• 27 تموز 2026
  • مقابلة خاصة

 

 

بقلم: د. علي قليبو

 

"مش كل من صف صواني صار حلواني". عبارةٌ شعبية بليغة وضاربة في عمق الوعي الثقافي، تختزل اليوم—بأعلى درجات التكثيف الدلالي—الولع المعاصر والادعاء الزائف بالمعرفة، يرافقهما انكبابٌ غير مسبوق على استعمال المنظومة الرقمية التصفيفية  في منصات التواصل الاجتماعي. إن المتأمل في هذا المشهد الثقافي الفلسطيني الافتراضي يرى أدعياء الفن، ومدعي الفكر، وثلة من الباحثين في التاريخ، يقتحمون الميادين المعرفية بيسرٍ مفرط وانتحالٍ مكشوف عبر أدوات الذكاء الاصطناعي ليتصدروا المشهد الثقافي والإنتاج الفكري المعاصر؛ وسيان كان خطابهم المتداول سياسياً، اقتصادياً، ثقافياً، دينياً، أم مجرد خواطر عابرة من مصورين ومخرجي أفلام اثنوجرافية تجميلية يفتقرون للأصالة، والذين انبروا جميعاً للدفاع عن الهوية الفلسطينية والتراث العريق، ملتفين حول مسمى وشعار "حراس الذاكرة".

إنه ظلمٌ—وأي ظلم—وقهرٌ وجودي يدمي الفؤاد! ففي هذا الإطار الاستعماري الدامي؛ حيث يتوهم المحتلون أن الفلسطينيين سيختفون كلياً من الوجود الجغرافي والسياسي لتصبح المقولة الصهيونية التأسيسية الزائفة "أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض" واقعاً ملموساً، انبثق في المقابل خطاب حراس الذاكرة الفلسطينية، وتعددت الأنساق المعرفية والإبداعية التي يبرز كل منها حقنا التاريخي الأصيل في أرض الأجداد.

إن هذا الإقبال على الكتابة والنشر الرقمي في المشهد الفلسطيني الراهن لا يخرج في جوهره عن كونه "انتفاضة معلوماتية ثورية تناهض مخططات التهجير وحرب الإبادة والقمع الإسرائيلي"، وهبّة شعبية جديدة تتشكل في واقعٍ رقمي خوارزمي عبر الفضاء السيبراني. وفي هذا الفضاء، لم يعد الذكاء الاصطناعي والمنظومة الرقمية مجرد أدوات تقنية لنقل المعاناة الصامتة، بل تحولا إلى إشكالية معرفية كبرى؛ إذ تنقل هذه الشبكات المعرفة وصناعة القرار إلى الوعي الإدراكي اللحظي الجماعي المشترك، حيث لم يعد المستخدم متلقياً فحسب بل مرسلاً يصنع الخبر ويتفاعل معه خوارزمياً في اللحظة ذاتها.

بيدَ أنَّ هذه الهبّة الثورية والانتفاضة المعلوماتية تجد نفسها اليوم فريسةً يطبق عليها فكّا الذكاء الاصطناعي؛ ليُجهز عليها بنعومة سيبرانية تبدو في ظاهرها تجميلية خادعة، بينما تعمل في الواقع على طمس معاناة الفلسطيني من تشريد، وتنكيل، وتدمير شامل للبنى التحتية. وعبر هذا الإقصاء من التداول الرقمي والحجب التقني المبرمج للمحتوى، يستحيل الخطاب الثقافي بكل صوره إلى حلمٍ رومانسيٍّ منفصمٍ عن الواقع المرير عن "الفردوس المفقود"؛ وهو "الإرجاء البنيوي" المصمَّم سلفاً للقضاء على جذوة أي مقاومة أو حراك وطني، ليتحول كل فعل رقمي غير مسيس وغير واعٍ إلى أداة طيعة للرقابة، تجرد الواقع من فاجعته الحية الحارقة، وتطبع الحياة الإنسانية مع ألم الإبادة اليومي المستمر.

