- 27 نيسان 2020
- مقدسيات
القدس – أخبار البلد – كتب سعيد الغزالي - في شقة صغيرة في الطابق الثالث في احدى البنايات السكنية في حي بيت حنينا، شمال مدينة القدس، استخدمت معلمة اللغة العربية عبير ٤١ عاما، جهاز كمبيوتر شخصي، وضعته فوق منضدة خشبية، في غرفة الصالون، وبرامج انترنيت للتواصل مع طلابها الجالسين في بيوتهم في أحياء المدينة، وزودتهم بمادة بصرية.
ظهرت على شاشة الحاسوب صورة الشاعر المصري الذائع الصيت حافظ إبراهيم، معتمرا طربوشا أحمر، وتحتها سُجل اسمه وتاريخ مولده ووفاته، كانت السنون قد حفرت أخاديدها على وجهه، وظهر جزء من شعره الأشيب، وسمع الطلاب صوته، وهو يقرأ قصيدته المشهورة "لمصر أم لبلاد الشام تنتسب".
وظفت المعلمة اللغة والصوت واللون والشكل والرسم والصورة لشرح القصيدة، فأثارت خيال الطلبة وأمتعتهم بالمشاهد البصرية، ومنحتهم فرصة للإبداع، ومكنتهم بالتالي من تسجيل خريطة ذهنية للدرس في أدمغتهم مما يسهل عليهم حفظها واستعادتها في أي وقت.
تمتعت بمشاهدة هذا الدرس البصري، وشرد ذهني إلى يوم الأمس البعيد، عندما تعلمنا هذه القصيدة في المعهد العربي في أبوديس في سنوات السبعينات، كنا نقرأ القصيدة من الكتاب المدرسي، ومدرس اللغة العربية ياسر الملاح يقف أمام السبورة ويشرح كلماتها، بحماسة، ويطلب منا حفظ ألفاظها. كان التعليم يتطلب منا ذكاءً لفظيا.
تقوم المعلمة عبير بتحضير المواد المصورة وتنسيقها، باستخدام برامج تكنولوجية، توفرها عادة وزارة التربية والتعليم، ولكنها تواجه عائق خدمات الانترنيت السيئة، فتضطر إلى إعادة التشغيل والاتصال وجمع الطلبة من جديد. وتقول عبير: "إن هذا الأسلوب ليس دائما ناجعا مع جميع الطلبة، هناك دروس تحلق فيها المعلمة، ويستمتع الطلاب، ويعبرون عن متعتهم بردود فعل إيجابية، وآخرون لا يستطيعون التفاعل مع الدرس. أحس أحيانا أنني في واد وهم في واد آخر. وأفقد التواصل معهم، ولا أعرف إن كانوا يسمعونني أو لا يسمعون؟ وهل يقومون بتنفيذ المهام أو لا يقومون".
يحدث ذلك لأن التعليم البصري لا يزال في بداياته في بلادنا، ولم يتسع مداه، وتحد صعوبة استخدام البرامج التكنولوجية من انتشاره وتعميمه، ويحتاج الكثير من المعلمين إلى دورات تأهيلية منتظمة تمكنهم من التعامل مع التكنولوجيا الحديثة. ولم يتمرن معظم الطلاب على التفكير البصري منذ طفولتهم حتى يتمكنوا من قراءة الكلمات والجمل والأفكار وكأنها سلسلة مترابطة من الصور. وفي دول كثيرة في العالم، لم يعد التعليم البصري مقتصرا على المخططات والتصاميم التكنولوجية والرياضيات والهندسة والفيزياء بل أصبح مشتملا على كافة موضوعات العلوم الانسانية.
بدأ استخدام المواد المرئية في التدريس في بعض الجامعات قبل المدارس، واستخدمته بصورة جزئية بعض المدارس الخاصة. ولم يكن استعمال الوسائل السمعية والبصرية بدعة حديثة العهد بل جرى استخدام هذه الوسائل أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، وبدأ يتعزز هذا الاستخدام بعد تفشي جائحة فيروس كوفيد-١٩
في شهر يناير الماضي، وتحت ضغط الخوف الشديد من استفحال تفشي الجائحة وأثارها السلبية البعيدة الأثر من جراء انقطاع نحو ملياري طفل وشاب عن التعليم في أكثر من ١٦١ بلدا، بادرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، أو ما يعرف اختصارا بـ (اليونسكو)، بالدعوة إلى التعليم المصور عن بعد، وترافقت الدعوة الأممية مع مبادرات محلية وفردية لتصميم دروس مصورة في كثير من البلدان.
