- 28 شباط 2014
- أقلام مقدسية
تطرح تساؤلات كثيرة بشأن واقع، حال، مكانة ومستقبل لجنة المتابعة العليا للمواطنين العرب في اسرائيل، ومن بينها عملية مأسسة هذه اللجنة التمثيلية وآليات اختيار أعضائها ورئيسها. هذه التساؤلات ليست بجديدة، ولكن الظرفية التي آل اليها المواطنين العرب في الوطن والتحديات الحياتية، الجيوسياسية والتنموية التي يواجهونها، تَطرَح سؤالاً مركزيا : هل لدى لجنة المتابعة بمبناها الحالي، آلية اخيار رئيسها واعضائها، التي تعتمد على التوافق بين أُطُر سياسية وجهات اعتبارية فعالة متعددة ومختلفة الوزن، القدرة على التأثير وصياغة اجندة وخطاب المجتمع العربي ومواجه تحدياته؟! متابعة وفحص بسيط وسريع لواقع هذه الاطر السياسية والجهات الممثلة والمشاركة في صياغة قرارات لجنة المتابعة تبين ان القرارات تتم بالتوافق، وحتى في بعض الاحيان، هذه القرارات لا تلزم هذه الاُطر او ممثليها في لجنة المتابعة، لأنها ربما لا تتوافق مع توجهاتها او رغبتها. كذلك وعلى حد علمي، تَغيب عن لجنة المتابعة مفاتيح تحديد الاعضاء المُمَثلين والمعايير الواضحة المعلنة والمقرة تبين مكانة ودور متخذي القرارات وآليات متابعة انجازها. خلال عمل لجنة المتابعة الطويل تَطَور تقليد وعرف وجهت اعمال اللجنة وعملية تفعيلها، ولكنهم لا يعتمدون على قواعد واضحة عليها يوجد اجماع وطني. من ناحية اخرى لا يوجد مشروع وطني متوافق علية بين المشاركين في لجنة المتابعة حيث تسعى اللجنة لتحقيقه. يوجد شعار لفظي متعارف عليه وهو تحقيق السلام والمساواة، ولكن التصور المطلوب والمرغوب للمواطنين العرب لإنجاز هذا الشعار ما زال دون صياغة مبرمجة. اجتهاد نخبة من الاكاديميين والفاعلين العربالفلسطينيون في الوطن لإنتاج وصياغة تصور مستقبلي وخطة لإنجازه بمشاركة فعالة لرئيس واعضاء من لجنة المتابعة، لم يقر من قبلها ولم يُجمَع عليه. لست من الساذجين الذين يدعون بان المجتمع العربي الفلسطيني في الوطن متجانس من حيث الرؤية، الايديولوجيا، البرامج السياسية والاجتماعية. الا انني اعي ان هذا المجتمع متعدد ومتنوع وهذه حالة صحية. ولكن غير الصحي هي حالة رفض المختلف الى حد يصل الى إقصائهونفيه وعدم القدرة على تطوير المشاركات معه وهو ابن شعبة ومن اهلة، مع اننا لو امعنا النظر وتفحصنا الامر لنجد بشكل واضح ان المشترك بيننا يفوق بحد كبير المختلف، وحتى على المُختلف نستطيع ان نتوافق ونتكامل. ولكن ذهنية وممارسة لشخصنة الامور ووضع حدود لبناء الذات الحزبية والفئوية المصلحية والتقوقع بداخلها، اعاقت بناء وتطوير لجنة المتابعة كمؤسسة تمثيلية عليا، واضحة المعالم ومحددة لمسؤولياتها، واجباتها، مؤسساتها الفاعلة، طرق اختيار الاعضاء والرئيس والتداول على ادارتها. دورها يتركز في صياغة وتوجيه السياسات العامة للمواطنين العرب والمشتقة والمترجمة للاحتياجات والاجندة المحلية التي تقوم بها السلطات المحلية منفردة من خلال اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية.
مر حوالي عقدين والحديث يجري عن وجوب مأسسة لجنة المتابعة ولكن هذا الجهد الضائع ما زال دون نتائج مقرة، مما يثير مرة اخرى مسألة طريقة انتخاب رئيس لجنة المتابعة بعد ان اعلن رئيسها الحالي عن نيته انهاء فترة رئاسته. لأجل ـصراع بقاء لجنة المتابعة تُطرَح بدائل لكيفية اختيار رئيسها مثل: مطالبة الرئيس الحالي استمرار اشغال منصبه، او ترشيح ممثلين لأطر سياسية واجتماعية لهذا المنصب كجزء من استمرار عملية التوافق بين هذه الأُطر على الرئيس. اقتراح آخر يُطالب بإعادة توحيد اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية مع لجنة المتابعة، ليترأسهما رئيس اللجنة القطرية المنتخب. اما الاقتراح الاضافي فهو اجراء انتخابات مباشرة لرئيس لجنة المتابعة، وربما كذلك لأعضائها، من قبل المواطنين العرب.
