سكة حديد الحجاز ذلك التاريخ المنسي

  • 19 آيار 2018
  • مقابلة خاصة

 

 

القدس - أخبار البلد ـ  لا زال عالق بذهني ذلك الحوار مع القنصل التركي  العام في القدس قبل سنوات طويله , عندما قال ان حلمه ان يوثق قصة سكة الحديد او ما يعرف بخط الحجاز لاهمية هذه القصة التي لم تحظى باي اهتمام عربي، ولكنها كانت هدفا من قبل الدول الاستعمارية التي مزقت الشرق العربي الا وهي بريطانيا وفرنسا ، لدرجة ان العميل البريطاني الاشهر لورنس العرب كان قد اعلن مكافأة دهبية لكل اعرابي يحضر قطعة من سكة حديد الحجاز 

 هذه القصة وبعد سنوات طويلة نشرت عنها بالتفاصيل صحيفة ” الاخبار ” اللبنانية ونقوم في ” أخبار البلد ” باعادة نشرها على امل ان يتحقق حلم ذلك القنصل التركي الرائع ك

حدث قبل قرن من اليوم، أن التنقل بين الدول العربية لم يكن في حاجة الى تأشيرة دخول.  الأجزاء المتبقية من «الخط الحجازي»، أحد أكبر المشاريع العملاقة في زمنه، لا تزال شاهدة على حلم ربط الدول العربية وانسيابية حركة الناس والبضائع في ما بينها. 

عُدّ إنشاء خط سكة الحجاز الركيزة الأساسية للمشروع النهضوي الحميدي المعروف بـ«الجامعة الاسلامية» الذي أطلقه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وهو ما أكّده الأخير في مذكراته بالقول: «أخيراً تحقق الخط الحجازي؛ ذلك الحلم الذي طالما راود مخيلتي. فذلك الخط الحديدي لم يكن فقط مصدراً اقتصادياً للدولة العثمانية، بل كان في الآن ذاته يمثل مصدراً بالغ الأهمية من الناحية العسكرية».

السبب المعلن لقيام الخط، أساساً، كان دينياً. إذ اعتمد في مساره طريق الحج البري من دمشق عبر مدينة درعا وصولاً إلى المدينة المنورة مما سهّل على الحجاج في كل من الشام وآسيا والأناضول قطع المسافة إلى المدينة المنورة في خمسة أيام فقط بدلاً من أربعين يوماً. وإضافة الى أهميته الاقتصادية في تسهيل التجارة بين مناطق السلطنة، بيّنت أحداث الحرب العالمية الأولى الطبيعة السياسية والاستراتيجية لهذا المشروع العملاق في «التصدّي للمطامع الاستعمارية الفرنسية في المغرب وتونس من جهة، والبريطانية في مصر من جهة ثانية»، بحسب الأستاذ في التاريخ العثماني عبد الرحيم أبو الحسين. وبالفعل، ظهرت أهمية الخط وخطورته العسكرية على بريطانيا، خلال الحرب، عندما مثّل عاملاً مهمًا في ثبات العثمانيين نحو عامين في وجه القوات البريطانية المتفوقة في جنوب سوريا.
أدركت القوى الاستعمارية، مبكّراً، الأهمية الاستراتيجية لهذا الخط. فشنّت الصحف الفرنسية والبريطانية حملة ضد المشروع واتهمت السلطان عبد الحميد بالجنون بسبب الكلفة الباهظة لإنشاء الخط وصعوبة تنفيذه. وفي الواقع، كان خط الحجاز من أكبر المشاريع الاستثمارية في الدولة العثمانية وأول مشروع في العالم ربما يُموّل جماهيرياً. إذ قُدّرت كلفته قبل بدء العمل بنحو أربعة ملايين ليرة عثمانية (حوالى 570 كيلوغراماً من الذهب)، فخصّصت السلطنة 18% من ميزانيتها لإنشائه. ولكن سرعان ما تبيّن أن الكلفة قد تتجاوز ثمانية ملايين ليرة عثمانية. لذلك كانت هناك حاجة لإيجاد مصدر آخر لتمويل المشروع. لم يرد السلطان عبد الحميد إغراق دولته في الديون عبر الاعتماد على قروض خارجية، على خلاف مشروعي سكة حديد الأناضول وسكة حديد بغداد اللتين ساهمت دول أجنبية في تمويلهما.

