حكاية الطربوش في فلسطين

  • 2 حزيران 2016
  • حكايات مقدسية

 

 

نشر الصحفي  هيثم الشريف  تقرير مطولا  عن حكاية الطربوش  في فلسطين في موقع رصيف ٢٢ وتقوم اخبار البلد باعادة نشر التقرير لاهمية في تاريخ البلد .

اندثر اعتمار الطربوش في فلسطين منذ عدة عقود، لكن ما زلنا نراه في بعض الحالات النادرة على رؤوس بعض كبار السن، في أزقة  المدن الفلسطينية. بحثنا عمن لا يزالون يعتمرونه، ويتمسكون به لليوم، ووصلنا لعدد من المسنين الذين يعتمرونه بشكل دائم، دون ان يرتبط ذلك بمهنة.

أبرز معتمري الطربوش على الإطلاق في فلسطين، الشيخ محمد رشاد الشريف (91 عاماً) من الخليل، أحد مشاهير قراء القرآن الكريم في العالم الإسلامي. فهو مقرىء المسجد الأقصى المبارك في القدس والحرم الابراهيمي الشريف في الخليل، وانتقل للعيش في الأردن منذ عام 2002. يقول الشريف: "اعتمرت الطربوش منذ عام 1943، كان عمري آنذاك 18 سنة، ومنذ ذلك الحين وأنا ارتديه، ولم أفكر في استبداله بالحطة أو غيرها، لأنني أراه أجمل ما يوضع على الرأس، خصوصاً أنه يذكرني بالسلطان عبدالحميد الثاني”.

ويضيف: "كان الطربوش سائداً في أوائل القرن الماضي، ولم يقتصر لبسه على أحد، كان الجميع يعتمرونه. لكن مع بداية الثورة الفلسطينية طلب من الناس استبداله بالحطة خشية التعرف إليهم، بعدها ضعف الإقبال عليه بسبب سعره الغالي. وأذكر أن البعض من الخليل ونابلس استمروا باعتماره حتى الثمانينات، لكنه بدأ يتلاشى شيئاً فشيئاً مع وفاة كل واحد منهم". 

أصل الطربوش 

كلمة الطربوش مشتقة من كلمتي "سر" و"بوش". سر، تعني الرأس، وبوش تعني الغطاء. ومع الزمن تَحرّفت عند العرب وأصبحت طربوش. وهو مصنّع من الجوخ الأحمر السميك، ومصمم بشكل مخروطي، محشو بالقش لتهوية الرأس عند ارتدائه، وتتدلى من سطح جانبه الخلفي حزمة من الخيوط الحريرية السوداء التي تسمى "الخوصة، الشرابة، الشراشيب". ولكل رأس قالب خاص، يراوح بين 25-75 سم بحسب مقاس الرأس. اخذ الطربوش (الذي يمثل الجيل الكلاسيكي) احترامه من احترام الرجل الذي يعتمره، واعتاد الناس في زمن الدولة العثمانية عدم خلعه في المجالس الرسمية، ودور الحكومات وداخل البيوت. فتباهى أصحاب الشأن بلبسه، على اعتباره رمزاً للجاه والهيبة، أو المكانة الاجتماعية أو الدينية أو السياسة، وحتى الثقافية.ومن الذين تأثروا بهيئة الشيخ الشريف، محمود محمد داود دنديس (62 عاماً)، الذي اعتمر الطربوش منذ ربع قرن. يقول: "كان يصلي فينا الشيخ محمد رشاد الشريف بمسجد الزاهد بمنطقة عين القرنة، وأحببت هيئة الطربوش على رأسه ورغبت في تقليده، فاعتمرت الطربوش السياحي أولاً". ويضيف: "أشعر اليوم بارتياح وثقة أكبر بالنفس وأنا ألبسه، وإذا خرجت من المنزل من دون لبسه أشعر أن هناك ما ينقصني”.آخرون من الخليل، استهواهم الطربوش وارتدوه بحب قبل 10 سنوات فقط، مثل سليمان ناجي القصراوي (66 عاماً)، الذي يقول: "ألبس الطربوش الذي أحضره لي أحد الأصدقاء من المغرب هدية منذ 10 سنوات، في بداية الأمر استغرب الناس ذلك، لكنني مقتنع به وأحب ارتداءه، لأنه يعيدنا لذكريات الأجداد الذين اعتمروه قبل الحطة الفلسطينية الرائجة”.