ومن المنظور الأنثروبولوجي، لا تخرج الاستخدامات الرقمية اليومية في جوهرها عن شعائر اجتماعية نمطية، ما أشبهها في ظاهرها بانتفاضة شعبية تلقائية، لكنها في العمق محاولة لكسر طوق الحصار الرقابي الذي يقمع به الكيان الصهيوني كافة معالم الهوية الفلسطينية التاريخية والتراثية؛ لتفرّج عما يستعر في الصدور من غضبٍ عارم وامتعاضٍ وجدانيٍّ حادٍّ، جراء سطوة الاستعمار الإحلالي الذي يسعى بلا هوادة لـ اقتلاع الفلسطينيين من جغرافيتهم التاريخية عبر التهجير القسري تارةً، والإبادة الجماعية تارة أخرى، وعبر سياسة تقويض البنية التحتية؛ من حرق الحقول المثمرة، واقتلاع أشجار الزيتون المعمرة، وتدمير المنازل الآمنة، وإيقاع أشد أنواع الظلم بالعباد، لمجرد أن المحتل الغاشم يستطيع فعل ما يشاء بلا رقيب ولا حسيب.

بالرغم من بذل حراس الذاكرة جلّ وسعهم من بحثٍ وترحالٍ ودراسةٍ وإبحارٍ موسوعيٍّ، متناولين مختلف جوانب التاريخ الجغرافي للقرى المهجرة والتحليل الاجتماعي للهوية الفلسطينية، إلا أن جهادهم الوطني سرعان ما يقع ضحيةً في براثن المنظومة الإقصائية؛ حيث إن بنية الجهاز الرقمي ترصد وتحجب وتواري كافة معالم القضية، فهي منظومة استعمارية رقابية بامتياز، تتعرض فيها جميع المنشورات لرقابة مشدّدة تفرز في نهاية المطاف نسقاً مسخاً يحاكي في تصاميمها الآلية التصفيف المزيف والتجميل السيبراني عبر آليات "التصفيف المعلب". وهي آلية لسانية ميكانيكية تتصف بالتكرار، والحياد البارد، والحشو اللفظي الجاف، لصب النصوص والصور في قالب واحد يخلو تماماً من نبض الحياة والتعرجات النفسية والوجودية. رغم أن تلك المنشورات صِيغت من قبل حراس الذاكرة كدفاعٍ عن الذاكرة التاريخية والتراثية؛ إلا أنها غدت عُرضةً لطمس معالمها، وتُشطب وتُمحى منهجياً عبر أدوات الحجب السيبراني والتغبيش الخوارزمي الموجه. إن حراس الذاكرة اليوم في موقف لا يحسدون عليه؛ فتباً لهم إن كتبوا، وتباً لهم إن لم يشاركوا في نشر السردية الفلسطينية عبر الذكاء الاصطناعي الاستعماري؛ إنه شَرَكٌ—وأي شَرَك!

لقد بات هذا الهروب من الإحساس بالقهر، النابع من واقع الاحتلال المرير، ملاذاً للتملص من مواجهة الهيمنة الإسرائيلية الجاثمة والقاهرة لجغرافيا وإنسان فلسطين من جهة، ومخاض التفكير والمعاناة من جهة أخرى، وذلك عبر الالتجاء إلى الذكاء الاصطناعي، حيث يجد المستخدمون الطمأنينة والأمان في أحضانه؛ في مفارقةٍ تفصل بوضوح بين الهزيمة أمام الواقع السياسي، والانكفاء عن الالتزام الإبداعي والمعرفي.

