• 28 تموز 2026
  • مقدسيات

 

 

القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة:

 

في القدس، لا تحمل المرأة الفلسطينية هموم أسرتها وحدها، بل تحمل في قلبها هم مدينة بأكملها. تستيقظ كل صباح على إيقاع التحديات، وتمضي في تفاصيل يومها وهي تنسج من الصبر قوة، ومن الأمل طريقا للحياة. وبين ضيق الواقع واتساع المسؤولية، تغدو الحارس الصامت للبيت، والسند لأبنائها، والذاكرة الحية التي تحفظ هوية المكان، والإرادة التي ترفض الانكسارمهما اشتدت المحن.

ولا تقاس معاناة المرأة المقدسية بما تواجهه من أعباء اقتصادية واجتماعية فحسب، بل بما تتحمله من ضغوط متواصلة تهدد استقرار الأسرة ومستقبل الأبناء. ومع ذلك، تواصل أداء رسالتها بإيمان عميق بأن البقاء في القدس ليس مجرد إقامة، بل هو انتماء وصمود وحماية للهوية. ومن هذا المنطلق، لم يعد تمكينها مجرد هدف تنموي، بل أصبح واجبا وطنيا وأخلاقيا، واستثمارا في الإنسان وفي مستقبل مدينة ما تزال تنبض بالحياة رغم كل ما يحيط بها.

ويأتي التمكين الاقتصادي في مقدمة الأدوات القادرة على تحويل الإرادة إلى إنجاز. فحين تتاح للمرأة فرصة العمل والإنتاج، وحين تجد من يؤمن بقدراتها ويدعم مشروعها، فإنها لا تحقق دخلا فحسب، بل تستعيد ثقتها بنفسها، وتطلق طاقاتها الكامنة، وتفتح أمامها آفاقا جديدة نحو الاستقلال والكرامة. كما يسهم دعم المشاريع المنزلية والصغيرة، وتوفير التمويل الميسر، والتدريب المهني، والتأهيل في مجالات الإدارة والتسويق والاقتصاد الرقمي، في تعزيز قدرتها على بناء مستقبل أكثر استقرارا لها ولأسرتها.

ولأن المرأة هي الركيزة الأساسية للأسرة، فإن نجاحها ينعكس على المجتمع بأسره. فكل مشروع ينجح، وكل مهارة تكتسبها، وكل فرصة عمل تحصل عليها، تتحول إلى استقرار للأسرة، وتعليم أفضل للأبناء، وأمل يتجدد في نفوس أفراد المجتمع. فهي لا تبني مشروعا اقتصاديا فحسب، بل تسهم في بناء أسرة أكثر تماسكا، وترسخ في أبنائها قيم العمل والاجتهاد والثقة بالمستقبل.

غير أن التمكين الاقتصادي، على أهميته، لا يكتمل من دون منظومة متماسكة للحماية الاجتماعية. فالمرأة المقدسية بحاجة إلى بيئة تشعرها بالأمان، وإلى مؤسسات تصغي إليها عندما تثقلها الأعباء، وتساندها عندما تواجه الأزمات. ومن هنا تبرز أهمية توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، والإرشاد الأسري، والاستشارات القانونية، والتوعية بالحقوق، بما يعزز كرامتها، ويقوي قدرتها على تجاوز الصعوبات، ويمنحها شعورا بأنها ليست وحدها في مواجهة تحديات الحياة.

ولا يقل التعليم والتدريب أهمية عن سائر أدوات التمكين، فكل معرفة جديدة توسع آفاق المرأة، وكل مهارة تكتسبها تزيد من قدرتها على الإبداع والمنافسة. كما أصبح تطوير المهارات الرقمية وريادة الأعمال والابتكار من أبرز مفاتيح الاستقلال الاقتصادي، بما يتيح للمرأة المقدسية مواكبة التحولات المتسارعة، والوصول إلى فرص أوسع داخل القدس وخارجها.

ويتطلب نجاح هذه الرؤية تكاتف جميع الجهات المعنية، من مؤسسات رسمية وأهلية، وقطاع خاص، وشركاء داعمين، لبناء شراكات مستدامة تضع المرأة في صميم عملية التنمية. كما أن تعزيز مشاركتها في العمل المجتمعي والتطوعي، وتوسيع حضورها في الهيئات المحلية ومؤسسات المجتمع المدني، يمنحها دورا أكبر في صنع القرار، والدفاع عن حقوق مجتمعها، وصون الهوية العربية الإسلامية والمسيحية لمدينة القدس، بما تمثله من إرث حضاري وإنساني جامع.

وفي النهاية، فإن تمكين المرأة في القدس ليس مشروعا اقتصاديا عابرا، ولا برنامجا اجتماعيا محدود الأثر، بل هو وفاء لمدينة تستحق الحياة، وتقدير لنساء يحملن القدس في وجدانهن كما يحملن أبناءهن في قلوبهن. فكل امرأة تتمسك بالبقاء، وتواصل العطاء رغم المشقة، وتربي جيلا مؤمنا بهويته وانتمائه، تضيف لبنة جديدة إلى صرح الصمود. لذلك، فإن الاستثمار في المرأة المقدسية هو استثمار في مستقبل القدس، وفي قدرتها على أن تبقى مدينة للحياة والكرامة والأمل، مهما اشتدت التحديات وتعاظمت الصعاب.