لا شك ان لكل اقتراح من هذه الاقتراحات يوجد له منطقهُ، تبريراته ومؤيديه، ولا اريد ان اتوسع في تقييم هذه البدائل وطرح بدائل اخرى ممكنة في هذه المقالة الموجزة. مع ذلك فان تطبيق الاقتراح الاول هو مؤشر وكاشف واضح عن ازمة مجتمعية وقيادية نعاني منها وملخصها ان لهذا الشخص لا يوجد بديل. انني ارفض هذا الادعاء من ناحية مبدئية، مع احترمي لكل شخص ضحى وأدى دوراً قياديا، بل على العكس لكل شخص يوجد بديل، وان لم يكن فسنكون مجتمع عاقر، وتقع علينا مسؤولية وواجب انتاج مدير او رئيس لنكون معه ونساعده على اداء واجبه ونشاركه المهام، متجاوزين حالة الوصاية والهيمنة لأجل التجديد في مجتمعنا. وان التوافق على الرئيس وانتخابه من بين المنتخبين او من اخوتنا واخواتنا المخلصين ذوي القدرة والمكانة المناسبة ربما سيكون مناسباً في السياق الموضوعي الذي نعيشه، لكي نتجاوز شروخ كامنة وخلافات تهدد حتىالتوافق الجزئي رغم ضعفه ولكنه افضل من عدمه. كما ان اعادة توحيد لجنة المتابعة مع اللجنة القطرية هي مرغوبة، وانا شخصياً مع الوحدة، خاصة وان مُبَرِرات الفصل بينهم قبل حوالي خمس سنوات كانت غير موفقة واحدثت ازدواجيات واضعفت كل منهما وربما اعاقت مأسستهم. كما ان هذا الدمج يشوش الفصل بين دور لجنة المتابعة التمثيلي السياسي، وبين دور اللجنة القطرية التي تسعى الى معالجة الامور الحياتية اليومية (الاقتصادية، الاجتماعية والخدماتية) والتنسيق والتعاون بين السلطات المحلية العربية. ربما يخالفني البعض الرأي، ويدعي بانني محافظ واقلل من اهمية اجراء انتخابات للجنة المتابعة لإحداث تغير بنيوي وسلوكي في هذه اللجنة وفي حالة ومكانة المواطنين العرب. وان استمرار او العودة الى البدائل التقليدية لا يحدث تغيير في واقع، حال ومكانة لجنة المتابعة لتواجه التحديات في بناء ذاتها ولتكون جسم تمثيلي سياسي توافقي للمواطنين العرب، يحقق لهم بعض احتياجاتهم وطموحاتهم. وان انتخاب مباشر لرئيس واعضاء لجنة المتابعة هو خير بديل لمنح القوة، التأثير والحضور للجنة المتابعة. تقييمي الموضوعي ان هذا الاجراء للانتخاب المباشر هو ليس عملية ميكانيكية اجرائية فقط، بل هي عملية مركبة ولها اسقاطات عامودية وافقية على العلاقات داخل المجتمع العربي المُكَوَن من احزاب وفئآت متعددة لها اجندتها ومازالت غير متوافقة على اجندة وطنية شاملة. كما ان الانتخاب المباشر ربما يؤدي الى اضعاف الاحزاب السياسية العاملة والتي تجد لها محل ودور حالي في لجنة المتابعة والتي تحافظ على ذاتها، وان الانتخاب المباشر ربما يهدد مكانتها من جهة، ويقلل المشاركة في العمل البرلماني ومعه نشوء خطاب انفصالي اقصائي. بالموازاة لها اسقاطات وتأثير على العلاقة مع الدولة ومع المجتمع اليهودي الذي يمارس سياسات بعضها يركز على الاقصاء والتمييز واخرى يدعو الى المشاركة. لذلك لا بد من تقييم موضوعي غير مزايد ومفرط لإسقاطات وتبعات عملية الانتخابات المباشرة لكي لا نكون سببا في احداث مواجهات وصدامات داخلية ومع المختلف للتأمين استراتيجيات واهداف استمرار رباطنا واستدامة تنميتنا في الوطن وحفظ السلام والصحة المجتمعية العامة.
