• 23 آذار 2026
  • مقابلة خاصة

 

بقلم : د . نائلة الوعري *

أنتمي إلى أربعة أجيال حديثة ومعاصرة من القدس، شهدت الحروب والتحولات في فلسطين، بلدها الأصلي. وفي القدس وُلدت أجيال عائلة الوعري المقدسية جيلاً بعد جيل، لتبقى المدينة شاهدة على امتداد الحضور والتجذر، فيما امتدت فروع من العائلة بعد النكبة إلى دول الجوار، كعمّان ومصر، حيث استقر بعضهم وأصبح للعائلة فرعٌ ممتد في مصر، ثم إلى أماكن أبعد كالولايات المتحدة، حيث استقر بعض أبناء عمومة الأجداد، في صورةٍ تعكس مسار التشتت الذي عاشه الفلسطيني بين المدن والمنافي.

جدي، عزت ياسين الوعري المولود عام 1896، عاش فلسطين في أواخر العهد العثماني، وشهد التحولات الكبرى مع دخول الانتداب البريطاني، ثم كان شاهدًا على النكبة عام 1948، ورأى كيف تغيّرت ملامح الأرض والحياة، وكيف بدأت رحلة الاقتلاع والتشتت.

أما والدي فايز عزت الوعري المولود عام 1925، فهو من الجيل الذي عاش النكبة ثم النكسة، جيلٌ حمل عبء مرحلتين قاسيتين؛ شهد ضياع الوطن، ثم عاش احتلال ما تبقى منه عام 1967، وتحمّل تبعات اللجوء أو البقاء تحت واقعٍ متغير، ولم يسلم من مصادرات بيوت العائلة داخل المدينة وخارجها، وعاش بقية حياته متنقلاً  بين عمّان والبحرين.

أما أنا، فمن الجيل الذي شهد النكسة وتبعاتها من تهجيرٍ خارج الوطن. لم أقرأ الهزيمة في الكتب، بل عشتها واقعاً ؛ خرجتُ من القدس قسراً مع عائلتي  بعد ان اكملت تعليمي الابتدائي ، كما خرج كثيرون، نحمل ما استطعنا حمله، ونترك خلفنا بيتاً لم نكن نعلم أننا سنغيب عنه طويلًا. لم تكن الغربة خياراً ، بل قدراً  فُرض علينا، لكنها لم تستطع أن تنسينا الانتماء للوطن ولا الحنين إلى العودة.

وبقينا نحمل القدس في قلوبنا ودفاترنا في الغربة 

ويمتد هذا التسلسل إلى جيلٍ وُلد بعد النكسة، ولا يزال حتى اليوم يشهد حروباً مختلفة، تتخذ أشكالًا غير تقليدية، لكنها لا تقل أثراً عمّا سبقها من حروب قاسية. وقد شهد هذا الجيل، كما شهدنا نحن، حروب متلاحقة، حتى أصبح الصغير قبل الكبير شاهداً على واقعٍ لم ينقطع، وصولاً إلى حرب غزة القاسية التي ستبقى في ذاكرة الأجيال.

جاءت النكبة عام 1948 لتشكّل التحول الأكبر في تاريخ فلسطين الحديث؛ حيث لم يكن الأمر مجرد خسارة أرض، بل إعادة تشكيل قاسية للحياة الفلسطينية. اقتُلع مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني من مدنهم وقراهم، وتوزعوا بين مخيمات اللجوء في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو في دول الجوار كالأردن ولبنان وسوريا، فيما هاجر بعضهم إلى أماكن أبعد. وفي المقابل، بقي جزء من الفلسطينيين داخل أرضهم، متمسكين بها رغم القيود، ليحافظوا على حضورٍ لم ينقطع في الداخل.

