- 5 آب 2012
- هموم
اعداد : خالد الغول/ مركز يبوس الثقافي
في ندوة عقدها مركز يبوس الثقافي ضمن مهرجان القدس 2012 بعنوان "جدلية تحرير العقل والمكان" شارك فيها باحثون ومتخصصون في التنمية الثقافية ومجتمع المعرفة وطرحت فيها اسئلة التحرر العقلي والمعرفي واحتمالات الانعتاق من قيد المكان في غمرة استحكام حلقات الهيمنة والاطباق على منافذ الحياة في مدينة القدس خصوصا وفلسطين عموما. افتتح الباحث والكاتب المستقل الدكتور "خليل نخلة" صاحب الكتاب المثير للجدل ( فلسطين ، وطن للبيع ) مداخلته التي حملت نفس عنوان الندوة بسؤال حول كيفية تحويل السياسات التربوية الرسمية إلى فكر تنموي- تحرري-مقاوم، إعتمادا على مواردنا وطاقاتنا الذاتية. ومهد "نخلة" للاجابة على هذا السؤال بالتأكيد على اننا منذ منتصف القرن الماضي ونحن شهود لعملية ممنهجة لإعادة هندسة وعينا الوطني. هدفها إستحداث خطاب مهيمن لتزييف الوعي الوطني، والقبول بتذويت القهر والهزيمة والوضع الكولونيالي والفصل العنصري والطبقي كحالة طبيعية.
هذه العملية في أساسها تعود حسب "نخلة" إلى ثلاثة عوامل رئيسة هي السياسات الثقافية- التربوية التي يفرضها المستعمر، والسياسات الثقافية-التربوية التي يترجمها وينفذها المستعمر (أي نحن)، وهيمنة مصادر الدعم الخارجي وآلياته وتسلطها على توجهات هذه السياسات. ويعتمد مدى نجاح هذه العملية على تفاعلنا معها وعلى تصميمنا في مجابهتها والإصرار على بدائل وطنية لها.
ولكن، هل نمتلك مقومات صوغ البدائل الوطنية؟ وهل نستطيع تحديد الأدوار؟ هل نحن جاهزون فعلا لهذه المهمة ؟ يقترح "نخلة" بهذا الصدد أن نطور إدراكنا بشكل واضح لعملية هندسة المناهج المدرسية باعتبارها مشروعا إستراتيجيا وطنيا بإمتياز. وذلك من خلال اثارة عدة أسئلة من نوع: من يحدد الأهداف العامة للفعل التربوي؟ ولماذا؟ وأي تثقيف نبتغيه لأجيالنا القادمة، إلخ.؟
وبما اننا نحدد الاهداف التي نبتغي تحقيقها وفقا للقراءة العلمية للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبعد الاحاطة بمختلف المتغيرات التي يمر بها المجتمع فاننا - نحن الفلسطينيون- وفقا لنخلة قد "حددنا الأهداف تحت سقف عملية أوسلو وبقبول ضوابطها الناظمة، وسعينا لتوفير دعم خارجي لتنفيذ هذه العملية، وقبلنا بمحدداته، وإستدخلنا إطار أوسلو وتعريفاته المتضمنة فيه، لمن هو الفلسطيني، وما هي فلسطين" . الامر الذي يدفعنا بناء على هذه القراءة وهذا الفهم الى " أن نعمل لإعادة الهندسة الفكرية الثقافية من خلال إستحداث دروس تركز على تعريف من هو "الإنسان الفلسطيني" الذي يتكلم عنه المنهاج، والتركيز على أن "الفلسطيني" المقيم اليوم في الضفة الغربية، وبضمنها القدس، وقطاع غزة هو جزء ضئيل من كلية "الشعب الفلسطيني" المتواجد في داخل إسرائيل وفي المهاجر، وتحديد علاقة الفلسطيني تحت الإحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة (1967) مع الفلسطيني "الآخر" في الجزء المحتل 1948، وأماكن اللجوء، وأهمية وكيفية تنمية هذه العلاقة، وتحديد طبيعة الأسس القاعدية لهذه العلاقة، إلخ. وتحديد علاقة الإنسان الفلسطيني مع "الآخر" الصهيوني- الإسرائيلي.
ان هذا الحفر ـالذي يدعو اليه "نخلة" يستدعي من ضمن ما يستدعي "ضرورة عرض وتحليل إتفاقيات أوسلو ونتائجها، وإسقاطاتها على تعريف "الإنسان الفلسطيني" و"الوطن الفلسطيني" في المرحلة الراهنة. وإستحداث دروس تركز على مفهوم "تنمية" المجتمع الفلسطيني تحت الإحتلال والمعتمدة كليا على الدعم المالي الخارجي، ولماذا لا يحصل، وعلاقة التربية التحررية بالتنمية التحررية، وتأثير ذلك على القيم المجتمعية والأخلاق، والتكافل الإجتماعي، والعمل التطوعي، وعلاقة ذلك مع تطوير الموارد الذاتية، خاصة في الإنتاج الزراعي والغذائي والصناعي، إلخ.
