- 3 آيار 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : ا.د.زيدان عبدا الكافي الكفافي *
لاح ببالي وأنا أنظر في خارطة العالم العدد الكبير من الدول المرسومة حدودها على خريطة العالم، وحرت في أمري لماذا يقسم العالم نفسه بهذه التقسيمات، وكيف ومتى وصل الناس إلى هذه الحالة؟ فقلت أيضاً ولماذا لا أشارك معرفتي بهذا الأمر مع الأصدقاء والزملاء، خاصة وأن المعلومات الواردة في هذا النص تتكأ كلياً على ما نشرته في الفصل التاسع من كتاب المعنون ب "أصل الحضارات الأولى" الذي نشرته دار القوافل بالرياض/ المملكة العربية السعودية في عام 2005م.
بلغت المجتمعات البشرية التي عاشت خلال العصر الحجري الحديث (نحو 10.500 – 6.500 سنة من الحاضر) في بلاد الشام خاصة قمة ازدهارها الحضاري خاصة في الفكر والدين، على الرغم من أن الناس عاشوا في قرى يمكن وصف بعضها بأنها بلدات. لكن هذا الزخم الحضاري تبلور بشكل كبير في بلاد الرافدين ومصر، حين تحولت المجتمعات البشرية في نهاية الألف الرابع إلى حالة التمدن “Urbanization”، أي ظهور المدن. ولا يعني ظهور المدينة هو كبر مساحة المكان بقدر ما هو تطور السكان بطرق المعيشة والفكر. وثد رافق هذا التحول مجموعة من الاختراعات مثل ظهور المؤسسات الاجتماعية والدينية ومعرفة الكتابة، وسيطرت سلطة المعبد في بداية الأمر على زمام الأمور في المدينة. وظهر هذا بشكل جلي وواضح في حضارات سومر وأكاد في ميزوبوتاميا، حيث أخذت مدن المعابد بالتحول إلى وحدات سياسية مستقلة. لكن ونتيجة لثراء المعبد وازدياد ثروته أصبح بحاجة لقوة عسكرية تحميه، فكان هناك الجيش وقائد لهذا الجيش، مما نتج عنه صراع بين السلطتين الدينية والزمنية، لكن وحتى يستأثر أي شخص بالحكم عليه أن يأخذ صلاحيته من الإله.
كما هيمنت السلطة الزمنية أي غير الدينية، على المدن الأولى مما أدى إلى ظهور اتحادات كونفدرالية فيما بين بعض المدن والتي تحولت مع مرور الزمن (النصف الثاني من الألف الثالث ق.م) إلى دول وطنية. وكذلك تأكدت في النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد مع ظهور السومريين في هذه المنطقة مظاهر المجتمع المركب مثل التجارة الخارجية ومضاعفة الإنتاج والتعدين والحيوانات التي تجر العربات وقنوات الري والفنون، والقوانين والحروب. ولم ينقص السومريين من مظاهر حضارية وتمدن إلاّ الوحدة السياسية وتشكيل الدولة الموحدة. ولم تبدأ الدولة الموحدة في وادي الرافدين إلاّ على يد مجموعة سامية هم الأكاديون.
إن ظهور الدولة (National State) بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، أي وجود حكومة تحكم الناس هو محصلة لمجموعة من التطورات الهامة والتي استغرقت مدة طويلة من الزمن. قد تمثل التاريخ السياسي لدول الشرق الأدنى القديم منذ ظهورها في بداية الألف الثالث قبل الميلاد بنظام دويلات المدن التي تتصارع مع بعضها بعضًا ولم تتحد إلاّ عند وجود أو ظهور أسرة قوية أو حاكم قوي يوحدها ويحكمها.
لكن ما هي الدولة؟ وما هي مقوماتها؟ هناك عدة تعريفات تجتمع في عدة خصائص للدولة، هي:
- تركيز على الاقتصاد والقوة السياسية.
- وجود تنظيمات سياسية وحدود ثابتة.
- وجود مؤسسات لها حرية الوصول للمصادر الطبيعية في الدولة.
- القدرة على استخدام القوة.
على أي حال فإننا نرى أن أفضل ما يقال حول تعريف الدولة هو ما قدمه الباحث جونسون (Johnson 1973:2). في كتابه المعنون ب:
Johnson, G. A. 1973; Local Exchange and Early State Development in Southern Iran. The University of Michigan Museum of Anthropology, Anthropological Papers No. 51. Ann Arbor.
