• 20 أيلول 2026
  • أقلام مقدسية

 

 

بقلم : البروفيسور حسين الديك *

 

لا تبدو أزمة منع أو تقييد دخول ممثلين فلسطينيين إلى الولايات المتحدة مجرد خلاف إداري يتعلق بإجراءات التأشيرات، بل تتجاوز ذلك إلى إشكالية سياسية وقانونية أوسع تتعلق بالعلاقة بين سيادة الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة وبين التزاماتها الدولية تجاه المنظمة والدول والجهات المشاركة في أعمالها.

وتنبع أهمية المسألة من أن الولايات المتحدة لا تستضيف مجرد مؤسسة دولية على أراضيها، وإنما تستضيف مقر الأمم المتحدة في نيويورك بموجب اتفاقية مقر تنظم، من بين أمور أخرى، حركة ممثلي الدول والوصول إلى مقر المنظمة. وتنص المادة 11 من الاتفاقية على عدم فرض السلطات الأميركية عوائق أمام انتقال ممثلي الدول الأعضاء إلى مقر الأمم المتحدة، فيما تنص المادة 13 على أن قوانين الدخول الأميركية لا ينبغي أن تطبق بطريقة تتعارض مع هذه الامتيازات، وأن التأشيرات المطلوبة تمنح دون رسوم وبأسرع وقت ممكن.

بين سيادة الدولة والتزام الدولة المضيفة

هنا يظهر جوهر الإشكالية: إلى أي مدى تستطيع الدولة المضيفة استخدام سلطتها السيادية على حدودها ومطاراتها ومنافذها لمنع ممثلين من الوصول إلى مقر منظمة دولية موجود على أراضيها؟

من الناحية المبدئية، تظل الحدود والمطارات والموانئ الأميركية خاضعة للسيادة الأميركية، ولا تتحول الأمم المتحدة بمجرد وجود مقرها في نيويورك إلى سلطة فوق الدولة المضيفة. غير أن اتفاقية المقر تضع قيودًا محددة على كيفية ممارسة هذه السيادة عندما يتعلق الأمر بالأشخاص المشمولين بأحكامها.

وقد أكدت المواقف القانونية للأمم المتحدة على مدى عقود أن الاتفاقية تهدف إلى ضمان قدرة المنظمة وممثلي الدول على أداء وظائفهم الرسمية، وأن العلاقات السياسية بين الدولة المضيفة والدولة التي ينتمي إليها الممثل لا ينبغي، من حيث الأصل، أن تتحول إلى عائق أمام الوصول إلى مقر الأمم المتحدة.

وهكذا، فإن القضية لا تتعلق بإلغاء السيادة الأميركية، وإنما بالسؤال عن الحدود التي قبلت الولايات المتحدة نفسها بوضعها على ممارسة هذه السيادة بموجب اتفاقية المقر.

التأشيرة: إجراء سيادي أم التزام تعاقدي؟

تتمسك واشنطن بحقها في تنظيم دخول الأجانب إلى أراضيها، ويمكنها أن تستند إلى قوانينها وإجراءاتها المتعلقة بالهجرة والأمن القومي. لكن اتفاقية المقر تضع إطارًا خاصًا للأشخاص الذين يدخلون الولايات المتحدة من أجل القيام بأعمال رسمية في مقر الأمم المتحدة.

وهنا تكمن نقطة الخلاف الأساسية: فالأمم المتحدة ترى أن التأشيرة، عندما تكون مطلوبة لشخص مشمول بأحكام الاتفاقية، لا ينبغي أن تستخدم كوسيلة تمنع الوصول إلى مقر المنظمة. وقد أشارت وثائق الأمم المتحدة إلى أن الموقف القانوني المستقر لديها يعتبر أن المادة 11 تتضمن حقًا في المرور والوصول إلى مقر الأمم المتحدة، وأن المادة 13 تتطلب إصدار التأشيرات في أسرع وقت ممكن.

لكن هذا لا يعني أن كل حالة رفض لتأشيرة يمكن تلقائيًا وصفها بأنها انتهاك للاتفاقية؛ إذ توجد أيضًا خلافات تاريخية حول نطاق الاستثناءات التي يمكن للدولة المضيفة تطبيقها، خصوصًا في قضايا الأمن القومي. وقد ظهرت هذه الخلافات بوضوح في النزاع التاريخي بشأن دخول ياسر عرفات إلى الولايات المتحدة للمشاركة في أعمال الجمعية العامة عام 1988.

الرسالة السياسية إلى القيادة الفلسطينية

بعيدًا عن الجدل القانوني، تحمل سياسة التأشيرات رسالة سياسية واضحة إلى القيادة الفلسطينية، ففي الحالة التي شهدتها الدورة الثمانون للجمعية العامة، أعلنت الإدارة الأميركية في أغسطس/آب 2025 رفض أو سحب تأشيرات لمسؤولين من منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، وربطت وزارة الخارجية الأميركية القرار بمواقفها من قضايا مثل الإرهاب، والمحكمة الجنائية الدولية، والمساعي المتعلقة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية.

ومن ثم، يمكن قراءة القرار باعتباره جزءًا من سياسة أميركية أوسع تجاه القيادة الفلسطينية ومؤسساتها، وليس مجرد خلاف تقني حول إجراءات الدخول، والرسالة الأهم هنا أن واشنطن تستخدم أداة الوصول إلى المؤسسات الدولية كوسيلة من أدوات السياسة الخارجية؛ فهي لا تمنع الخطاب الفلسطيني من الوصول إلى المنبر الدولي بالضرورة، لكنها تستطيع التأثير في الشكل الذي يتم من خلاله هذا الحضور.

