- 6 تموز 2026
- مقابلة خاصة
بقلم: د. علي قليبو
الحياة حلمٌ يحلمنا، وما يتراءى لنا أنه الصدفة لا يخرج عن كونه المعرفة المستترة التي تختلج في أعماقنا لتتحول إلى قدر.
لم يكن لليابان أهمية في منظوري الفكري، فلم تكن سوى جزيرة نائية تغلفها هالة من الغموض، وحضارة بدت وكأن لا علاقة لها بشرقنا ولا بالغرب، ولم يكن لدي سوى شذرات انطباعية عنها. فلقد ذاع بين المثقفين صيت كتاب رولان بارت "إمبراطورية الإشارات"، وتهافتوا على مشاهدة أفلام أكيرا كوروساوا وياسوجيرو أوزو، وقراءة روايات يوكيو ميشيما، وخاصة رواية "المعبد الذهبي"، ولكنها كانت ومضات نورٍ تلوح خلف ستار من الغموض.
لقد كنتُ آنذاك منهمكاً في أبحاثي ودراساتي، متنقلاً بين نيويورك وفيلادلفيا وواشنطن؛ حيث كنتُ أقابل حيناً إسماعيل الفاروقي المفكر الاسلامي العروبي وتارةً روجر آلن، وتارةً أخرى ستانلي ليفي المختص بالفكر البنيوي، وذلك كله تحت إشراف أستاذي المصري عبد الحميد الزين، مستفسراً ومنقباً عن الهوية العربية الإسلامية التاريخية. فكان منظوري الأنثروبولوجي يرتكز على دراسة إنتاج المعرفة وتحديد آفاقها من خلال التبادل الثقافي، وسبر أهداف الحكيم في متن أعماله كافة؛ تلك التي سعت إلى إرساء خطابٍ إسلامي عربي في علاقة تعادلية تجمع بين الخطاب الإنساني الكلاسيكي الأوروبي وقوالبه الأدبية، وطرح المقومات الفكرية التي لطالما وقفت عائقاً أمام ترجمة كل ما يخص الأدب والفلسفة اليونانية إلى العربية، وإغفال المسرح اليوناني تاريخياً. وهو نفس الموقف الإقصائي الذي تعرضت له أعمال الحكيم; فلقد أغفل القراء والنقاد هذا البعد الفكري في قراءتهم له، فكانت هذه هي مظلمته الكبرى حين قابلته.
نَصِلُ إلى القاهرة، ومَن منا لا يعرفها قبل زيارتها؟ فالزمالك، ومصر الجديدة، والمعادي، ونادي الجزيرة، وغروبي، وميدان طلعت حرب، وميدان التحرير، والنيل، والأهرامات، كلها جزءٌ من جغرافيتنا الوجدانية؛ فلقد كانت عاصمة العرب الثقافية، وآخر معقلٍ للأصالة والعراقة علمياً وأدبياً وفنياً.
تخيل وقوفك وأنت تتنفس في المدينة، تستنشق تاريخها وعبقريتها الفذة؛ بدءاً من روايات نجيب محفوظ التي كشفت لنا ما يختلج في قلوب المصريين داخل المنازل خلف الأبواب الموصدة، وكتابات طه حسين، والعقاد، وزكي نجيب محمود، وإحسان عبد القدوس. يمتد هذا العبق وصولاً إلى روائع عظام المخرجين السينمائيين؛ كصلاح أبو سيف، وهنري بركات، ويوسف شاهين، وحلمي رفلة، ناهيك عن مواكب أساطين الطرب واللحن؛ من أم كلثوم، وعبد الوهاب، وفريد الأطرش، وعبد الحليم، وشادية، وفايزة، ونجاة، وصباح، ووردة، وبليغ، وسيد مكاوي. مَن منا لم تسكنه القاهرة قبل أن يسكنها؟
لم أشعر بالغربة في هذه المدينة العربية المفعمة نشاطاً وحيوية، بل غمرني شعورٌ عارمٌ بالانتماء المتجذر في هذا التراث الأدبي الفني. وفي طريقي لزيارة توفيق الحكيم، شعرت بقلبي يخفق جزعاً؛ خوفاً من الاصطدام بالواقع ومواجهة الأسطورة وجهاً لوجه.