اقتباس:
A state is defined as “a Society that is primarily regulated through a differentiated and internally specialized decision. Making organization which is structured in minimally three hierarchic levels, with institutionalized provision for the operation and maintenance of this organization for the operation and maintenance of this organization and implementation of its decisions”.
وفي العادة فإن القرارات تعلن للجماهير من خلال مجموعة من الأشخاص هم الإداريين والبيروقراطيين. وتظهر أو تصدر القرارات على شكل قوانين أو دساتير مدعمة بمواقف دينية وثقافية وشخصية. وإن تنفيذ هذه القوانين يعتمد على المقدرة على استخدام القوة. وعلى أية حال فإن الاستقرار الأمني والسياسي في أية دولة يعود إلى ازدهار تجارتها وصناعتها وإلى ازدهار الآداب والفنون فيها.
وبرأينا أن الباحثين في تعريفهم لمفهوم الدولة في العصور القديمة تأثروا كثيراً بالأسس والمقومات التي تقوم عليها الدول في الوقت الحاضر. ويمكننا القول أن الأمر في الألف الثالث قبل الميلاد ربما يكون قد تشابه مع ما هو معاصر لنا، لكنه كان أقل تعقيدًا، خاصة إذا علمنا أن مجتمع الدول الحديثة يتكون من مجموعة كبيرة من الأعراف والأجناس خاصة لسهولة الانتقال عن طريق المواصلات الحديثة، على عكس ما كان عليه الحال في العصور القديمة. كذلك فليس من الضرورة بمكان أن تتمتع جميع الدول بنفس القدرات السياسية والعسكرية، فهي متفاوتة بين دولة وأخرى.
كان حكام الدول الأولى في بلاد الرافدين قد خرجوا من المؤسسات المدنية ذات الارتباط بالمؤسسة العسكرية، لكنهم لم يكونوا بأي حال من الأحوال السلطة القوية الوحيدة في المجتمع، بل كان هناك سلطة رجال الدين الذين كانوا يشكلون دائمًا تحديًا للسلطة الزمنية، وربما كان لأصحاب الثروات الزراعية أو التجارية طرق بارعة في التخلص من حكم الحاكم. وقد حدث في كثير من الأحيان في بلاد الرافدين أن اتفقت السلطة العسكرية والدينية والأغنياء على تغيير الحاكم وتعيين آخر بدلاً عنه، وفي أحيان أخرى كانت هناك أسباب أدت إلى صراعات نشبت بينها للسيطرة على الحكم لأن لكل منها أهدافه وطموحاته المختلفة عن الأخرى.
للعلم، هناك معلومات كثيرة متوفرة بين أيدينا حول نشأة الدولة في وادي الرافدين ومصر، بينما لم يعط العلماء أي اهتمام لنشأة الدولة في بلاد الشام في الوقت نفسه. وربما يعود السبب في هذا إلى تأخر الناس في بلاد الشام في معرفة الكتابة، مما أدى إلى غياب مصدر أساسي للمعلومات المتعلقة بذلك ومع أننا نؤكد ما أن المجتمعات البشرية في بلاد الشام قد وصلت إلى مرحلة المجتمع المعقد (Complex Society) مع نهاية الألف السابع قبل الميلاد، لكن يبدو لنا أن عملية التحضر والتمدن والوصول إلى مرحلة الدولة كان لا بد لها أن تنضج على ضفاف الأنهار الكبيرة، أو أن طبيعة الدولة في مصر وبلاد الرافدين اختلفت عنها في بلاد الشام. ونقدم أدناه شرحاً لنشأة الدولة وتطورها في ميزوبوتاميا ومصر.
- دولة المدينة في وادي الرافدين (حوالي 2900 – 2350 ق.م):
تبدأ مرحلة دولة المدينة في بلاد الرافدين مع بداية تأسيس الأسرات أو ما يطلق عليه اسم الأسرات الأولى وتنتهي بتشكيل الدولة الأكادية وهي التي وحدت بلاد الرافدين في حوالي 2350 ق.م. وتتميز هذه المرحلة باتساع المدن السومرية وزيادة عددها وحصول حروب فيما بينها بدلالة بناء الأسوار وما ورد في المصادر التاريخية المكتوبة من نفس العصر. وأصبحت الفوارق الاجتماعية ظاهرة بوضوح بين طبقات المجتمع وخير دليل على هذا المكتشفات الأثرية من مقبرة أور الملكية. وبقي المعبد هو المركز الاقتصادي والديني والمسؤول عن النواحي الإدارية. لكن المؤسسات الإدارية بدأت تلعب الدور الرئيس خلال مرحلة الأسرات الأولى بمعزل عن المعبد، ويثبت هذا بناء القصور الملكية.
