- 9 آيار 2026
- مقابلة خاصة
القدس - أخبار البلد - كتب المحرر الثقافي
أعجبني ما كتبه الصديق الكاتب والاديب المبدع " مفلح العدوان" في مداخلته الرقيقة مع الكاتب "عبد الرحمن منيف " في حواره حول المدن وسيرتها
ونشر صاحب كتاب " عمان والذاكرة" هذه المداخلة الرقيقة مع صاحب كتاب " سيرة مدينة " وكتاب " مدن الملح" على صفحته في الفيسبوك و اقتنصت " أخبار البلد" هذه القطعة الفنية لتعيد نشرها كما هي :
" تلك صورة لم أشهدها، غير أني أحس بها، وكانت الأربعينيات من القرن الماضي تمثل تجسيدا حيا لواقع حال وشائج القرب والمحبة والألفة الحقيقية دون حسابات ولا قيود بين يافا وعمان، بعيدا عن جَدَل السياسة وتقسيمات الجغرافية.
آنذاك كنت مع عبد الرحمن منيف في الكلية العلمية الإسلامية في جبل عمان، ومعه كنت أستمع في بيته، بعد دوام المدرسة، إلى شجن حديث جدته العراقية التي هي بقدر حنينها إلى العراق، صارت جزءا من وجدان عمان، وكنت معه طيف ذاك الفتى الذي عاد به الزمن من "مقهى الشريف" بتوقيت الربع الأول من الألفية الثالثة، إلى وسط البلد أتسكع معه، مندهشاً من منظر البرتقال اليافاوي، الذي استقبله العمانيون ببهجة وفرح، وحنين إلى فلسطين المهددة بوعد غربي غريب لغرباء أعينهم على البحر والنهر وما بينهما ليحتلوه.
وارتحلت مع عبد الرحمن على خط الزمن، وقد صار روائياً مشهوراً بعيداً عن مدن الملح، لكنه لم يفقد نبض ذكرياته في عمان، ردّه وفاؤه إليها، في تسعينيات القرن الماضي، وبيده مخطوط على أُهبة النشر عَنْوَنه بـ “سيرة مدينة"، ومشينا معا إلى "مقهى السنترال"، وبي شوق لسبر سر كتابه الذي صارحني بأنه مزيج بين السيرة والرواية.
انشغل هو بشرب الشاي، وأنا سرحت بأرجيلتي مختلساً قراءة صفحات من مخطوطه الذي تفوح منه رائحة البرتقال. في هذه اللحظة، ينقلب الزمن، فأعود ومعي كاتب "عمان في الأربعينيات"، إلى وسط البلد، ليتجمع حولنا طلاب الكلية العلمية الإسلامية، والمطران، والعبدلية، مرحبين بزميلهم المعتق، وبأيديهم حبات من برتقال يافا جاء للتو إلى سوق عمان، اصطفوا حولنا، وضيفوا كل واحد منا حبّة برتقال، وأنا أكمل استنشاق رائحة صفحة من مخطوط "سيرة مدينة"، قارئا بصوت مرتفع لرواد "مقهى السنترال":
"من المشاهد المألوفة في عمان خلال فترة الأربعينيات: تلال البرتقال اليافاوي التي كانت تتكوم في سوق الخضار، وفي أمكنة عديدة أخرى، أثناء فصل الشتاء. فحين تصل الشاحنات من فلسطين، وتفرغ حمولتها من البرتقال، كان يفوح السوق بشذى رائحة لذيذة تولّد النشوة، كما اللون الأصفر الذهبي يغمر كل شيء. ورغم الكميات الهائلة التي تصل، فمن يرى مشهد المشترين –وكان البرتقال يباع بالعدد- يخيل إليه أن الناس لا يأكلون سوى البرتقال، خاصة وهم يحملون كميات كبيرة إلى بيوتهم. ومن ذكريات تلك الفترة أن الهدايا التي تُحمل إلى المرضى بشكل خاص حبّات البرتقال في غير موسمه. وفي مباريات الكرة، كان البرتقال يُوزّع على لاعبي الدرجة الأولى بعد الشوط الأول، وكان يُعتبر أهم من المشروبات الغازية.
أما النسوة، حين يذهبن إلى حمام السوق، فكُنّ يحملن معهن البرتقال كفاكهة أساسية، وربما وحيدة. ومن الكلمات المُبكّرة التي دخلت إلى لغة الأطفال، لكن لم تكتسب معنى واحداً أو واضحاً: كلمة "بيارة". حين تُذكر الكلمة تقترن بالبرتقال، ولا شيء غيره. أما كيف تكون "البيّارة"، ولماذا سُمّيت هكذا، فكل إنسان يعرف ولا يعرف في نفس الوقت".
يُكمل عبد الرحمن منيف كأس الشاي، وأكمل نفَسَ أرجيلتي، يحمل هو مخطوط "سيرة مدينة" ويمضي، بينما أتوجه من "مقهى السنترال"، إلى سوق الخضرة قرب المسجد الحسيني في عمان، أبحث عن حَبّة، ولو حَبة واحدة، من برتقال يافا!!