ثم جاءت النكسة عام 1967، لتفتح فصلاً جديداً  من فصول التحول، حيث امتد الاحتلال ليشمل ما تبقى من فلسطين التاريخية، بما فيها القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. لم تكن النكسة مجرد حدث عسكري، بل لحظة مفصلية أعادت تشكيل الواقع الفلسطيني، ووسّعت دائرة الاحتلال، وعمّقت الشعور بالفقد، لكنها في الوقت ذاته أسهمت في بلورة وعيٍ سياسي جديد .

أما الجيل من عائلة الوعري الذي وُلد بعد النكسة، فقد نشأ على وقع ما خلّفته من آثارٍ لم تنتهِ؛منهم من ولد في الغربه ومنهم من شهد ضياع القدس كما عرفها الآباء، وفقدان البيوت والأحياء، وعاش تفاصيل الغياب المستمر، حيث لم تعد المدينة كما كانت، ولم تنقطع حكاية الفقد .واختار ان يبقى في القدس ولا يتركها ورغم أنه لم يعش لحظة الخروج الأولى، إلا أنه حمل تبعاتها، وظل حارسا لها، متمسكاً بحضورها، ينتظر عودة من رحل … ويحفظ المكان من الغياب.

وفي امتداد هذا التشتت، لا بد من الإشارة إلى أن أبناء عمومة الأجداد من عائلة الوعري، وبعد حرب عام 1948، اتجه بعضهم إلى غزة، وبعضهم إلى ومصر والولايات المتحدة 

فاصبح الجيل المغترب من  الذي تلا ذلك، جيل الأحفاد  ، يعيش في ظل واقع مركب ، بين الداخل والشتات، وتوزّع بين من بقي في أرضه تحت الاحتلال، ومن استقر في دول عربية أو غربية بحثًا عن التعليم والعمل والاستقرار. انشغل هذا الجيل ببناء حياته وتأمين مستقبل أسرته، لكنه لم ينفصل عن قضيته، بل حملها بصيغة مختلفة؛ في الجامعات، في مواقع العمل، وفي الحضور الثقافي والاجتماعي. ورغم أن مساراته تباينت، بقي الوعي حاضراً ، والانتماء ثابتاً ، وإن اختلفت أدوات التعبير عنه.

واليوم، يبرز جيل الشباب،، كمرحلة جديدة في مسار هذه الأجيال. جيلٌ متعلم، واسع الاطلاع، استفاد من أدوات العصر ووسائل التواصل، فكسر حدود الجغرافيا التي فرّقت الأجيال السابقة، وجعل من صوته صوتًا عابراً  للعالم. لم يعد ينتظر المنابر التقليدية، بل صنع من الكلمة والصورة والرواية الرقمية أدواتٍ للنضال، وأعاد تقديم قضية فلسطين بلغة معاصرة، جعلتها حاضرة في الوعي العالمي من جديد ، وهكذا، وعلى امتداد أكثر من قرن، تبدّلت أماكن العيش بين وطنٍ ومخيمٍ ومنفى، وتغيّرت طرق الهجرة والاستقرار، واختلفت أدوات التعبير والنضال، لكن الثابت بقي واحداً : حضور قضية فلسطين في الوعي. لم تُسقطها النكبة، ولم تُنهها النكسة، ولم تُضعفها سنوات الغربة، بل أعادت كل مرحلة إنتاجها بصيغة جديدة، بما يحفظ استمراريتها ويؤكد رسوخها.

فالقضية التي حملها جيلٌ أول، لم تتوقف عند حدوده، بل انتقلت إلى من بعده، وتحوّلت من ذاكرةٍ إلى وعي، ومن تجربةٍ إلى مسارٍ مستمر، لتبقى فلسطين، رغم كل ما مرّ بها، قضيةً تتوارثها الأجيال.

وتبقى القدس عاصمتها في وجدان أهلها، أكثر من مكان؛ عهداً لا ينكسر، وحباً يتجدد،

*باحثة ومؤرخة مقدسية 

 

                                                                                                                                د.