حاولت كل مدينة من هذه المدن أن تتوسع وتمد نفوذها على حساب المدن الأخرى مما أدى إلى حدوث النزاعات فيما بينها. وعلى الرغم من التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكل مدينة على حده، إلاّ أن بلاد الرافدين قد أنتجت لنا فنونًا إبداعية جميلة ذات طابع موحد، سواء في النحت أو الرسم أو الأختام الأسطوانية وحتى العمارة. وبلغت مدينة الوركاء أوج عظمتها مع بداية الأسرات، حيث أحيطت بسور تم ترميمه وتجديده في المراحل اللاحقة واتسعت مساحتها وعلى الرغم من هذا فإن ما عثر عليه في الوركاء من هذه المرحلة لم يتعد الكسر والأواني الفخارية وقليلاً من القطع الأثرية الأخرى.
وأما بخصوص الكتابات من هذه الفترة، برغم ظهور تغير في الخط المستخدم إلاّ أن محتوى النقوش أو النصوص لم يسعفنا كثيرًا في التعرف على طبيعة الأحوال السياسية والاجتماعية بشكل خاص. والسبب في هذا أن النقوش قد جاءت قصيرة جدًا وتعالج إما نواحي اقتصادية أو نذرية. إن استخدام العلامات الصوتية عوضًا عن الكتابة التصويرية هو إنجاز كبير بحد ذاته، وحصل هذا في المرحلة الثالثة للأسرات المبكرة (Early Dynasty III) وعثر على نصوص مكتوبة بهذه العلامات في مواقع فاره وأبو الصلابيخ تؤرخ لحوالي 2500 ق.م.
تعتبر النصوص التي تؤرخ بعد 2500 ق.م هي المصادر التاريخية التي تحدثنا عن المدن التي انتشرت فوق جنوبي بلاد الرافدين مثل اور والوركاء وجرسو واوما وكيش وكذلك عن الحكام الذين حكموها. كما تذكر هذه النصوص التاريخية النزاعات التي كانت قائمة بين هذه المدن مثل الصراع بين مدينتي لجش وأوما بسبب الاختلاف على خط الحدود بينهما وعلى سير قنوات الري. ولم تذكر في هذه النصوص مدن من خارج منطقة جنوبي العراق أو بابل كما يحلو لبعض العلماء تسميتها سوى مدينتي سوسه في جنوبي غربي إيران الحالية وتل الحريري (ماري) على نهر الفرات بالقرب من مدينة البوكمال الحديثة.
كما ذكرت النصوص أسماء الآلهة، ومن المعروف أن لكل مدينة سومرية إله يحميها ومن هنا جاءت تسمية مدينة – المعبد. ولقد تم التعرف على قوائم بأسماء الآلهة تعود لحوالي 2500 قبل الميلاد وقد رتبت هذه الأسماء حسب أهمية كل إله. وكذلك أوردت النصوص المكتوبة على الأختام أسماء بعض الآلهة، كذلك نستطيع القول أنه باستطاعتنا التحدث عن ديانات معروفة بعد النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد والتي لا بد أن كان لها ارتباط مع النواحي السياسية.
ومع نهاية فترة الأسرات الأولى (حوالي 2350ق.م) حاولت المدن – الدول مثل اور والوركاء وتللو وأوما السيطرة على الأراضي المجاورة لها والتوسع على حساب غيرها، حتى أنه نذكر أن سيطرة مدينة لجش قد وصلت إلى ماري (تل الحريري) على الفرات الأوسط، علمًا أن هذه السيطرة لم تدم وقتًا طويلاً، لكن هذا يظهر لنا أن القوي أراد أن يصبح أقوى، وأنه أصبح هناك توسع في حدود المدن مما أدى بالتالي إلى ظهور الأقاليم الموحدة تحت حكم واحد تطور فيما بعد إلى ظهور دولة الأمة.