إضافة إلى عشرات المعلمين والمعلمات من مدينة القدس الذين يتأقلمون يوما بعد يوم مع أنماط التعليم البصري الإبداعي، يخوض المدرس نبيل عقيلان من مدرسة شعفاط التكنولوجية للبنات تجربة التعليم البصري المحوسب بإعطاء دروس محوسبة لنحو ٨٠ طالبة، مستخدما عدة مواقع انترنيت فيرسل الروابط للطالبات ويحصل على إجاباتهن. يقول عقيلان: "في البداية، لم تستوعب الطالبات ما يجري، وكانت هناك انسحابات من الغرف الصفية، وبعد أيام قليلة، بدأن يتأقلمن مع التعليم المحوسب، هناك استجابة مقبولة. ونحن بدورنا، لا نريد أن نرهقهن بالوظائف، يكفي أن تنفق الطالبة من وقتها نصف ساعة في حل الوظيفة، ولا نريدها أن تنفق ثلاث أو أربع ساعات".
يضيف عقيلان: "نحن ما زلنا في البداية، ولا يمكننا تقييم هذه التجربة. في الوقت ذاته، أطلب من أولياء الأمور ان يقوموا بشراء أجهزة حاسوب ذات شاشات كبيرة لتمكين أبنائهم وبناتهم من التعامل المريح أثناء تلقيهم الدروس في المجموعات الصفية الإلكترونية. الحواسيب أفضل وأسهل استخداما من الهواتف النقالة". يضيف عقيلان: " أطمئن، الأهالي أن عددا لا بأس به من المدرسين أصبحوا يمتلكون الخبرة اللازمة في التعامل مع التكنولوجيا، وقد تم تأهيلهم من خلال دورات سابقة وأن التعليم المحوسب والبصري ليس جديدا بل إننا مارسناه في السابق، من خلال الوظائف الرقمية، لا أنكر أن بعض الطلبة يفضلون أن يروا المعلم أمامهم وهو يشرح الدرس، ولكن، العالم يتغير وعلينا أن نتغير أيضا".
في السياق ذاته، أصبح التعليم المحوسب متاحا جزئيا لبعض الطلبة في عدد من المدارس في الضفة الغربية، وقطاع غزة، وتابع هؤلاء الطلبة دروسهم اليومية عبر موقع فيسبوك، إثر مبادرة من بعض المدرسين لتقديم حصص دراسية مصورة خلال العطلة الاجبارية التي دخلت بها المدارس الفلسطينية.
ويجيب المعلمون على الأسئلة والاستفسارات هاتفيا أو عبر الانترنيت. واستخدم بعض المعلمين أسلوب التعليم باللعب لتدريس مجموعات من الطلبة في المرحلة التأسيسية عبر منصات التواصل الإلكترونية. وذكرت مصادر في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية أن الوزارة تتجه إلى دراسة تعميم التعليم المحوسب، بالاستفادة من الوسائل التقنية الحديثة. وأعلنت عدة مديريات في محافظات الضفة الغربية أنها تضع الخطط لتصميم حصص الكترونية في مراكز الحاسوب المنتشرة في مدارسها.
ويرى بعض المربين ومدراء المدارس أن جائحة فيروس كيوبيد-١٩ قد توفر فرصة ذهبية للمسئولين التنفيذيين في الوزارة وللمدرسين والطلبة لزيادة نسبة الاعتماد على التدريس البصري في المناهج المدرسية حتى بعد انحسار الفيروس أو القضاء عليه.
فقد أحس الأهالي بالثمار الطيبة التي يجنيها التلاميذ من استخدام التعليم البصري الإبداعي، وشكلت هذه الأنماط الحداثية نقلة ثورية، وأدخلت الجهاز التعليمي برمته إلى عصر الحداثة والتقدم، باستخدام الحاسوب، والهاتف الذكي والرسم التوضيحي، والبرامج التطبيقية المنوعة، واللوح التفاعلي، مما يزيد من ثقافة الطالب البصرية ويعزز قدراته الذاتية على التعلم والابداع.