وانتابني هاجسٌ مخيفٌ وشكٌ مريب، زاد من حدته ذلك الإكرام والتقدير العظيم الذي يحمله الشعب المصري لشخص توفيق الحكيم ومكانته الأسطورية في وجدانه؛ فلم يقبل بائع الزهور تقاضي ثمن الورد، ولا رضي سائق السيارة سداد أجرته؛ فلقد رأى الجميع صورتي على الصفحة الأولى التي كان قد نشرها زاهي حواس في الأهرام. وكأن بائع الزهور وسائق التاكسي تحولا فجأة من شاهدين عابرين على رحلتي، إلى مشاركين فاعلين يحملانني بحبّهما وإجلالهما حملاً إلى صومعته، رافضين تقاضي أي مقابل؛ بعد أن تحولتُ بفضل تلك الصورة إلى مرآة وعتبة لهذا الإجلال الشامل، وضيفاً على مصر وثقافتها وعمالقتها. فهل سيكون الحكيم الإنسان هو نفسه العملاق الأدبي؛ راهب الفكر وعدو المرأة؟
لا يقفُ هذا النص عند حدود الذكريات العابرة، بل يفتح نافذةً على لحظةٍ فارقة ساقني القدر إليها سَوقاً بعد تمنُّع؛ تمنُّعٍ جاء إشفاقاً على نفسي من خيبة الأمل، ومن أن يهوي الحكيم من الصرح الذي شيّدته له في مخيلتي. فكانت زيارتي لبرجه العاجي مشحونةً بالبِشر والوجل والرهبة الحادة؛ حيث تأرجحتْ أحاسيسي، وانبثقَ تيارٌ جارفٌ من الأفكار ألجمَ لساني وأنا في طريقي إليه، متأرجحاً بين غبطة اللقاء وخوف الارتطام بالواقع، في مشهدٍ ملؤه التوجس والمهابة. كنتُ أتقدّم والوجل يملؤني من أن يتصدع الصرح وتتلاشى هالة الجلال التي توّجته بها مخيلتي؛ فإذ بالإنسانِ أعظمَ من الخيال، وإذا بالواقعِ يفوقُ كلَّ التوقعات، وإذا بكلامه الشفاهي المباشر أبلغ مما قرأت، وإِذا بثقابةِ فكرهِ أَعْمَقُ مما أَدْرَكْت، وإِذا بآفاقِ معرفتهِ الموسوعيةِ أَوْسَعُ مما تَصَوَّرْت.
امتثلتُ بين يدي توفيق الحكيم الإنسان أرمقه بمهابةٍ وإجلال؛ فسادَ سكونٌ يعجّ بالأفكار، مما أضفى على الموقف غلالةً من الغموض. فانطلقنا بالكلام حيناً وصمتنا حيناً؛ حيث إن المعنى لا يتبدى مباشرةً، بل يتشكل عبر فجوات التلقي وحرارة الانصهار المعرفي. هناك وجدتني خارج الزمان في خضم الزمان، "بين بين"، لا هنا ولا هناك؛ فكان لقاءً فريدَ الطابعِ، يسمو ويحلق بعيداً عن شكليات الواقع. فرأيتُ نفسي مضطرباً حائراً، أرقب الإشارات من حيث تكمن آليات التفكير، ووجدتني أنجرف في تيارها نحو ذلك البعد الوجودي في عمق أعماقي؛ تلك اللحظة التي تتخلى فيها الذات عن وعيها الإدراكي النمطي، لتنصهر كينونتها في حتمية اللقاء المعرفي. فاستقرأنا متن نصوصه نستنطق ما بين السطور في لحظةٍ سرمدية؛ ففي حماسه، وشغفه، وسرعة بديهته وفطنته، ذابت السنين، وتلاشى الحاضر في الماضي، والواقع في الخيال؛ ليتبدى لي من خلاله شخصُ "محسن"؛ بطلُ روايته "عودة الروح".