ومن أهم النصوص التاريخية المكتوبة تلك التي عثر عليها في مدينة جرسو (Girsu) تللو الحديثة، وتسمى قائمة أسماء الملوك السومريين (Sumerian King lists) وهي تذكر أسماء حكام المدن ومدة حكم كل واحد منهم. وكذلك عثر في هذه على نصوص تاريخية تفيد بأن أرض هذه المدينة (تللوه) هي ملك للإله ويديرها نيابة عنه حكام يساعدهم كهنة المعبد. وهنا يبرز تساؤل حول إمكانية تعميم هذا النوع من الحكم الثيوقراطي على جميع المدن السومرية أو في مدينة تللوه فقط. ومما يجدر ذكره أن هذه النصوص قد أوردت عددًا من الألقاب التي تمتع بها الحكام مثل “Lugal” و “en” و “ensi” وربما تكون هذه الألقاب مرادفة لأسماء الوظائف التي شغلها الحاكم أو المسؤول.
ويفسر بعض العلماء هذه الألقاب على أساس أن الحكام ينتمون إلى اسر مختلفة. فمثلاً اطلقت بعض المدن لقب (Lugal) والتي تعني "الملك" وذكرت المصادر أنه كان منتخبًا، بينما أطلقت مدنًا أخرى لقب (Sangu) ويعني "المحاسب" وهذا المصطلح كان يلقب به كبير الكهنة في المعبد. وعلمًا أن تفسير كلمة (ensi) لا يزال غير واضحٍ إلاّ أنها ترتبط بمصطلح ظهر في فترة قبلها وهو (en) والتي تشير إلى الزوجة من البشر الآلهة المدينة. ومن هنا نرى أن حاكم المدينة الدولة كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالمعبد.
كما عثر على مبانٍ لقصور بالإضافة إلى مجمع المعبد، وهذه إشارة إلى أن السلطة لم تكن فقط بيد كهنة المعبد وإنما كان هناك سلطة زمنية خلال الألف الثالث قبل الميلاد. كذلك عثر على مبانٍ إدارية ضخمة في عدة مواقع مثل أريدو وماري وكيش. واستنتج العلماء من وجود مثل هذه المباني الضخمة المنافسة لمبنى المعبد تزايد قوة السلطة الزمنية والتي أصبحت تنافس السلطة الدينية في مرحلة الأسرات المبكرة (Redman 1978:292). وكما ذكرنا أعلاه، فإنه بالإضافة لهذه المباني الدينية والمدن بدأ الناس يحصنون مدنهم كما هو حال مدينة الوركاء.
كما كانت كل دولة – مدينة تتشكل من المدينة نفسها بالإضافة إلى البلدات والقرى المحيطة بها. لقد اكتملت جميع العناصر المكونة للدولة الكبيرة الموحدة في جنوبي بلاد الرافدين في حوالي 2500 ق.م، إذ تشكلت الحكومات وازدهرت التجارة وتعددت الحرف ودونت الوثائق بخط مسماري وازدهرت الفنون بأشكالها المختلفة من نحت وترصيع على الخشب وصنعت الأختام المسطحة والأسطوانية ووجدت الأشغال المعدنية. وأفضل الأمثلة على هذا الازدهار، المكتشفات الأثرية من مقبرة أور وتل عقرب ومجموعة التماثيل الآدمية من تل أسمر في منطقة ديالى. وأهم من هذا كله التحول السياسي حيث، وكما ذكرنا سابقًا، حلت الدولة الموحدة محل دولة المدنية. وهذه لم تقم أو تتشكل بشكل عشوائي، ولكن جاءت بعد كثير من التطورات خاصة بروز أهمية المؤسسات الإدارية وزيادة قوة تأثيرها على حساب المعبد، ويدلل الآثاريون على هذا بالقصور الكبيرة التي عثروا عليها في كيش وماري وأريدو ومكتشفات مقابر أور وكيش
لكن وللأسف، فإنه وفي حوالي 2350 ق.م فقد اختلف الأمر، حيث زادت البيروقراطية الحكومية، وأخذ الناس الأغنياء يسيطرون على الفقراء وأعيد النظر بنظام الضرائب الذي كان مفروضًا زمن الملك اوروكاجينا. فاخطر ما حدث أنه قد تم إعادة النظر بالقوانين التي أصدرها أوروكاجينا أكثر من مرة لتوائم رغبات الحكام الجدد وقد ظهر أن تغيير قانون أوروكاجينا من قبل الحكام قد زاد من قوة وسيطرة السلطة المركزية للملك وللمعبد والذي أصبح أيضًا تحت سيطرته. ومن هنا نرى أن القوة العسكرية وإصدار القوانين قد أصبحت تتم بترتيب من الملوك الذين حكموا بلاد الرافدين عبر العصور القديمة، علمًا أن آخر ملوك المدن الأقوياء كان ملك مدينة أوما المدعو لوغال – زاغيزي (Lugal-zagesi) والذي حكم لمدة واحد وعشرين عامًا قضاها في الحروب فأخضع مدن لاجاش والوركاء لحكمه. لقد ادعى هذا الملك بأنه وحد ممالك المدن حكمه وأنه ملك بلاد سومر. لكن هذا الأمر لم يدم له، إذ ظهر الملك سرجون في أكاد والذي حارب لوغال – زاغيزي وقطع عنقه أمام معبد الإله انليل في مدينة نيبور. وبهذا انتهت فترة حكم دول – المدن وبدأت مرحلة جديدة هي الدول الوطنية أو دولة الأمة.
