- 19 شباط 2014
- أقلام مقدسية
هذه هي الرسالة التي يتلقاها كل شاب مُقبل على الزواج في القدس. سُنة الزواج التي فرضها الله على وشك أن تندثر في القدس نتيجة لسبب أساسي هو عدم القدرة على تحمل تكاليف منزل الزوجية في القدس. فالأجرة الشهرية للشقة الصغيرة يتراوح بين 1000 الى 1500 دولار شهريا، أما من رغب في شراء شقة صغيرة فان سعرها يتراوح بين 350 الى 650 ألف دولار، حسب المنطقة، ومع ان تكاليف الترخيص نفسها، وتكاليف البناء هي نفسها، فان الاسعار تتضاعف حسب المنطقة. الشاب في سن الزواج بين 24- 30 عاما. يتقاضى ان كان عاملا راتبا شهريا معدله نحو 1000 دولار وان كان جامعيا، وحصل على وظيفة فهو يتقاضى راتبا شهريا معدله 1500 دولار هذا للمحظوظين.
بعد مصاريف الزواج والتي هي مكلفة بحد ذاتها، وغالبا ما يحصل الشاب على مساعدة الاهل في ذلك. يبدأ بالبحث عن شقة ليكتشف ان راتبه لا يكفي بالكاد لدفع اجرة الشقة،عدا عن ضرائب البلدية ومصاريف المياه والكهرباء، ناهيك عن تكاليف الحياة البسيطة. والمؤجرون يطلبون الأجرة لمدة تتراوح بين 6 -12 شهرا مقدما بعد ان يكون الشاب قد انفق كل مدخراته على مصاريف الزواج.
اما اذا فكر الشاب بشراء شقة، فسيكتشف انه سيعمل لمدة 30- 54 سنة دافعا راتبه كله هذا ان وجد منزلا بالتقسيط وهو الامر غير المتاح وغير الموجود كذلك، فالجميع يطلب ثمن الشقة نقدا. يمثل ذلك دعوة صريحة لافراغ القدس من الجيل الجديد، والعشوائيات في كفر عقب تنتظر! يتباهى المقاولون بأنهم يتيحون المجال للتغلب على العقبات التي تفرضها البلدية امام ترخيص المباني، محتجين بالجهد والمعاناة التي يتكبدونها من اجل استصدار تصاريح البناء ودفع تكاليفها الباهظة. ولا أحد يقلل من قيمة هذا الجهد، ومن حجم هذه المعاناة، ومن حقيقة توفير مساكن اضافية لمواجهة شح المساكن في المدينة، لكن يبقى السؤال لمن هذه المساكن بهذه الأسعار؟اذا لم تكن المساكن للأزواج الشابة، فلمن تكون؟ واضح من الحسابات ان هؤلاء الشباب ليس بمقدورهم تحمل الأجور او امكانية الشراء، فالمساكن اذن هي للموسرين من غير الشباب، وهؤلاء لديهم مساكنهم، فالموضوع اذن يتعلق بمساكن اضافية للاستثمار، ما يعني ان عملية تجارية تتولد، حيث ان المستثمر يريد تحقيق أرباحا من وراء استثماره في المباني، الأمر الذي يعني تلقائيا ازدياد اسعار المساكن سواء للأجرة ام للاقتناء، اذن فنحن امام معادلة جهنمية من غير المعروف الى أين تصل. ان واقع الاسكان في القدس، وخاصة للأزواج الشابة بحاجة الى مراجعة شاملة ودراسة حقيقية، وجهة فان أحدا لا يريد ان يخسر المقاولون المكافحون ويريد توفير الحوافز المعقولة لهم، ومن جهة أخرى لا بد من وقف هذا الارتفاع الجنوني للأسعار.
لا بد من تقنين عملية الاسكان في القدس، ودراسة تكاليفها الحقيقية، وبالتالي تحديد أسعارها ووضع حد للمتاجرة. ومن خلال جولات قصيرة، يمكن للفاحص ان يستنتج ان حجم الشقق الفارغة، أو المنشأة حديثا او التي في طور الانشاء هي ليست قليلة. وبالامكان لأي كان القيام بجولة في احياء بيت حنينا وشعفاط وأحياء جنوبي القدس، ليستنتج بأن هناك مئات الشقق المتاحة للتأجير أو للبيع.