المنبر الأممي بين الحضور المباشر والاتصال عن بُعد

قد يبدو الفرق عمليًا محدودًا بين أن يلقي الرئيس أو المسؤول الفلسطيني خطابه من داخل قاعة الجمعية العامة، أو أن يتم بث الخطاب عبر الفيديو أو تسجيله مسبقًا. لكن الفارق السياسي والرمزي كبير.

ففي سبتمبر/أيلول 2025، وبعد منع ممثلين فلسطينيين من المشاركة حضوريًا، أقرت الجمعية العامة ترتيبات تسمح لدولة فلسطين بتقديم خطاب مسجل للرئيس، وكذلك بالمشاركة عبر الفيديو في اجتماعات محددة. وجاء القرار بأغلبية 145 دولة مقابل 5 دول، مع 6 امتناعات عن التصويت. وهنا تظهر المفارقة: الغياب عن القاعة لا يعني بالضرورة الغياب عن المنبر السياسي.

فالخطاب الفلسطيني يستطيع الوصول إلى الدول الأعضاء ووسائل الإعلام والرأي العام الدولي حتى عندما يتعذر حضور صاحبه شخصيًا. ولذلك فإن التأثير المباشر للغياب قد يكون محدودًا في بعض الحالات، بينما تزداد أهمية الدلالة الرمزية والسياسية للمنع نفسه.

الدلالة الأعمق: الاعتراف والتمثيل

تكمن حساسية المسألة في أن فلسطين ليست مجرد طرف سياسي خارج النظام الدولي؛ فهي تتمتع بوضع دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، وقد وسعت الجمعية العامة حقوق مشاركتها في أعمال المنظمة. ولذلك فإن منع ممثليها من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة يثير سؤالًا أوسع يتعلق بطبيعة التعامل الأميركي مع المؤسسات الفلسطينية وتمثيلها الدولي، ومن هنا يمكن فهم لماذا تحولت قضية التأشيرات إلى قضية سياسية تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين واشنطن والقيادة الفلسطينية.

فالسؤال لم يعد فقط: هل يستطيع المسؤول الفلسطيني دخول الولايات المتحدة؟ بل أصبح: هل تستطيع الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة أن تمنع ممثلًا من الوصول إلى المنظمة التي يفترض أن يشارك في أعمالها، عندما تكون مشاركته مرتبطة مباشرة بمهامه الرسمية؟

 

واشنطن والقيادة الفلسطينية: صراع على قواعد اللعبة الدولية

على المستوى السياسي، يأتي هذا الجدل في سياق أوسع من التوتر بين واشنطن والقيادة الفلسطينية بشأن استخدام المؤسسات الدولية.

فالموقف الأميركي الذي أعلنته وزارة الخارجية في 2025 ربط إجراءات التأشيرات أيضًا بالتحركات الفلسطينية في مؤسسات دولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية، والمساعي الرامية إلى تعزيز الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية.

وبذلك تتحول المؤسسات الدولية نفسها إلى جزء من الصراع السياسي: الفلسطينيون يسعون إلى توسيع حضورهم الدولي واستخدام أدوات القانون والمؤسسات متعددة الأطراف، بينما تحاول واشنطن الحد من بعض هذه المسارات أو ربطها بشروط سياسية وأمنية، وهذا يجعل قضية التأشيرات جزءًا من معركة أوسع حول قواعد التحرك الفلسطيني داخل النظام الدولي.

بين الخلاف القانوني والصراع السياسي

في النهاية، يصعب فصل البعد القانوني عن البعد السياسي في هذه القضية، فمن ناحية، تتمسك الولايات المتحدة بحقها السيادي في تنظيم دخول الأشخاص إلى أراضيها، وهو مبدأ لا تلغيه استضافة مقر الأمم المتحدة.

ومن ناحية أخرى، تفرض اتفاقية المقر التزامات خاصة على الدولة المضيفة، وتؤكد نصوصها ومواقف الأمم المتحدة القانونية أن هذه الالتزامات تهدف إلى ضمان وصول ممثلي الدول والأشخاص المشمولين بها إلى مقر المنظمة لأداء وظائفهم الرسمية.

لذلك فإن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في منح التأشيرة أو رفضها، وإنما في السؤال الأوسع حول كيفية التوفيق بين السيادة الوطنية والالتزامات التعاقدية للدولة المضيفة، وبالنسبة إلى الجانب الفلسطيني، فإن الأثر السياسي للقرار يتجاوز مسألة الحضور الشخصي في قاعة الجمعية العامة. فهو يبعث برسالة بشأن طبيعة العلاقة بين واشنطن والقيادة الفلسطينية، وبشأن حدود الدور الذي تسمح به الولايات المتحدة للمؤسسات الفلسطينية داخل النظام الدولي.

أما بالنسبة إلى الأمم المتحدة، فإن القضية تختبر مبدأ أساسيًا في عمل المنظمة: أن يكون مقرها فضاءً مفتوحًا للمشاركة الدبلوماسية، وألا تتحول سلطة الدولة المضيفة إلى عائق أمام أداء المنظمة وممثلي أعضائها لوظائفهم الرسمية.

ومن هنا، فإن أزمة التأشيرات الفلسطينية ليست مجرد خلاف على الدخول إلى الأراضي الأميركية؛ إنها اختبار للعلاقة بين السيادة الأميركية، وقواعد الدبلوماسية متعددة الأطراف، وحدود التزامات الدولة المضيفة تجاه الأمم المتحدة.

* استاذ العلاقات الدولية