في هذا الإطار السيبراني، تخضع الكلمة والصورة—في حتمية بنيوية لا مفر منها—لإجراءات الآلة الرقمية؛ لينصهرا معاً في مصفوفات رقمية خوارزمية تسطّح المعنى وتطمسه وتحجبه عبر "التبييض السيبراني" الذي وجد بيئة مواتية في السردية الفلسطينية الانتقائية؛ فلقد حُوّرت الهوية، وبُوّبت جزيئاتها، وجُرّدت إلى أيقوناتٍ صامتة، في عملية سلبٍ ممنهجة تحرم تلك الرموز الفلسطينية من صوتها النضالي وتحولها إلى مجرد ديكور؛ بدءاً من مفتاح العودة، والتطريز، والدبكة، والطابون، وصولاً إلى الحصاد والجد والجدة. ويعتمد هذا التزييف البصري على تفريغ دلالي وسياسي متعمد للرموز الثقافية، كالكوفية وثوب التطريز، من حمولتها المرتبطة بالوطن، والتاريخ، والصراع اليومي للبقاء في أرض الأجداد؛ إذ تُعزل الخلفية المادية المحيطة بها من حواجز عسكرية، وجدران فصل، ومستوطنات جاثمة، لتستحيل تلك الرموز مجرد فلكلور عائم في الفراغ. كما تتحول القرية الفلسطينية بأحواشها، وحظائرها، وأزقتها، وقبابها في الفنون الجميلة واللوحات التشكيلية والمقاطع المرئية إلى مجرد محاكاة مفرغة تثير إحساساً جمالياً واهياً بـ "أيام الخير"؛ ليفضح ذلك كيف يعمل الاستلاب كأداة لمحو شواهد الجريمة المستمرة والتهجير، وإخفاء دمار الماضي الأليم وتلطيفه عبر "المحو التقني وتلوين الفجيعة"؛ حيث تُوظف برمجيات التعديل البصري وهندسة الصور لتلوين التراث وتحويل قبح المجازر الواقعية الحارقة إلى قوالب نمطية محسنة جمالياً ومطهّرة خوارزمياً تقتل الوعي وتطبع التعايش مع الاستعمار.

انّ المفارقة الصادمة تكمن في انبهار المتلقي العربي والفلسطيني بتدفق هذا النص الميكانيكي المنمق وتلك اللغة البصرية المبهرة، دون إدراك لعملية "التبييض السيبراني الممنهج" التي تطمس الألم الفلسطيني الصرف، وتلطفه تحت ستارٍ كثيف من الكلمات الشاعرية والجماليات الزائفة؛ محققةً اغتيالاً هادئاً وممنهجاً للشخصية الوطنية وتجربتها النضالية الحقيقية، ومستبدلةً المقومات الثورية الأصيلة بذاكرة اصطناعية هشة، قابلة للتعديل والمسح بضغطة زر واحدة. وهنا تجري مصادرة الصراع الوجودي من الحقول، والمخيمات، ومكامن الوجع، ليصبح مجرد خلاف تقني حول سياسات النشر وما يُسمى "خطاب الكراهية" الافتراضي؛ ليرتد الخطاب الإبداعي الفلسطيني إلى مصنع للمظاهر الرقمية التي تفرغ العلاقات الإنسانية والنضال الحي من بعده الوجودي، وتحوله إلى سلعة معروضة تستهلكها نرجسية المشاهدة الفورية دون أدنى التزام أخلاقي. تعكس هذه الغواية ارتماءً طوعياً خلف شراك خوارزمية تمنح المستخدم وهم الإحاطة المطلقة والمعرفة الفورية المعلبة؛ حيث تبرز جدلية العلاقة بين المستخدم والغريم السيبراني في اختطاف الآلة لخطاب الحزن والبكائيات؛ إذ التقط هذا الانحياز السيبراني الحنين العفوي، وأعاد هندسته وصبه في قوالب نمطية تفضي في نهاية المطاف إلى "تطبيع الجرح الفلسطيني".

وهكذا، يُختزل وجود الهوية الفلسطينية في تفاصيل مجردة من الحياة، حُصرت في نمط الحياة الريفية؛ حيث جرى غض الطرف عن الهوية الحضرية العريقة ومعالم عاداتها وتقاليدها المدنية الحية في القدس، وغزة، ونابلس، وجنين، والخليل، وعكا، وحيفا، والمجدل، وطُمست كلياً في مصفوفات التقنية. وتعدى هذا الإقصاء ليتعمد تغييب البدو؛ فحُجب وجود القبائل السبعاوية في بئر السبع والنقب، وعرب الصبيح وعرب الشميلات في مضاربهم حول جبل الطور (طابور) وأراضي الشجرة في الجليل والشمال، والامتداد البدوي لـ عشائر الغوارنة في قرى الخالصة والدّوّارة والخصاص بحوض الحولة وبيسان، وتجمعات بدو الساحل من عرب السويركي في سكنات البدو حول يافا وعرب السلايمة في اللد والرملة وإسدود. إن هذا التغييب المبرمج يكشف عجز الآلة وما يمكن تسميته بـ "الانحياز الخوارزمي المزدوج"؛ وهو الأسر المعرفي النمطي الناتج عن عجز مصفوفات الذكاء الاصطناعي كلياً عن محاكاة واستيعاب التاريخ المدني المعقد بحواضره وباديته، واقتصار معادلاتها الرياضية على تسليع النمط الريفي الجذاب بصرياً، وهو عجز يستمد قوته من نكوص الباحثين محلياً عن خوض معركة السيادة المعرفية.