أشهر من اعتمروا الطربوش إلى الآن في نابلس، الشيخ محمد علي الدردوك (82 عاماً)، يقول لرصيف22: "منذ عام1967 أعتمر الطربوش الذي كنت أشتريه من سوق المغاربة في الشام، وكان سعره آنذاك يعادل 15 دولاراً أمريكياً. وكان من أهم الهدايا التي أقدمها لمعارفي في تلك الحقبة، وتراجع اعتماره بعد عام 1967 حين بدأ الناس يلبسون البنطال، ما قلّل برأيي من هيبة الناس. وليس هنالك اليوم أكثر من 4-5 أشخاص يعتمرون الطربوش في نابلس بشكل دائم”.

وفي القدس، يعتمر الستيني رشيد ابراهيم السمان الطربوش منذ أن كان عمره 13 سنة. ورثه عن والده وجده قبل عام 1967، يقول إن اعتمار الطرابيش كان مزدهراً وكان يُعتبر من يعتمره من كبار القوم.وصلنا إلى أحد مصنعي ومروجي الطرابيش في فترة زمنية متقدمة نسبياً (ثمانينيات القرن الماضي)، والتقينا مازن الشنار (60 عاماً)، من نابلس الذي قال: "في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، كان في شارع النصر محالّ ُتصنع الطرابيش بالطريقة القديمة المعتمدة على استخدام القش، الذي يصنع منه الهيكل الداخلي للطربوش، ثم إلباسه على طناجر نحاسية لإعطاء الشكل الخارجي للطربوش. ثم، من خلال قوالب خاصة، كانوا يغطونه بالقماش المختلف الأحجام". ويضيف: "كان ارتفاع الطرابيش يراوح بين 12 -17سم، وكبار الحارات كانوا يعتمرون الطرابيش التي يبلغ متوسط ارتفاعها 15 سم، بينما شيوخ الطرق الصوفية والزوايا كانوا يعتمرون الطربوش المغربي القصير غالباً، أما كبار الشيوخ او القضاة فكانوا يعتمرون الطربوش الأطول، وكان يرمز للوقار والحكمة. لكن منذ عام 1936 بدأ الثوار يستبدلون الطربوش بالحطة الفلسطينية شيئاً فشيئاً كي لا يتم اكتشافهم، فانخفض عدد من يعتمرونه، إلى أن وصل لأدنى مستوياته في ستينيات القرن الماضي”

ويتابع: "قمت عام 1987 بفتح محل في شارع النصر لتصنيع وبيع الطرابيش، في محاولة لإحياء هذه الصناعة. لكنني استبدلت مهنة تصنيع وبيع الطرابيش مطلع عام 2000، لندرة من يعتمرونها أو من يقبلون على شراء الطرابيش المصنعة محلياً". فقد راجت الطرابيش السياحية المستوردة من الصين، التي لا يزيد سعرها عن الـ3 دولارات، في حين الطرابيش الأصلية التي لا تزال تُصنع حالياً في مصر أو الشام أو المغرب، تصل أسعار بعضها إلى 70 دولاراً أمريكياً.

وتناول المؤرخ التاريخي بشير بركات في كتاب صناعة الملابس في القدس، وعرض خلال أحد فصوله الأقمشة الصوفية، وركز على صناعة الطرابيش في فلسطين. يقول: "أطلق لفظ جوخ على النسيج الصوفي لتميزه عن النسيج القطني. وبدأت صناعة الجوخ المُلبد منذ نحو 8 آلاف عام في الأناضول، إذ استخدم في صناعة الطرابيش. ويعتقد أن لبسه ابتدع في النمسا أو اليونان، ثم انتقل إلى الدولة العثمانية أوائل القرن التاسع عشر. فأصبح من أهم علامات الرجولة والرقي الاجتماعي، لذا انتشرت دكاكين صناعة الطرابيش في بلاد الشام، حتى وصل عددها في دمشق إلى 400 دكان"