اذن فلماذا هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار؟ اذا كانت معادلة العرض والطلب متساوية او تزيد بدليل أن بامكان من يريد أن يجد شقة للايجار او البيع تحقيق ذلك اذا كان بمقدوره دفع الثمن. وهذا يعني ببساطة ان هناك شيئا خاطئا في العملية برمتها، خاصة وان معدل الأسعار سواء للايجار أم للبيع ما كان ليتعدى ثلث الاسعار الحالية قبل ثلاث سنوات أو أربع سنوات، ذلك يعني ان تكاليف البناء بالقدس تضاعفت ثلاثة أضعاف، سواء بالنسبة للترخيص او بالنسبة لأجور العاملين ومواد البناء، بدليل ان اثمان المساكن لم ترتفع بالضفة الغربية مثل هذا الارتفاع الجنوني، اذن ماهو سر هذا الغلاء الفاحش؟الدراسة المطلوبة ولا بد ان تجيب أولا على هذا السؤال. هناك بعض المؤسسات الاقراضية التي تمنح قروضا تجارية لشراء الشقق، وحتى إن توفرت هذه القروض التي يتوجب سداد أقساطها، فان سنوات طويلة تستهلك معظم العمر يحتاجها الشاب للسداد هذا اذا كان يستطيع وفق معدل الرواتب للايفاء بها. وعلى مؤسسات الاقراض قبل أن تمنح القروض لمشاريع الاسكان ان تتأكد اولا من ان اسعارها بمقدور الأزواج الشابة والا فانها ستحيد عن الهدف. وفي غالب الاحيان فان القروض التي تمضي المؤسسات التمويلية لا تكفي لثمن الشقة، الامر الذي يعني ان على الشخص البحث عن تمويل ثان وهو بالكاد قد تمكن من الوصول الى التمويل الاول.
واذا اتضح من الدراسة ان هذه التكاليف مصطنعة فاننا امام المعادلة المشؤومة: الغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرا، اما اذا اتضح ان هذه التكاليف فعلية وان الاسعار تعبر عن واقع الحال، فان ذلك يتطلب مواقف سياسية داعمة اخرى، اذا كان الحفاظ على الوجود العربي في القدس هدفا، إما عن طريق قروض مدعومة لا تثقل على المستأجرين او المشترين للشقق، أو دعم للرواتب ذاتها التي لا تستطيع بمعدلها الحالي تمكين الشباب من الحصول على منزل مؤجر أو مشترى. وفي اللقاء الحواري الذي نظمه الملتقى الفكري العربي مؤخرا وشارك فيه مجموعة من مؤسسات الاقراض والمقاولون والمسؤولين والخبراء، استنتج المشاركون ان الاسلوب الوحيد لمعالجة هذه المعضلة يتمثل بالبرامج الاسكانية المتكاملة، كأن تتولى جهة محددة قد تكون دائرة الاوقاف او احدى الكنائس او شركة محدودة مسؤولية انشاء والاشراف على مشروع اسكاني محدد او اكثر، ابتداء من الحصول على الارض ثم التراخيص، مرورا بوضع المخططات العملية وتأسيس البنية التحتية، فالتعاقد مع المقاول وشراء المواد بشكل جماعي ومن ثم بيع المساكن بتقسيط معقول وبحيث تخصص هذة المساكن للازواج الشابة فقط وليس للمتاجرة. واتضح من النقاش الاولي ان بالامكان توفير ما بين 30-60% من ثمن الشقة. ولاشك ان هذا فارق جوهري من شانه قلب المعادلة الجهنمية القائمة الآن.
الاسكان في القدس اذن مشكلة حقيقية ينبغي التصدي لها فورا دون ابطاء ودون تأجيل، فالبقاء في القدس ليس مسؤولية الشاب فقط، بل هي مسؤولية الوطن برمته! واخيرا: ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء
عن جريدة القدس