فلقد طُمس وجود هذه البادية والانتشار القبلي في أرجاء فلسطين منذ فجر التاريخ، وعُزلت عاداتهم وتقاليدهم؛ في حين أننا نتحدث هنا عن النبض الحي لهويةٍ تتشابك في تقاطعات نسيج اجتماعيٍّ يربط—بصورةٍ عضوية—التاجر والـحِرفي في القدس ويافا والمجدل، بالفلاح في جنين ونابلس، بالبدوي في بئر السبع والحولة والجليل؛ عِوضاً عن تحويل هذا التاريخ الحي إلى متحفٍ مشرذمٍ من نثريات تستمد قيمتها من ذكريات ومشاعر رومانسيّة حالمة، تكشف عن الهروب من مواجهة النزيف الحقيقي، وتواري الإبادة وآلام النكبة المعاشة، وهو ما يحاكي تماماً بنية الفلكلور المنسلخ عن سياقه الاجتماعي والتاريخي.

وما لا يمكن إغفاله في هذا السياق هو بلوغ الاستلاب الآلي الرقمي ذروته؛ إذ تُصهر فواجع النكبة والنكسة ومجازر غزة المستمرة، والتشريد في النقب والضفة والقدس، لتُعاد هندسة المأساة داخل فضاء رقمي يحيلها إلى سرديات حنين مبرمجة آلياً، نتبينها في المقاطع المرئية والصور، أو في تلك المقالات التي تصف مشوار الحياة من النكسة إلى الحاضر الأليم برفقة الوالد والجد؛ وعلى هذا النحو تتوالى رومانسيات الحنين إلى ماضٍ جميل ملفق بلاغياً وبصرياً، كصورة الأب الرؤوم الذي يعمل في الحقل ويُكبّر، أو وهم يرقصون الدبكة في إطار جمالي منمق ومصطنع. وينكشف هذا المنزلق بوضوح في زمن "ما بعد هجرة العقول الفلسطينية"؛ حيث يقع القارئ العربي والفلسطيني في حبائل تخدير جمالي يمنحه نصاً مفرغاً من المضمون الثوري، ومستلباً للحنين الأبوي الصادق ليحوله إلى مجرد بضاعة رقمية تُستعرض كرحلة شجية إلى الصبا المفقود. إن هذا التراجع يحيل الخطاب الوطني المعاصر إلى ما يشبه الوقوف على الأطلال على نسق الشعر الجاهلي؛ حيث يقف حراس الذاكرة أمام شاشاتهم الافتراضية ليبكوا أمجاد الماضي وجماليات الديار السليبة، مستعيضين بالبكائيات الرقمية عن الاشتباك الفعلي الحارق مع الحاضر. إن هذا التركيز الاستعراضي يُسقط التاريخ بكل جراحه وويلاته المادية، ليحصر الذاكرة الجمعية في حلم ماضٍ جميل يشتغل كمخدر وجداني يدجن الوعي لتبييض الواقع الاستعماري، وجعل الحياة مقبولة، مستبدلاً الكلمة الحرة الفاعلة بأداة تقنية للتطبيع مع الأمر الواقع تحت وطأة الاحتلال، طامساً آثار الجريمة وندوبها الوجدانية والتاريخية الفريدة التي تشهد على حقيقة التجربة، ومحدثاً حالة من "البينية الوجودية" تمر بها الثقافة نتيجة تفريغ الجغرافيا من طاقاتها الحية بفعل الشتات، ليعيد الأدعياء صياغة الهوية بلا روح.

