• 6 آيار 2026
  • مقابلة خاصة

 القدس - عمان - أخبار البلد - كتب المحرر الثقافي :

 ان مدينة عمان والتي هي توأم القدس لا تزال تحتفظ بالكثير مما فقدته المدينة المقدسة وخاصة قاع المدينة او وسط البلد  كما أنها لا تزال تحتفظ ببعض المظاهر التي اختفت من المدينة المقدسة مثل باعة الصحف المتنقلين بين الحوانيت وفي الشوارع وداخل الازقة ،  وأكشاك الكتب والصحف التي أصبحت عنوانا ثقافيا وتراثيا عمانيا بامتياز،  حتى  المقاهي التقليدية القديمة بكراسيها القصيرة وكأس الشاي وفنجان القهوة . 

كما أن للمدينة وقاعها  كتابها وصحفيوها الذين لا يكتبون إلا عنها وعن التحولات التي يشهدها وسط البلد .

 وفي هذه الأيام تحيي المدينة ذكرى أحد اهم أعمدتها الثقافية انه الحاج احمد حسن ابو حسين شيخ الوراقين وبهذه المناسبة كتب  الشاعر محمد خضير مقالة توثيقية جميلة عنه وعن المدينة  تحت عنوان " حبر على أرصفة المدينة "  ويسعدنا في " أخبار البلد"المقدسية  ان نعيد نشرها بالكامل  : 

" في هذا الفضاءِ المشبعِ بالمعنى، تبرزُ سيرةُ رِجلٍ لمْ يبعِ الورقَ المطبوعَ فحسبُ، بلْ نشرَ الوعيَ في زمَنِ الجهلِ، ووزعَ خيوط الشمسِ في مطالعِ الصحفِ لكلِّ باحثٍ عنْ حقيقةٍ. إنّها قصة أحمدَ حسنَ، المعروفِ بلقبِهِ الأثيرِ "أبو زيادٍ"، شيخ المكتبيّينَ الأردنيينَ وأقدمِ بائع صحفٍ في العاصمة. هذا الرِجلُ، المؤرخُ الحيُّ، صاغ منْ خطواتِهِ اليوميّةِ الموسومةِ بالتعب الجميل سرديّةً عمانيّةً فريدةً بدأتْ خيوطُها الأولى منذُ عامِ 1949. رحلةٌ انطلقت منْ جولةٍ مضنيةٍ ومقدسةٍ على الأقدامِ، لتنتهي بكشكٍ صارَ اليومَ معلمًا ثقافيًّا بارزًا يشارُ إليهِ بالبنانِ. لقدْ تميز أبو زيادٍ بذكاءٍ فطريّ يقرأُ ملامحَ الزبائنِ قبلَ عناوينَ الصحفِ، فيعرفَ مَنْ يبحثُ عنِ الأملِ، ومَنْ يطاردُ السياسةَ، ومَنْ يهربُ منْ واقعِهِ بروايةٍ عابرةٍ للقلوب.