لقد كانت الأطروحة دراسةً تفكيكية، تنهج منظور الفكر البنيوي في استقراء المنهاج الحضاري لإنتاج المعرفة؛ حيث أشرتُ فيها كيف أن آفاق المعرفة في حضارةٍ معينة ما هي إلا شبكةٌ مترابطةٌ من الأنساق الفكرية، محكمة البنية ومنغلقة على ذاتها، تعمل كمصفاةٍ لتفرض رقابةً ذاتيةً لامركزية؛ تحجب وتكشف، وتواري وتصطفي، وتغضّ وتهمش، لتكتسب عبر نقاط التقاء هذا النسق بعضُ المعطيات أهميةً قصوى، بينما تنتصب شبكة الأنساق كجدارٍ فاصلٍ يحجب معطيات أخرى تماماً، لتصبح بقعاً سوداء في فضاء الرؤية والمعرفة؛ فلا تراها العين ولا يدركها العقل البشري في خضم تلك العلاقات المعرفية. فالنسقُ الحضاري والخطابُ الثقافي في تلك الحضارة المعينة يحددان آفاق المعرفة، ويحددان ويوجهان صَوْبَ النظرة (Le Regard)؛ وتلك هي العلاقة الجدلية بين النظر وغض النظر، لتسقط المنظومة المعرفية في تلك الحضارة المعينة ما هو دخيلٌ وهجين.
إنَّ هذه الانتقائيةَ الحضاريةَ تعمل بصورةٍ بنيوية، غير مرئية وغير إرادية، أي تلقائية؛ كخط دفاعٍ لأي منظومة ثقافية. من هنا، كان مشروعُ الحكيم عبر أعماله الفنية كافة ضحيةً لهذه الانتقائية المتجذرة in بنية الخطاب العربي الإسلامي. بالرغم من حُسن استقبال الجمهور والنقاد والقراء لأعماله، ليكون أكثرَ الكتاب العرب انتشاراً ومبيعاً، إنه لم يُقرأ كما أراد، بل حُوِّرت نصوصه وحُرِّفت في إطار ذلك المنظور الانتقائي السائد؛ الذي عجز عن استيعاب محاولته لإرساء خطابٍ إنساني تعادلي يجمع بين الفكر الإسلامي والخطاب الأوروبي الإنساني في قوالبه الأدبية الغربية، مستلهماً من القرآن الكريم ومن الأدب الشعبي والفولكلور المعاصر؛ مثل "ألف ليلة وليلة" في مسرحياته: "شهرزاد"، و"أهل الكهف"، و"يا طالع الشجرة".
لعبت الصدفة دوراً كبيراً في كسر حاجز الإجلال والاحترام لتجعلنا في مصاف الأصدقاء؛ حيث شاءت الأقدار أن زوجتي "إلينا" ــ التي لم تكن قد أتقنت العربية بعد ــ كانت برفقتي، فلجأنا إلى الفرنسية لتصبح لغة الحوار. من هنا، جمعتنا مدرسة "الفرير"؛ هو في القاهرة وأنا في القدس، مما جعل الحديث يتدفق بألفة عابرة للأجيال؛ التقت القدس بالقاهرة تحت سقف مدرسة "الفرير" القديمة. ما إن شرعتُ بالحديث عن فحوى أطروحة الدكتوراه التي دارت حول منجزه ــ مبيناً أبعاد سوء الفهم المعرفي والثغرات في التبادل الثقافي التي كان ضحيتها ــ حتى لمعت عيناه، وعادت الحياة لتغمر كيانه مفعمةً بحيويةٍ عظيمة؛ تلاشت معها السنون فعاد شاباً.
بالرغم من شهرته الطاغية وكونه أكثر الكتاب العرب جماهيرية، إنَّ القراء والنقاد افتتنوا بشكل الرواية وحبكتها وشخصياتها، وأسقطوا هدفه الكامن بين السطور وخلف كل كلمة، والمتمثل في إرساء خطابٍ إنساني تعادلي تستند جذوره الكلاسيكية إلى القرآن والمجتمع والتراث الفولكلوري العربي من ناحية، في قالبٍ أوروبي مستحدث، ألا وهو الرواية والمسرح الأدبي؛ مردداً في دهشةٍ غامرة تنم عن سعادة وارتياح: "أخيراً قابلتُ مَن يفهمني!".