يواجه حراس الذاكرة في اعتمادهم الذكاء الاصطناعي معضلة وجودية حرجة؛ إذ تحاصرهـم موازين القوى الرقمية كأداة قمع استعماري، حيث لا تعد المنصات فضاءً محايداً بل مؤسسات استعمارية بامتياز تنحاز لتثبيت موازين القوى. إنه المأزق التناقضي الحرج؛ فتباً لهم إن فعلوا، وسحقاً لهم إن اعتكفوا! وهنا تكمن المجازفة والمغامرة؛ حيث يُقمع الجهاد والنضال الوطني من أجل الحفاظ على الهوية الفلسطينية بتفاصيلها؛ فعدم استخدام التقنية يترك الفضاء الرقمي لهيمنة الرواية الصهيونية، بينما استخدامها يعني الخضوع القسري لقوانين الآلة ولنسقها الرياضي كامتدادٍ للقمع الاستعماري الذي يغلق الخيارات ويستدرج الفرد لتفكر الآلة مكانه، مقصيةً هويته الحية ومستبدلةً إياها بآلية "الاستلاب الفكري"، ومحوّلةً المحاكاة الرقمية إلى ذاكرة جماعية نمطية. وبناءً عليه، يفرض هذا الغريم السيبراني سطوته عبر "الاستعمار الداخلي للفكر وتدجين الذات"؛ حيث تتغلغل السلطة الشبكية في ميكانيكية التفكير وتدفع الفلسطيني للتحول إلى رقيب مبرمج على ذاته، يقيد أفكاره وصوته طوعاً تماشياً مع معايير المنصات، وبما يحول الفضاء الرقمي إلى مرصد مراقبة خفي للوعي واللاشعور، لتغدو آلة هيمنة مطلقة تُفرغ الرمز من منبع الوجع، صانعة سرديات حنين بديلة تلغي حتمية الصراع.

وتتعدى الخطورة الوجودية لهذا الإحلال الخوارزمي تزييف الذاكرة إلى دفع المتلقي نحو الرضوخ للأمر الواقع كحتمية تكنولوجية تُعلّب المأساة داخل قوالب بهجة مصطنعة؛ ومن ثمَّ، يجري تطبيع ناعم مع البنية الاستعمارية يستبدل الوعي الثوري بوعي استهلاكي يرى في الجهاد اليومي للبقاء في أرض الأجداد—بالرغم من عاصفة التهجير والحملات الصهيونية المسعورة—مجرد خلفية جمالية عابرة. إذ يسعى هذا الترويض الرقمي إلى تحويل الرفض الوجودي إلى تكيف وتكامل يشرعن استدامة الاستعمار، ويُحيل النضال الميداني إلى معايشة افتراضية حيادية فاقدة لإرادة الفعل، مما يُعري كيف يُراد لفلسفة المقاومة الحية أن تذوب في الفضاءات الرقمية، ويُكرس المفارقة بين الفعل المقاوم على الأرض والحياد البارد للمنصات الرقمية. وهن يبرز مرة أخرى دور حراس الذاكرة؛ فبالرغم من العقبات التي تنصبها في طريقهم إجراءات التزييف، والطمس، والشطب، والإقصاء الآلي، فإن تواترهم دفعات دفعات وبصورة متوالية يخلق تدفقاً معلوماتياً يغرق الفضاء السيبراني، ويُبقي بصيصاً من الأمل يتابعه المختصون، والخبراء، وأصحاب التجربة الأكاديمية والعلمية والكتابية، مع إلمام تام بالعقبات التي يشكلها النظام الترقيمي الإقصائي وهو يتربص بنا ويحيق بكل كلمة وصورة ننشرها عبر المنظومة الرقمية؛ وهنا، وفي هذا الفضاء السيبراني، ينتقل النضال الفلسطيني مجدداً لإعلاء الحق، بعد أن أطبق الاستعمار بأنيابه على الفلسطينيين العزل عبر حرب الإبادة، وحرق المنازل، وتدمير وجرف البنية التحتية، وتصفية مخيمات اللجوء، وتفريغ فلسطين من الفلسطينيين تحقيقاً للحلم الصهيوني "أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض"؛ إنه سرابٌ—وأي سراب!