قديمًا، أتى الفجرُ في عمانَ مختلفًا؛ لمْ يكنْ مجردَ ضوء، بلْ فجرًا محمولًا على أكتافِ الرجالِ الأشداءِ. آنذاك، تتمطى المدينةَ ببطءِ لتستقبلَ ضياءَ النهارِ، بينما بنهضُ أبو زيادٍ معَ الأذانِ الأولِ، والنداءُ يتردّدُ في سماءِ عمانَ الصافيةِ كأنّهُ صدىً لصوتِ الجبالِ السبعةِ. يسابقُ العصافيرَ في استيقاظِها ليلحقَ بموعدِ لرزقٍ والمهمةِ. اتجهت الوجهة دومًا نحو "محلاتِ عزيزية" بالقربِ مِنْ "مطعمِ هاشمٍ" الشهيرِ ، الذي شهدَ ولادةَ النخبِ السياسيّةِ والثقافيّةِ وصارَ معَ الأيامِ رمزًا لحياةِ العمانيّةِ العميقةِ. تحتَ ظلالِ البيوتِ العتيقةِ، اجتمعَ الباعة الصغارُ في حلقةِ انتظارٍ مهيبةٍ، يرقبونَ وصولَ السيارةِ القادمةِ منْ "القدسِ الشريفِ"، محملةً بجرائدِ الفجرِ، منبعِ الخبرِ والروحِ. تفرغُ السيارةُ حملَها في "مكتبةِ الملكِ طلالِ"، يبدأ فصلٌ منْ فصولِ "الملحمةِ اليوميّةِ". يصفُ أبو زيادٍ تلكَ اللحظاتِ بحنينٍ؛ حيث يتزاحمُ الفتيانُ، والأنفاسُ تتصاعدُ في هواءِ الصباحِ الباردِ، لينطلقوا في شوارعِ عمانَ كرسلِ المعرفةِ وحملةٍ مشاعلِ التنويرِ.

في تلكَ الحقبةِ، تشبهُ عمانُ الحلمَ الصغيرَ؛ الاسواق تتنفسُ بعمقٍ وهدوء قبلَ لزحامٍ. "سوقُ السكرِ " يفوحُ برائحةِ البهاراتِ، بينما تشكل "ساحة الجامع الحسيني" المركزَ الذي تنطلقُ منهُ نبضاتُ الحياةِ. في هذهِ الساحةِ، تلتقي وجوهُ الناسِ منْ مختلفِ المنابتِ والأصولِ، بانتظار الخبرِ الأتي منْ القدسِ أو القاهرةِ.

اشتعل التنافسُ بينَ الباعةِ ليسَ منْ أجلِ الثراءِ، بلْ لربحِ قروشِ قليلةٍ تسدُّ الرمقَ.

ثمنُ الجريدةِ آنذاكَ لمْ يتجاوزْ "قرشًا ونصفَ القرشِ"، لتتدرجَ الأرباحُ معَ مرورٍ لسنينِ في رحلةٍ صعودٍ واكبتْ نموَّ المدينةِ وتطورَها.

أسماءُ الصحفِ نُقشتْ في وجدانِ الوطنِ كوشم لا يزولُ؛ يذكرُ أبو زيادٍ بذاكرةٍ حديديّة "الأردنَّ"، "الدفاعِ"، "فلسطينَ"، و"الصريحِ" التي تمتازُ بجرأتِها. ولمْ ينسَ أبدًا تلكَ النسماتِ المسائيّةَ، حينَ تصدرُ صحفُ بعدَ الظهرِ مثلَ "المساءِ" و "الجزيرةِ". شكلت الصحافةُ المسائيّةُ طقسًا عمانيًّا خالصًا في مقاهي "الجامعةِ العربيّةِ"، "السنترالِ"، أو "بلاطِ الرشيدِ"، حيثُ يرقبُ الناسُ ما حملتْهُ ساعاتُ الظهيرة، وتتحول المقاهي إلى برلمانات شعبيّةٍ تَحللُ المانشيتاتِ العريضة.

لم تكن عمانُ يومًا جزيرةً معزولة، بل رئة تتنفسُ بها العروبة، وأبو زيادٍ هوَ الجسرُ الذي عبرَ عليهِ فكرُ القاهرةِ وأناقةُ بيروتَ. في الخمسينياتِ، كانت المجلاتُ المصريّةُ مثل "المصوّر " و"روزِ اليوسفِ" تطلُّ على إنسانٍ عمانَ من نواقد شارع الشابسوغ. وحتى الاطفالُ نالوا نصيبًا منْ دهشةِ "سمير " و"ميكي" عبرَ يديْ ابي زيادٍ المباركتين بلمسِ الورق. اما "الاهرامُ" المصريّة، فاستحقت قب درةَ التاجِ، خصوصًا صباحَ الجمعةِ؛ حيثُ يتحلقُ المثقفونَ حولَ الكشكِ بانتظارٍ مقالٍ "هيكل". ومنْ شواطي بيروتَ، وصلت أرياحُ الحداثةِ عبرَ

"الأسبوعِ العربيّ"، "الصيادِ"، "النهارِ" و"الحياةِ."