في غمرةِ هذا الانسجام، أفاض إليَّ بمعلومةٍ في غاية الأهمية؛ إذ أعلمني بأنه حين شرع في كتابة روايته "عودة الروح"، لم يكتب صفحاتها الأولى باللغة العربية، بل صاغ المئة صفحة الأولى منها بالكامل باللغة الفرنسية، مستغرقاً في قوالب الرواية الغربية. لكنه أحسَّ بأهمية خطوته الريادية، وأدرك أن اللسان الفرنسي يتناقض مع البنية الوجدانية العميقة للمجتمع المصري؛ فبرز وتصاعد واجبه الوطني، وأرشده شعوره بالانتماء القومي فعكف على ترجمتها لتكون أول رواية عربية معاصرة. في سياق حديثنا الذي امتد لسبع ساعات متواصلة ــ كانت من أعظم لحظات عمري ــ استفضتُ بالكلام عن رؤيتي في أطروحة الدكتوراه؛ مبيناً علاقة مشروعه الفلسفي وارتباط أفكاره، تلك التي نتبينها في متن مؤلفاته من كتبٍ، ورسائلَ، ومقدماتِ مسرحياتٍ، ومقالاتٍ، بعلم الإنسان الحضاري من ناحية، وبوصف مشروعِه جسراً يربط الخطاب الإنساني الكلاسيكي الغربي بالخطاب الإنساني الإسلامي العربي في قالبٍ تعادليٍّ من ناحيةٍ أخرى. مستنداً في ذلك إلى روائعه: "عصفور من الشرق"، و"يوميات نائب في الأرياف"، و"سجن العمر"، و"زهرة العمر"، و"عودة الروح"، ومقوماته المسرحية في "الملك أوديب"، و"شهرزاد"، و"أهل الكهف"؛ بوصفها نقاط ثقلٍ فلسفي أنثروبولوجي النزعة، حيث تتجلى نظرته التأملية للثقافة العربية في مواجهة قوالب الحضارة الأوروبية الفلسفية. مرّ الوقت سريعاً كسرعة البرق ننتقل من موضوعٍ إلى آخر في انسيابٍ متناغم تتابعاً مع تداعي أفكارنا، لتتجه المقابلة نحو تقارب الحضارات والتبادل الثقافي.
تماهتْ أفكارنا، وتوقفنا ملياً حول وظيفة الرمز ــ في "يوميات نائب في الأرياف" تحديداً ــ حيث يرى الحكيم أنه "اللاشيء" الذي يُشيّد عليه كل شيء في حياتنا الآدمية؛ فهو حيزٌ غير مادي، وجودٌ يكمن شرط تحققه المعنوي والاجتماعي في غيابه الفيزيائي، تماماً كشأن وظيفة "الصفر" في الرياضيات. الصفر يمثّل حضوراً للغياب، وهو في المجتمع الإنساني ذلك الرابطُ البنيوي بين الصوت واللون ودلالاتهما. من هنا تأخذ دلالة الشيء منحنًى بالغ الأهمية، ألا وهو القدرة على إطلاق الأسماء على الأشياء؛ تلك هي وظيفة العقل البشري الرمزية، وهي أساس الدراسات الأنثروبولوجية. لكل حضارة إشاراتها، ولكل مجتمع رموزه التي تتشكل على محاورها الهوية الحضارية. من خلال هذه المنظومة من النسق المشحونة بالمعنى، ليُشكّل بنية كل شيء مادي من صوتٍ، وإيماءةٍ، وتقنيةٍ، ومعرفةٍ متناقلة؛ وصولاً إلى إمبراطوريةٍ من الإشارات والرموز تتكون من دالٍ ومدلول، أو مشيرٍ ومشارٍ إليه مشحونٍ بالمعنى، يخرج الإنسان من طور الوجود الطبيعي السليقي إلى طور الوجود الاجتماعي المأهول بالوعي، لينسج نظام اتصالٍ محكم التركيب؛ عبارة عن مجموعة من الإشارات المتشاركة التي تشكل المظهر الثقافي الحضاري. بذلك، جاءت خطوة الحكيم الريادية متوافقةً تماماً مع الأفكار البنيوية في علم الإنسان، الذي كان من أهم رواده كلود ليفي ستروس؛ ومن رحم مدرسته الفكرية انبثقت أطروحات جاك دريدا، وجاك لاكان، وميشيل فوكو، ولويس ألتوسير، ويورغن هابرماس.
