• 24 نيسان 2026
  • مقابلة خاصة

 

بقلم : زيدان عبدالكافي الكفافي* 

الأصل والبداية كانت عندما تحولت المجتمعات البشرية من حالة المساواة الاجتماعية (Egalitarian)، أي أن الفرد للكل والكل للفرد، في العصور التي عاشت فيها المجتمعات البشرية في شرقي البحر المتوسط متنقلة وصيادة وجامعة للقوت. وعاش الناس في هذه الحالة ملايين السنين حتى تصل لمعرفة انتاج طعامه وبناء القرى قبل أكثر من عشرة آلاف سنة.  وبعد استقراره الدائم انتقلت المجتمعات البشرية من حالة الشيوع والمشاع إلى حالة الملكيات الخاصة. لقد تطلبت هذه الحالة، أي الانتقال للرأسمالية الفردية، توفر عد مظاهر حضارية منها، الاستقرار الدائم في مكان ثابت، تأسيس عائلة ممتدة (جد، والد، ابن، أحفاد)، ظهور قيادة، تسويق الفائض من الإنتاج، أي تبادل البضائع بين الأفراد والمجتمعات "التجارة"، صناعات واختراعات توائم حاجات الزراعة وإثبات الملكيات الخاصة. وعلى الرغم من هذه الحالة الإنسانية المتقدمة، إلاّ أن الثروات والملكيات أدت إلى طمع الانسان القوي فيما يملكه الفقير، وهنا بدأت الصراعات بين الأفراد ومن ثم بين العائلات. وبرأينا أن الحاجات الإنسانية اختلفت بين ما يحتاجه الغني وما يحتاجه الفقير، فأصبحت هناك طبقات اجتماعية، وكذلك نشأت حرف وصناعات وفنون جديدة تحقق متطلبات الغني والفقير.

ما لفت انتباهي لهذا الموضوع، أنني كنت أقلب أوراقاً قديمة ورثتها عن الوالد تثبت ملكيته للأراضي في قريتنا "نوبا" في فلسطين، وتعود لمنتصف القرن العشرين، فوجدت أن أسماء كثيراً من الشّهاد على عملية البيع والشراء قد بصموا على الورقة بإصبع الابهام، ثم كتب أحدهم اسمه فوق البصمة، أي أنهم كانوا لا يعرفون القراءة والكتابة، عوضاً عن كتابة أسمائهم من قبلهم. وراعني أكثر أن مختار البلد نفسه في قرى الأردن وفلسطين والمعين في وظيفته هذه قبل أكثر من مئة عام كان أميّاً، كما كانت حالة المجتمعات البشرية قبل اختراع الكتابة قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وحتى من بعدها. وبرأي أن أول من استطاع التغلب على هذه الإشكالية هم أصحاب الأملاك من الفلاّحين والتجار الذين اخترعوا طبعة الختم، وأصبح بعدها لا يفارق جيوبهم.

وأما في العصر الحديث، خاصة في زمن الانتداب البريطاني وما بعده، فقد أعطي المختار صلاحيات سياسية، وأصبح ختمه عبارة عن رخصة مرور للحصول على وثائق رسمية من الدولة. إذ تحول الختم من دلالة ملكية إلى سلطة لمن يحمله.

أقدم الأمثلة على الأختام ودورها في اقتصاد المجتمعات الزراعية الأولى

نعتقد أن دراسي الأختام المبسطة والاسطوانية ركزوا في دراستها على أنها قطع فنية، فدرسوا طريقة صنعها والأشكال المحفورة عليها أكثر من محاولة فهم دلالاتها. فمثلاً عثر في موقع جرف الأحمر إلى الشمال الشرق لمدينة حلب، بالقرب من سد تشرين، على حجارة محفور عليه أشكال تعود للعصر الحجري الحديث ما قبل الفخار "أ" (أي قبل أكثر من حوالي عشرة آلاف سنة)، أي مع بدء معرفة الزراعة. برأيي أن أول لفت انتباه المكتشفين هو الأشكال المحفورة على الحجر، ووصفوها بأنه عمل فني وهو كذلك، لكنهم ربطوها فقط مع العقيدة والديانة. لكن لماذا لم يكن لها وظيفة أخرى، أي ختم ترتبط مع تحولات اقتصادية خاصة ظهور الملكيات الخاصة، هذا مقترح وليس بالضرورة أن يكون صحيحاً

قد لا يتفق معي أن هذه الحجارة المحزوزة بأشكال مختلفة قد تكون أختاماً، لكنهم لا يمانعون من استخدام العملات الرمزية (Tokens) في العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار، وجدت مثلها في موقع عين غزال في الأردن. كما نشرت الباحثة الأمريكية دينيس شمندت-بيسارات (Dennis Schemandt-Bessarat) في كتابها أشكالاً لهذه العملات الرمزية، وقدرت أن لكل منها قيمة.

