• 24 أيلول 2026
  • مقدسيات

القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة:

 

عندما تابعت كلمة جلالة الملك عبد الله الثاني في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم اشعر انني امام خطاب سياسي عابر، بل امام كلمة تحمل في مضمونها وجع المنطقة، وخصوصا وجع القدس وفلسطين، وتضع المجتمع الدولي امام مسؤولياته الاخلاقية والقانونية والسياسية.

من القدس، تبدو كلمات القادة في المحافل الدولية مختلفة. فنحن لا نقرأ القضية الفلسطينية من خلال البيانات والارقام فقط، بل نعيش نتائجها في تفاصيل حياتنا اليومية. نرى الحواجز، ونشعر بتغير حركة الناس، ونراقب تراجع الحياة الطبيعية في المدينة، ونعرف كيف يمكن لقرار سياسي بعيد ان يترك اثرا مباشرا على انسان يعيش هنا.

وكان لافتا في كلمة جلالة الملك عبد الله الثاني الهاشمي العربي انه لم يتحدث عن الازمة باعتبارها شأنا اقليميا يمكن تأجيله، بل وضعها في إطار سؤال أكبر يتعلق بقدرة المجتمع الدولي على حماية القانون الدولي ومنع استمرار الظلم. وعندما يطرح الملك سؤالا من قبيل هل سنتحرك؟، فان السؤال لا يتوجه الى طرف واحد، بل الى ضمير العالم كله.

ومن منظور مقدسي معايش، لهذه الكلمات اهمية خاصة. فالقدس ليست مجرد عنوان في الخطابات الدولية، ولا مجرد ملف ديني او سياسي على طاولة المفاوضات، بل مدينة يعيش فيها الناس، وتتجاور فيها المقدسات مع البيوت والاسواق والمدارس والشوارع. ولذلك فان الحديث عن حماية القدس والحفاظ على هويتها ومقدساتها هو ايضا حديث عن حياة اهلها وحقهم في العيش بكرامة وامان.

وقد شعرت، وانا استمع الى الخطاب، ان الرسالة الهاشمية تتجاوز حدود الاردن. فالأردن، بحكم علاقته التاريخية بالقدس ورعايته للمقدسات الاسلامية والمسيحية، يتعامل مع المدينة باعتبارها مسؤولية تاريخية ودينية وسياسية، وليس مجرد قضية تفاوضية مؤقتة. لكن السؤال الذي يبقى بعد انتهاء الخطاب هو، ماذا بعد الكلمات؟

فالعالم لا تنقصه البيانات ولا القرارات ولا المؤتمرات، وانما يحتاج الى تحويل المواقف المعلنة الى خطوات عملية تحمي المدنيين، وتحفظ القانون الدولي، وتضع حدا لمعاناة الفلسطينيين، وتعيد للقضية الفلسطينية مكانها الطبيعي باعتبارها قضية حقوق وعدالة وسلام.

من القدس، تبدو المسافة بين قاعات الامم المتحدة وحياة الناس قصيرة جدا عندما يتعلق الامر بالنتائج، وطويلة جدا عندما يتعلق الامر بالفعل. ولهذا بقي السؤال الذي طرحه جلالة الملك يتردد في داخلي بعد انتهاء الكلمة، لا كسؤال سياسي عابر، بل كسؤال يمس ضمير العالم ومسؤوليته.

وبعد ان انتهت الكلمة، بقيت انظر الى القدس وكأنني اراها بعين مختلفة. تذكرت ازقتها التي امشي فيها، حجارتها التي تحفظ خطوات اهلها، ووجوه المقدسيين التي تحمل في ملامحها تعب السنين وصلابة البقاء. تذكرت صوت الباعة في اسواقها، ورائحة القهوة في ازقتها، وحركة الناس بين ابوابها العتيقة، وتلك التفاصيل الصغيرة التي تجعل القدس بالنسبة لمن يعيش فيها أكثر من مدينة، انها ذاكرة تسكن فينا، وبيت لا يغادر القلب، وحكاية نعيشها كل يوم.

وفي تلك اللحظة، شعرت ان ما قيل في قاعة الامم المتحدة لم يبق بعيدا عن القدس، بل وصل الى ازقتها وبيوتها ومقدساتها، والى الانسان المقدسي الذي يتابع ما يجري وهو يحمل في داخله مزيجا من القلق والامل. فالمدينة بالنسبة لأهلها ليست حجارة صامتة ولا صورة في خطاب سياسي، بل حياة كاملة وذاكرة متوارثة واملا لا ينقطع.

في القدس، لا يكون الوجع خبرا نقرأه ثم نطويه، بل واقعا نعيشه ونحمله معنا، كما ان الامل فيها ليس فكرة بعيدة، بل امل يتمسك به اهلها رغم ثقل الانتظار. وما تحتاجه هذه المدينة ليس مزيدا من الكلمات وحدها، بل ان تتحول لغة القانون والعدالة الى مواقف وافعال يشعر الناس بأثرها في حياتهم وكرامتهم وامنهم.

ومن القدس، حيث تختلط رائحة التاريخ بخطوات الناس، وحيث يبقى الامل حيا رغم ثقل الانتظار، يبقى السؤال الذي أطلقه جلالة الملك مفتوحا امام ضمير المجتمع الدولي ومسؤوليته، هل سنتحرك؟