استمرَّ الكلامُ ينسابُ بيننا سجالاً، ننتقلُ من موضوعٍ إلى آخر حتى وصلنا إلى اليابان؛ هنا توقّفَ الكلام، وتناهى إلى سمعي صوتهُ يقترحُ عليَّ أن أكتبَ له رسائلَ من طوكيو تشرحُ المعجزةَ اليابانية. لم يكن طلبُ الحكيم مجرد فكرةٍ عابر، بل كان مفاجأةً غير متوقعة. في نظره، لم أعد مجرد تلميذٍ مجتهد وقارئٍ معجب، بل نداً في مصاف صديقه "أندريه" الذي كان يراسله في كتاب "زهرة العمر"، وداخل حبكته ومخيلته الفنية. شرعتُ تلقائياً في تنظيم رسائلي توافقاً مع تدريبي الأكاديمي الصرف، كاشفاً عن تضافر مختلف الظواهر الاجتماعية، والدينية، والأخلاقية، والجمالية، والاقتصادية في إنتاج المعجزة اليابانية. صدفةٌ وأي صدفة! انطلقت بي من الحاضر إلى المستقبل.
غادرتُ طوكيو إلى نيويورك؛ حيث أتممتُ رسالة الدكتوراه، وعكفتُ أثناءها على المزيد من الأبحاث وتحوير الرسائل إلى كتابٍ عن الحضارة اليابانية. قضيتُ هناك حولين على صياغتها وتحديث معلوماتها، انتقلتُ بعدئذٍ إلى لشبونة حيث قضيتُ حولاً أُحقّق في ديباجتها البيانية والبلاغية حتى استوت المخطوطة. عدتُ إثرها إلى القاهرة وأقمتُ بالمهندسين؛ حيث قضيتُ حولاً آخر أقمتُ خلاله معرضاً للوحاتي التشكيلية في متحف محمود خليل بالزمالك.
في الزمالك كنتُ أقابلُ بصورةٍ يومية المحرر أحمد حسن في دار الآداب بميدان الأوبرا، ندقق في كل كلمة وفي كل جملة، مع الناشر الذي اصطفاه ورشحه لي توفيق الحكيم نفسه لينهض بنشره. مغامرةٌ وأيُّ مغامرة لشخصٍ نشأ في زقاق القدس القديمة وعقباتها، في جوٍّ روحانيٍّ دينيٍّ حيث يتعانق الهلال والصليب! في هذا الإطار الفكري، ولد كتابي الأول "أسرار اليابان"، وتلاه كتابي الثاني "هواجس فلسطينية في ظل الانتفاضة"، الذي تُرجم إلى الإنجليزية والألمانية؛ وفي غمرة هذا العمل المشترك، أُصيبَ الأديبُ الكبير بوعكةٍ صحية حادة، ليمضي لسبيله ويغادر عالمنا.
توالت الصدفُ لتجعلَ كلَّ خطوةٍ تقربني من تحقيق ذاتي.
بانتظار نشر الكتاب، رجعتُ إلى مسقط رأسي؛ تعصفُ الانتفاضةُ الأولى بأرجاء فلسطين. أمام هذا التحول الوجودي والتاريخي الحاسِم، وتدفق الأحاسيس الوطنية العارمة، قررتُ الاستقرار في قدسي الحبيب، والتحقتُ بالعمل في جامعة بيت لحم. انصببتُ على دراسة الهوية الفلسطينية ومقوماتها، مطوراً منهاجي الذي رسمتُ خطاه في دراستي عن اليابان، ودارساً منقباً متناولاً مختلف الجوانب التاريخية، والدينية، والفكرية، والاقتصادية الضاربة في القدم، وممتدةً من أجدادنا النطوفيين والعموريين حتى مساء النكبة.
توالت كتبي تباعاً على صفحات المجلات والدوريات، وصدر عددٌ من الكتب تخللها إقامة معارض عديدة في غزة وبيت لحم وأريحا والقدس، تتوسط بين أسلوبي التأملي والتحليلي؛ أرسمُ حيناً وأكتبُ احيانا اخرى.
لم أعد أرى فلسطين أطلالاً مندرسة، بل غدا الحجرُ والزيتونةُ والمقامات والقرى والقباب والقدس في لوحاتي وصوري نصوصاً وثائقية صامدةً في وجه المحو، يرافقها فيضٌ من الدراسات الميدانية الإثنوغرافية.
اليوم، وبناءً على طلب أحد القراء الذي رغب في أن أكتب عن المقابلة مع توفيق الحكيم، أسترجعُ تلك اللحظة الحاسمة في حضرة الإنسان الأسطورة؛ ذلك الحدث المهيب الذي شكل منعطفا فيصلياً، انقشعت عبره الغمامة وتجلّتْ عن مولدي كاتباً وفناناً.