يخلص " نخلة " بعد هذه الاسئلة التي تحفر وتحفز في ذات الحين الى انه "لا يمكن تحرير المكان دون تحرير الوعي والعقل والفكر، بشكل عام، وفي الحالة الإستعمارية التي نخضع تحتها، بشكل خاص، فانه لا بد ان نناقش ونوضح رؤيتنا لتحرير المكان ورؤيتنا لتحرير العقل والفكر؟ ودور الفعل التربوي في توضيح هذه الرؤى؟
اما الدكتور عبد الرحيم الشيخ، رئيس دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت، فقد دعا في مداخلة له بعنوان: "نزع القداسة وآفاق الانعتاق: موقع القدس في التنمية الثقافية الفلسطينية" إلى ضرورة تحرير العقل الفلسطيني من الانزلاق في دوامات الصراع الديني حول القدس، مؤكداً أن الصراع على القدس، كجزء من فلسطين الميثاقية (التاريخية)، هو صراع بين الحركة الوطنية الفلسطينية والقومية العربية وما ناصرهما من حركات التحرر العالمي ضد الحركة الصهيونية التي أنتجت بدورها دولة الاستعمار الاستيطاني (إسرائيل) عبر تحالف تاريخي مع حركات الاستعمار الغربي الممركزة أوروبياً.
ومساهمة في حل جدلية تحرير العقل والمكان الفلسطينيين نحو أفق الانعتاق، أكد "الشيخ" على ضرورة إعادة مفهمة طبيعة الصراع بين الحركة الوطنية الفلسطينية والحركة الاستعمارية الصهيونية ابتداءً من مظلمة "النكبة الفلسطينية المستمرة منذ العام 1948" لا مع الاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1967 فحسب، وذلك للحيلولة دون "صهينة حل المسألة الفلسطينية" بعد أن تمَّت صهينة طبيعتها. وحتى يتم ذلك، فمن وجهة نظر "الشيخ" ، لا بد من إعادة مفهمة التنمية ضمن خصوصية الشرط الاستعماري الفلسطيني بكل مكوناتها: الجغرافية، والديمغرافية، والثقافية كما حددها الميثاق الوطني الفلسطيني في العام 1968 وبشكل يضمن تصحيح الخطأ التاريخي والخطيئة الإنسانية التي ألمت بالفلسطينيين جرَّاء نكبة العام 1948 (كسر الحداثة الفلسطينية باحتلال فلسطين، والحيلولة دون إقامة الدولة، وتشريد ثلثي الشعب) وذلك بإقامة الدولة، وتحقيق العودة، وتقرير المصير.
وبعد استعراض تاريخي لتحوُّلات الحركة الوطنية الفلسطينية، بكل أشكالها السياسية والعسكرية والمدنية، وخاصة بين لحظة العام 1974 وإقامة السلطة الفلسطينية في العام 1994، التي نشأ عنها التنازل عن كثير من الحقوق السياسية الفلسطينية و"تحويل القضية الفلسطينية إلى مجاز" وحضور فني وإنساني في السياقات العالمية... أكد "الشيخ" على أن ثقافة المقاومة (بكافة أشكالها) هي شرط أساس ليس للتنمية الميثاقية فحسب، بل وعملية الانعتاق على مستوى الأرض والإنسان والحكاية التاريخية للفلسطينيين. وفي هذا السياق، استعرض "الشيخ" ثلاثة نماذج للمقاومة جرَّبها الفلسطينيون، ولا يزالون، في مقاومة دولة الاستعمار الاستيطاني (إسرائيل) تم استقاؤها من الإطار الميثاقي (الذي يضمن أن تكون المقاومة الصحيحة بثقافة صحيحة)، وهي نموذج المقاومة المسلحة، ونموذج المقاومة الثقافية، ونموذج المقاومة الشعبية والعالمية.
وقد أكد "الشيخ" على أن التكامل بين هذه الخيارات، وعدم استبعاد أي منها، من شأنه استثمار كافة طاقات الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وحركات التحرر العالمي في مواجهة دولة الاستعمار الاستيطاني (إسرائيل)، لأن هذه الأشكال للمقاومة، مجتمعة، من شأنها أن تبرز وتعزز أهم المبررات الأخلاقية والقانونية التي تستخدمها حملات مقاومة التطبيع مع إسرائيل ومقاطعتها على المستوى المحلي والعربي والعالمي، وهي: رفض إسرائيل الاعتراف بالمسؤولية عن نكبة الفلسطينيين في العام 1948، وما شملته من تطهير عرقي خلق قضية اللاجئين الفلسطينيين، وإنكارها للحقوق المكفولة للاجئين في القانون الدولي، وأهمها حق العودة-أي حقوق الفلسطينيين في الشتات خارج أرض فلسطين التاريخية؛ تواصل الاحتلال العسكري للأراضي الفلسطينية-أي حقوق الفلسطينيين القاطنين في أراضي فلسطين المحتلة في العام 1967؛ استمرار التمييز العنصري الشامل ضد فلسطينيي فلسطين المحتلة في العام 1948 والتفرقة العنصرية الناجمة عنه، على نحو يداني نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا- أي حقوق الفلسطينيين القاطنين، كسكان أصليين، في أراضي فلسطين المحتلة في العام 1948. وقد ختم الشيخ مداخلته باستنتاج عام، هو: "إن أية مقاومة لا تسند إلى الثقافة الميثاقية، ولا تعزز التنمية الميثاقية، ستكون تنمية للكساد السياسي الذي يجتاح القضية الفلسطينية والذي أصاب مشاريع الحركة الوطنية الفلسطينية منذ العام 1974، وتعمق منذ اتفاقية أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية في العام 1994. وعليه، فإن أية تنمية فلسطينية مستقبلية يجب ان تستند الى خيارات المقاومة التي تُعد بحق "أنسنة للتاريخ" من باب إتاحة المجال أمام الفلسطينيين لممارسة إنسانيتهم عبر خياراتهم المشروعة لأشكال المقاومة التي تمكنهم من الدفاع عن هذه الإنسانية."
· قام بتسيير الندوة : خالد الغول - منسق المشاريع في مركز يبوس الثقافي.