مشى أبو زيادٍ كأنَّهُ يرسمُ خريطةَ عمانَ بوقع قدميهِ؛ يحملُ حزمةَ الصحفِ ويطوفُ أرجاءَ المدينةِ منْ "شارع طلالِ" العريقِ إلى "المصدارِ" و"رأسِ العينِ"، وصولًا إلى سكةِ الحديدِ الحجازيّةِ، ثمَّ يعودُ صعودًا نحو "جبلِ الحسينِ".

كلُّ ذلكَ تمَّ مشيًّا على الأقدامِ، تحتَ لهيبِ الشمسِ أو في عصفِ الشتاءِ، بكفاحٍ مقدسٍ لتستمرَّ الحياةُ وتزدهرَ. معَ مطلعِ الستينياتِ، استقرَّتْ "بسطتُهُ" في شارْعِ الملكِ فيصلٍ، "الشانزليزيه" العمانيَّ، حَتى عام 1978 حين أقيمتِ الأكشاكُ الثابتةُ، فصار كشكُهُ وطنًا صغيرًا للكتبِ.

ولا يذكرُ عمانيٌ أصيلٌ أبا زيادٍ دونَ صورتهِ المهيبةِ وهوَ يمتطي "الدراجةَ لهوائيّةَ" خلالَ الثمانينياتِ والتسعينياتِ، يجوبُ الشوارعَ كفارسٍ يوزعُ المعرِفةَ على المؤسساتِ والوزاراتِ. وفي عامِ 1990، ولدَتْ "مكتبةُ الطليعةِ الحديثةُ" تتحولَ إلى مغناطيسِ يجذبُ المثقفينَ والسياسيينَ والأدباءَ، من عبدالرؤوفِ لروابدة إلى مظفر النواب وعبدالوهاب البياتي والرواد العراقيين الذين وجدوا فيها وطنًا دافئًا.

يقولُ سامي بز هو: "مصرُ تؤلفُ، ولبنانُ تطبعُ، والعراقُ يقرأ"، مؤكدًا أنَّ المكتبةَ كانت "سفارة ثقافيّة" للعربِ، ومحطة إجباريّة لرحالةٍ عالميين مثل "روبرت فيسك". تنوعت الكتبُ في الطليعةِ منْ تحليلاتِ "نعوم كلاين" إلى رواياتِ

"يوسف زيدان" و"إبراهيم نصر الله"، وشعر "محمود درويش". واليوم، يبتكر سامي خدمةَ "التوصيلِ المسائيّ" ليسَ هربًا منَ الزحامِ فحسبُ، بلْ رغبةً في مواصلةِ الحوارِ الثقافيّ الذي بدا على الرصيف.  فلسفة الرصيف التي آمنَ بها أبو زيادٍ تتلخصُ في أنّ الثقافة مشاعٌ للجميعِ.

تبقى "طليعةُ" أبي زيادٍ شاهدًا على أنّ الورقَ في عمانَ لا يشيخ، وانّ رائحة الحبرِ أقوى منَ النسيانِ. رحلةُ أبي زيادٍ هيَ رحلةُ عمانَ ذاتِها؛ منَ البساطةِ والتجوالِ، إلى التجذر في وجدانِ الناس، لتظلَّ صورتُهُ على دراجتِهِ أيقونةً خالدةً. إنَّنا اليومَ لا نقرأُ عنْ بيعٍ وشراءٍ، بلْ نقرأُ عنْ روحِ مدينةٍ تجسدتْ في رجلٍ، ورجلٍ صارَ مدينةً بحدّ ذاتِهِ.