لذلك، وجّه نداءً إلى العالم الإسلامي للتبرع للمشروع، وتبرع من جيبه الخاص بـ 320 ألف ليرة عثمانية، فيما تبرع شاه إيران بخمسين ألف ليرة عثمانية، وخديوي مصر بمواد عينية للبناء. وأصدرت الدولة العثمانية طوابع يعود ريعها لمصلحة المشروع، وفرضت ضريبة خمسة قروش على كل شخص ذكر، واقتطعت 10% من مرتبات موظفي الدولة، وفرضت التبرع براتب شهر كامل على كل الموظفين... حتى غطت التبرعات ثلثي تكاليف المشروع. ويوضح أبو الحسين: «أراد السلطان ان يقوم المشروع بجهد اسلامي بحت، وتلبية لندائه أتت تبرعات كبيرة من ولاة وملوك ووزراء وشعوب مصر والمغرب الهند وجنوب افريقيا وتتارستان وايران، ومن كل الطوائف: المسلمين والمسيحيين والأرمن والسريان واليهود، بمن فيهم مؤسس الحركة الصيونية ثيودور هيرتزل. لكن السفارة العثمانية في فيينا ردّت تبرعه، وحرصت أن يكتب اقرارًا بأنه استرجع أمواله». 

بوشر بالعمل في بناء خط سكة حديد الحجاز سنة 1900، وبُنيت من أجله آلاف الجسور والبحيرات والتجمّعات الصناعية وخزانات المياه في المناطق التي يمرّ بها، مما انعكس انتعاشاً في قطاعي الاقتصاد والسياحة في المناطق التي أنشئت فيها المحطات التي كانت تبعد كلّ منها عن الأخرى نحو 30 كلم. وكان الخط ينطلق من دمشق، ويتفرع في بصرى جنوب سوريا إلى خطين: أحدهما يصل يمر بكل من المفرق والزرقاء وعمّان ومعان في الأردن ويكمل سيره جنوباً إلى أن يدخل أراضي الحجاز حيث ينتهي في المدينة المنورة؛ والآخر يتجه غرباً نحو فلسطين، وأهم محطاته نابلس وحيفا وعكا، ويتفرع من حيفا خط يربطها بمصر. وامتدت الخطوط الفرعية للسكة بين بيروت ودمشق وحمص والقدس إضافة إلى خطي رياق وحلب. وكان في خطة المشروع الحجازي أن يمتد من المدينة المنورة إلى مكة ومنها إلى ميناء جدة على البحر الأحمر، ما يزيد من أهميته التجارية، إلا أن ذلك لم يتحقق.


أشرف على العمل في المشروع 34 مهندسًا، بينهم 17 من رعايا السلطنة والبقية من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا وبلجيكا واليونان، برئاسة المهندس الألماني هنريخ مايسنر الذي استبدل بمهندس مسلم لدى بدء العمل في الأماكن المقدسة. وقُدّر عدد العاملين في الخط بحوالي ستة آلاف، معظمهم من أفراد الجيش العثماني.
استمرت سكة حديد الحجاز تعمل بين دمشق والمدينة المنورة تسع سنوات تقريباً، ووصل عدد الحجاج الذين نقلهم سنة 1914 الى 300 ألف. وساهم في النهضة التجارية والاقتصادية للحجاز وكافة المدن الواقعة على امتداد الخط، ومنها حيفا التي أصبحت ميناءً ومدينة تجارية هامة، كما ساهم في استقرار بعض القبائل البدوية حيث ظهرت مجتمعات عمرانية على جانبي الخط، واشتغل عدد منهم في الزراعة. استمر عمل الخط إلى أن تأثرت السكة خلال الحرب العالمية الأولى وتم تدمير عدة أجزاء منها. ويلفت أبو الحسين الى أن «البريطانيين اعتبروا السكة هدفاً عسكرياً أثناء الحرب، فاعتدوا على أجزاء منها. كما قاد لورنس العرب حرباً ضد القطار الحجازي عام 1917 مكافئاً بالذهب من يأتيه بقطع من حديد السكة». 
اليوم، لا تزال أجزاء من محطة الحجاز (في لبنان والاردن والحجاز...) صامدة، تبكي على انجاز تحقق في القرن التاسع عشر، وتسخر من زحمتنا وعجزنا في القرن الواحد والعشرين.