ب – دولة الأمة في وادي الرافدين (National State):
رأينا أعلاه كيف أن جميع الأمور قد تهيأت لنشأة الدول التي ضمت تحت لوائها منطقة جغرافية واسعة شغلتها مدنًا وقرى وبوادي كثيرة. إن مصادر المعلومات حول نشوء الدولة وطبيعة الدول لم تعد مقصورة فقط على المصادر المكتوبة، لكن ومع إجراء العديد من المسوحات والحفريات الآثرية أصبح لا بد من الجمع بين المصدرين لتشكيل صورة صحيحة وواضحة حول نشأة الدولة. وعلى الرغم من أن الحفريات الأثرية قد كشفت عن كميات هائلة من المواد الأثرية خاصة الأختام الأسطوانية والأواني الفخارية في معظم مناطق بلاد الرافدين، إلا أن الاكتشاف الأهم كان التعرف على المملكة الإبلائية (Ebla) في شمالي سوريا. حيث تم العثور على عدد كبير من الرقم الطينية المكتوبة تجاوز عددها الستة عشر ألفًا وتؤكد على وجود مملكة تعود للنصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد. وعلى أية حال، فإن قوائم الملوك التي عثر عليها في مناطق متعددة تبقى المصدر الأساسي لوضع جدول زمني، على الرغم من الشكوك التي تحوم حول دقتها.
خلال الفترة من حوالي 2350 وحتى 2000ق.م حكم جنوبي العراق ثلاث دول هي الأكادية والغوتية وأور الثالثة على التوالي. وقد تركز حكم الأكادية في بادئ الأمر حول مدينة أكاد ومن ثم توسعت لتشمل عددًا من المناطق المحيطة، لدرجة أن العلماء أطلقوا عليها أسم أول إمبراطورية في العالم. وقد دام حكمها من حوالي 2340 وحتى 2200ق.م. سقطت الإمبراطورية الاكادية على يد مجموعة من القبائل الغوتية وأصلها من جبال زاغروس إذ احتلت أكاد وسيطرت على معظم جنوبي العراق. لكن حكم هذه القبائل لم يعمر طويلاً (ليس اكثر من مئة عام) ففي حوالي 2120 قبل الميلاد جهز اوتوحيجال (Utuhegal) حاكم اوروك حملة عسكرية ضدهم فاستطاع القضاء عليهم. لكن الملك اور- نامو هو مؤسس فترة الأحياء السومري هذه، علمًا أن حكم هذه الأسرة لم يتجاوز مئة عام أيضًا.
ولأن العلماء قد أطلقوا على المملكة الأكادية اسم "مملكة الساميين" فإننا نرغب أن نوضح أن هذا المصطلح (أي سامي) هو من اختراع عالم الماني اسمه شلوتزر (Schlozer) أطلق عام 1781م اعتمادًا على دراسته لمجموعة من اللغات القديمة وأراد ربطها بأناس تحدثوها، فاعتمد في هذا على ما ورد في العهد القديم (سفر التكوين 10: 21-31). وجاء اسم الساميين مشتقًا من اسم "سام" ابن نوح أب آشور وآرام. ومن اللهجات السامية الأكادية والبابلية والأشورية والعربية والعبرية والآرامية وكثير غيرها.
نكتفي هذا اليوم بالحديث حول نشأة الدولة في بلاد الرافدين، وسيتبع في الأسابيع القادمة الحديث حول نشأة الدولة في كل من مصر وبلاد الشام.
* أستاذ شرف – جامعة اليرموك