وخاتمة القول، إن سكان بلاد الشرق الأدنى القديم عامة، وسكان بلاد الرافدين خاصة، كان لهم الفضل في وضع اللبنات الأولى للنقود، فصنعوها من الحجارة والطين، وكان لكل شكل منها قيمة عددية محددة.

شهد النصف الثاني من الألف الرابع قبل الميلاد ظهور المدن والمجتمعات المتمدنة ومعرفة الكتابة، واستخدام الأختام الاسطوانية، وهي مرحلة حضارية متقدمة صبغت للاد الشرق الأدنى القديم بصبغتها. وكانت مدن وادي الرافدين السومرية هي البادئة بهذا التطور، وتعرف العلماء على شكل من أشكال الأواني الفخارية على شكل قصعة وله حافة مشطوفه (Beveled-rim Bowl) أستخدم للكيل (ربما صاع؟) في عدد من المواقع المنتشرة في العراق ومنطقة الجزيرة السورية.  إن انتشار هذا النوع من المكاييل في هذه المنطقة يدل على وحدة اقتصادية فيها.

الأختام وطبعاتها في العصور القديمة:

ربما توصل الناس في العصور القديمة، كما هو الحال في الحاضر إلى أنه لا بد لهم من التقرب والتعبد للخالق، أو حمايتهم من الأخطار المحيطة بهم، أو دفع المرض عنهم، أو التأكيد على نسبهم أو عرقهم أو ملكيتهم، فاخترعوا عدة وسائل ومنها الأختام والتعاويذ التي كانت تعلق في أعناقهم. ويجادل الباحثون أن أول مرة استخدمت فيها طبعات الأختام كانت عند الفلاحين قبل أكثر من عشرة آلاف عام كما هو الحال في تركيا، وبلاد الشام. وقبل أن يصنع الإنسان الختم المحفور عليه رسومات وأشكال وفي مرحلة لاحقة الكتابة، استخدم الخرز والدلايات المصنوعة من مواد مختلفة. أما في الأردن فإنني أعتقد أن   أقدم طبعات الأختام المبسطة وجدت في جبل المطوق بالقرب من بلدة القنية على وادي الزرقاء وتؤرخ للفترة بين حوالي 3600 – 3100 قبل الميلاد، أي عندما وصلت المجتمعات الأردنية لمستوى حضاري بما في ذلك الاقتصادي لمرحلة متطورة.

تطورت بعض القرى إلى مستوى المدينة في الأردن في حوالي 2900/2800 قبل الميلاد، كما هو الحال في مواقع خربة الزرقاء/ وادي الشلالة-إربد، وخربة البتراوي/وادي الزرقاء-الزرقاء، وخربة إسكندر/ وادي الواله -مادبا، وباب الذراع/ وادي الذراع-الكرك، وتواصلت المجتمعات البشرية مع بعضها بعضاً خاصة عن طريق التجارة فأصبح لزاماً عليهم إثبات ملكياتهم فكانت الأختام المبسطة أولاً. 

كما ويظهر أن سكان موقع باب الذراع قد بدأوا خلال هذه الفترة باستخدام الأختام الاسطوانية خلال الفترة بين حوالي 2900 – 2700 قبل الميلاد، وهذه كانت عبارة عن شكل أسطواني من الحجر أو غيره من المواد الخام محفور عليها زخارف هندسية، أو أشكال، آدمية وحيوانية، وفي فترة لاحقة أضاف عليها الفنان كتابات. 

كذلك تم العثور على أكثر من مئتي طبعة ختم في موقع خربة الزيرقون بالقرب من بلدة المغير/ شمال شرقي إربد، وهي من أقدم المدن في الأردن وتعود بداية نشأة المدينة وليس الموقع لحوالي 2900/ 2800 قبل الميلاد.

