أن يُجاب على هذا السؤال/ التساؤل؛ فإن المقدسيين، وفي أجواء انكفاء الجهاد بالنفس والولد، فإنهم يناشدون أثرياء الأمة بالجهاد بالمال لتثبيتهم في قدسهم التي هي قبلة الأمة ورمز كرامتها، فإذا ظهر من أبناء الأمة من يتبرع بتغطية كلفة التراخيص و/أو الأبنية، فإنه يكون قد حَفِظَ للقدس عروبتها المهددة بالزوال خلال مدة ليست بالطويلة؛ إن استمر الحال كما هو عليه الآن.
في جميع الأحوال حمّلني المقدسيون صرخة في وجه صانعي القرار وأصحاب الأيادي البيضاء من أبناء الأمة؛ وجدت نفسي مضطراً للبوح بها، ألا وهي: إن الاحتلال قد أنهكنا، فلا تكسروا ظهرنا؛ بصمتكم واستراقكم السمع لعذابات أطفالنا الذين ضاقت عليهم القدس بما رحبت
*عن جريدة القدس