تشكل التجارب التي نمر بها في الانتخابات للسلطات المحلية والبرلمان، مع الفارق بينهم، مؤشر لوجوب تأجيل الانتخابات المباشرة للجنة المتابعة، لان هذا الانتخاب يحمل دلالات ربما تفسر خارج السياق الذي يسعي لتنظيم المجتمع العربي في اسرائيل وتحسين حاله وتحويله الى مجموعة مصلحية ضاغطة لدريء الظلم وتحقيق العدل ومشاركة فعالة في انتاج وامتلاك الحيز العام، حيث ستُفَسر من اطراف مغرضة وعنصرية في المجتمع الاسرائيلي اننا نسعى للانفصال عن الدولة بتكوين مؤسسات منتخبة انفصالية. كما ان انتخاب رئيس واعضاء مؤسسة قطرية لا تمتلك موارد القوة، مثل موارد مالية وسيادية، سوف يحدث توقعات لدى المنتخبين لا يمكن انجازها، مما يزيد من احباطنا نحن العرب في البلاد، ويدفعنا للانزلاق الى مسارات غير مرغوبة في الظرفية المحلية والاقليمية المركبة التي نعيش بها. كما ان انتخاب مباشر لا يضمن تغير فكري وسلوكي يساهم في مأسسة وتحسين اداء لجنة المتابعة وتحويلها للجنةٍ مبادرة، لان التغيير في السلوك السياسي هو عملية تطور مجتمعي يعتمد على فكر وممارسة مجتمعية منطلقة من منظومة اخلاقية، ثقافية وسياسية تقبل التعدد والمختلف، وتتبني منظومة المؤسسة التي تعتمد على التكامل والتداول وتمكن التوازن بين الخاص والعام، متجاوزة البطرياركية والوصاية مُؤمنة توفير حرية الاختيار والحراك الوظائفي والحيزي. هذه هي الحال ما زلنا، على الغالب كأفراد وكمجتمع، نحاول بناء ذاتنا في ظل ممارسة سياسة حكومية مُمَنهجة نحونا تعتمد على تطبيق مصفوفة ضبط وسيطرة، تجزئة، تبعية واقصاء من انتاج، امتلاك وصياغة الحيز العام. ان محاولاتنالصد هذه السياسة ومقاومتها لفظيا من قبل أحزاب وفئات فاعلة في المجتمع كان لها دور في استدامة وجودنا وتطورنا، رغم استمرار حالة ضعفنا وإضعافنا. بالمقابل ما زلنا غير مقدرين بشكل كافِ لحالة التناقضات والاشكاليات التي وقعنا بها، وفي بعض الحالات، ومع مزيد الاسف وقعنا ضحية لمصفوفة ضبط السياسات الحكومية، واصبحنا في حالات كثيرة نفتش على توافقات مبنية بشكل جزئي على حالة النفاق الخجول، تأخذ بعين الاعتبار التجزئة الطائفية والأثنية والإقليمية الجغرافية في تشكيل ممثلينا، بما في ذلك داخل اللجنة القطرية ولجنة المتابعة وحتى الاحزاب. لذلك فان المطالبة في اجراء انتخابات مباشرة للجنة المتابعة هي تحدي يهدد استمرار تطورها ونضوجها، ويعبر عن رغبة لا تتناسب مع حاجة وواقع المواطنين العرب الذين يتحدون سياسة الاقصاء والتبعية بواسطة فرض الحضور المشارك في امتلاك الحيز العام، مقاومين مصفوفة الضبط والسيطرة. وان تحدي هذه السياسات الحكومية الرسمية لتلبية احتياجات ومتطلبات المجتمع العربي يتطلب تقوية لجنة المتابعة بواسطة اقرار المبنى المؤسساتي، وضع برنامج عملي يعتمد على مشروع يلبي متطلبات المجتمع العربي ويفتش عن موارد مالية لتشغيلها لتمتلك قوة وحضور فعال، حتى نتمكن من تحويلها الى لجنة مبادرة واضحة الرؤيا حسنةالاداء، وهذا التحول مرتبط بنا لان مبنى وسلوك مؤسساتنا هي ترجمةٌ لحالنا. لست من الذين يعلنون عن احتضار لجنة المتابعة رغم الوهن الذي تعاني منه فهي مرآة لنا، وتقع علينا مسؤولية الحفاظ عليها، تمكينها وتطويرها كجزء من عملية بناء مؤسساتنا لكي تُمكننا من زيادة حضورنا في الحيز العام كمجتمع والانتقال من حالة التركيز على المتابعة والاحتجاج على سياسات الدولة والحكومات الاسرائيلية نحونا، الى حالة التركيز على المشاركة في البناء وتأمين حقنا في الحيز العام. بالموازاة، تقوية وتعزيز الحكم المحلي ومؤسسات المجتمع المدني لتأدية ادوارهم الخدماتية في الحياة اليومية بشكل فعال بحيث تؤمن التآزر بينهم لنحفظ الطمأنينة لنا كمجتمع نامي يعيد تشكيل ذاته في وطنه.