السؤال الذي نطرحه عليكم، هل كانت السلطة للختم؟ أم لحامله ومستخدمه؟ 

ختم المختار في القرن العشرين وما بعده في الأردن وفلسطين:

من هو المختار؟

المختار شخصية تعيش في قرية أو مدينة يكون على الأغلب من عشيرة أو حمولة عددها أكبر من عدد أفراد بقية العشائر أو الحمائل في نفس القرية، ويستخدم هذا اللفظ في معظم البلدان العربية. وقد يتفق أو لا يتفق عليه جميع أبناء عمومته أو قريته أو منطقته إذ أنه في الوقت الحاضر يعين من قبل الدولة، وبهذا أصبح موظفاً إدارياً حكومياً. وورد في الموسوعة العربية أن تعيين شخص زعيماً على منطقته، وأسموه "مختار" كان ابتداء من الحكم العثماني على بلاد العرب، حتى يكون حلقة وصل بين بلده والحكومة.  فعلى سبيل المثال، كان في قريتنا مختار واحد، لكن، كان له مستشارين من وجهاء البلدة ومن كل الحمائل.

قد يكون في القرية، إن كانت كبيرة أكثر من مختار، وقد في البلدة أو المدينة التي تضم عشائر كبيرة العدد مختار لكل عشيرة أو حمولة. كذلك فإن طبيعة سكان المدينة تختلف في نسيجها الاجتماعي عنها في البوادي والقرى والبلدات بسبب أن سكان مناطقها يأتون من كل حدب وصوب، لهذا تعين الحكومة مختار لكل حي، أي حسب المناطقية وليس حسب انتساب الناس لقبيلة أو عشيرة.

لكن هذا الوضع اختلف خلال حكم الانتداب على الأردن وفلسطين، خاصة في تحديد وظائف المختار، إذ صدر في عام 1934م قانون تنظيم البلديات في المدن، مما أدي لتقليص عمل مجالس الاختيارية، والمختار.

ومن حسن الطالع أن متحف النميات في البنك الأهلي بعمان يقتني نسخة من ختم مختار حارة الأشرفية، وهو يعود لسنة 1911م. وقد قرأ الدكتور حسن الزيود مدير المتحف الكتابة المنقوش على الختم على النحو الآتي: " عمَّان ناحية سند أشرفية محلة سي مختار أولي ١٣٣٠"

كما عثرت على صور لمخاتير في فلسطين، مثل ختم مختار بلدة كفر عانة التابعة لمدينة اللد والمؤرخ لعام 1943م، وأسمه كما عو محفور على الختم "أحمد مصطفى ذياب".

خاتمة الحديث، عاش المختار وختمه حالة سياسية وإدارية هامة خلال الحكم العثماني وإدارة الانتداب على الأردن وفلسطين، وحتى الآن لا تزال وظيفة المختار قائمة، وإن كانت صلاحيته في الوقت الحالي قليلة. ليس هذا بشيء هام، لكن الأهم من الختم هو سلطته، وإثباته للحالات الاجتماعية. 

نصيحة، لا تنسوا ختم وثائقكم، وإلاّ فلا قيمة لها...الختم هو إثبات للملكية والجنسية.

*أستاذ شرف جامعة اليرموك

 المراجع:

كفافي، زيدان 2014؛ المظاهر الاقتصادية لدى المجتمعات الزراعية الأولى في الشرق الأدنى القديم. النقود الرمزية، الأعداد، والمكاييل. الصفحات 29-39 في نايف القسوس وآخرون (محررون)، سمير شمّا عز مثله. دراسات في ذكرى سمير شمّا إربد: جامعة اليرموك، كرسي سمير شمّا لدراسة المسكوكات والحضارة الاسلامية.

Eggler, Jürg and Keel, Othmar 2006;Corpus der Spiegel-Amulette aus Jordainien. Vom Neolithikum bis zu Perserzeit. Orbis Biblicus et Orientalis 25. Series Archaeologica.Friborg:Academic Press Friborg

Nissen, H. J., Damerow, P. and Englund, R. K. 1993; Archaic Bookkeeping. Writing and Techniques of Economic Administration in the Ancient Near East. Chicago: The University of Chicago Press.

 

Schmandt-Besserat, D. 1992; Before Writing, Volume I. From Counting to Cuneiform. Austin: University of Texas.

Schmandt-Besserat, D. 2002; Signs of Life. Odyssey. 6-8.