• 31 تموز 2026
  • مقابلة خاصة

 

بقلم : ا.د. أماني غازي جرار*

 

 ليست كل المدن تُولد على الأرض؛ فبعضها يُولد أولاً في الوعي، ثم تنشأ الجغرافيا حوله. وهناك مدنٌ يسكنها الناس، ومدنٌ تسكن الناس، غير أن القدس تنتمي إلى مرتبةٍ أخرى؛ فهي لا تسكن الذاكرة وحدها، بل تبدو وكأنها الذاكرة نفسها، ولا تقيم في التاريخ، بل يقيم التاريخ في طبقاتها المتراكمة كما تقيم الحلقات في جذع شجرةٍ عتيقة شهدت تعاقب الفصول ولم تفقد سرَّ الحياة. إنها ليست نقطةً على الخريطة، وإنما نقطةُ البدء في رحلة الإنسان للبحث عن المعنى، حيث يلتقي الحجر بالفكرة، والزمن بالأبدية، والسماء بالأرض، في مشهدٍ يجعل المكان يتجاوز مادته ليغدو لغةً حضاريةً تقرأ بها الإنسانية سيرتها الأولى.

وحين نتأمل القدس، لا بوصفها مدينةً أو عاصمةً أو رمزاً سياسياً، بل بوصفها ظاهرةً فلسفية، ندرك أن السؤال الحقيقي ليس: متى بدأ تاريخها؟ بل: متى بدأ الإنسان يحمّل المكان معنىً يتجاوز السكن إلى الانتماء، ويتجاوز العمران إلى القيم، ويتجاوز الحدود إلى الضمير؟ فالمدن تُشيَّد بالحجارة، أما القدس فقد شُيّدت عبر آلاف السنين بالأسئلة الكبرى التي رافقت الإنسان وهو يبحث عن العدالة، والحق، والحرية، والرجاء، وعن موقعه بين التراب الذي خُلق منه، والسماء التي ظل يرفع إليها بصره كلما ضاقت به الأرض.

ولعل سرَّ خلود القدس أنها لم تكن يوماً مدينةً تُختزل في حقبةٍ تاريخية أو حضارةٍ بعينها، بل كانت فضاءً تتقاطع فيه الأزمنة، حتى بدا الماضي فيها مستقبلاً لم يكتمل، وبدا المستقبل استعادةً لمعنى قديم لم يفقد حضوره. ولهذا، فإن الكتابة عن القدس ليست استعادةً لوقائع التاريخ، بل محاولةٌ للاقتراب من السؤال الأول الذي سبق التاريخ نفسه: كيف تحوّل المكان إلى رسالة، وكيف أصبحت المدينة مرآةً يرى الإنسان فيها صورته الأخلاقية قبل أن يرى ملامحه الجغرافية؟ ربما لهذا السبب تبدو القدس وكأنها المكان الوحيد الذي لم يبدأ مع الزمن، بل بدأ معه معنى الزمن، ولم يكن التاريخ هو الذي منحها خلودها، بل كانت هي التي منحت التاريخ أحد أعمق معانيه.

وتشغل القدس مكانةً استثنائية في وجدان صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال المعظم، إذ لا ينظر إليها بوصفها مدينةً تُختزل في حدود الجغرافيا أو في تعقيدات السياسة، بل باعتبارها ضميراً حضارياً نابضاً، وذاكرةً إنسانيةً تحفظ القيم التي قامت عليها رسالة الإنسان في هذه الأرض. فالقدس، في مشروعه الفكري، ليست مجرد معلمٍ تاريخي أو رمزٍ ديني، وإنما فكرةٌ كبرى تختبر معنى العدالة، والكرامة، والتعدد، والعيش المشترك. ولهذا، يؤكد سموه أن حماية القدس تبدأ بحماية الإنسان المقدسي، وصون كرامته، وتعزيز صموده، لأن الإنسان هو الحارس الأول للمكان، والذاكرة الحية التي تمنح الحجر معناه. ومن هذا المنطلق، يدعو سموه إلى أن تبقى القدس منارةً للحوار، وجسراً بين الثقافات، ونموذجاً للعيش المشترك، لا ساحةً لإنتاج الكراهية والانقسام. إنها، في رؤيته الحضارية، ليست قضية شعبٍ وحده، بل قضية ضميرٍ عالمي، لأن المدينة التي احتضنت رسالات السماء لا يمكن أن تؤدي رسالتها الإنسانية إلا إذا بقيت فضاءً للعدالة، والرحمة، والكرامة الإنسانية، وحاضنةً للأمل الذي يسمو على الألم، وللمعنى الذي ينتصر على كل محاولات الطمس والتغييب.

هناك مدنٌ يكتبها التاريخ، ومدنٌ تصنع التاريخ، غير أن القدس تنتمي إلى مرتبةٍ أسمى؛ فهي ليست شاهدةً على تعاقب الأزمنة، بل المعيار الذي تُقاس به صدقية التاريخ نفسه. فمن يقف أمام القدس لا يقرأ صفحات الماضي فحسب، بل يقرأ ضمير الإنسانية وهي تتشكل عبر آلاف السنين. ولذلك، لم تكن المدينة يوماً مجرد وعاءٍ للأحداث، بل كانت الفكرة التي منحت الأحداث معناها، والمكان الذي اختبرت فيه الحضارات قدرتها على الارتقاء إلى مستوى الإنسان، أو السقوط دونه.

وفي القدس، يبدو الزمن وكأنه تحرر من قوانينه المألوفة. فهو لا يمضي إلى الأمام كما في سائر المدن، بل يتراكم فوق نفسه، حتى يصبح الماضي حاضراً نابضاً، ويغدو الحاضر امتداداً لذاكرةٍ لا تنتهي. هناك، لا تنفصل الأزمنة بعضها عن بعض؛ فالخطوات التي تعبر أزقتها اليوم تعانق خطى الذين مروا بها قبل آلاف الأعوام، وكأن المدينة اختارت أن تحفظ الزمن بدلاً من أن تستهلكه. ولهذا، فإن من يدخل القدس لا يشعر بأنه ينتقل من مكانٍ إلى آخر، بل من طبقةٍ في التاريخ إلى طبقةٍ أخرى، حتى يدرك أن الزمن في هذه المدينة ليس تعاقباً، وإنما تراكمٌ للمعنى.

ولعل هذا هو سرُّ خلودها؛ فالقدس لم تكن مدينةً مغلقة على حضارةٍ واحدة، ولا وقفاً على ذاكرة شعبٍ واحد، بل كانت فضاءً رحباً عبرت إليه الشعوب، وحملت إليه ثقافاتها، وتركت على حجارتها آثارها، ثم رحلت، بينما بقيت المدينة أكبر من الجميع. إنها لا ترفض أحداً لأنه مختلف، وإنما تقاوم كل محاولةٍ لاحتكار حقيقتها أو اختزال رسالتها. فالقدس لا تخشى التنوع، لأنها بُنيت عليه، لكنها ترفض الزيف الذي يحاول أن يمحو طبقات ذاكرتها، أو أن يدّعي امتلاك تاريخٍ لا يمكن أن يُختزل في روايةٍ واحدة.

ومن هنا، فإن قيمة القدس لا تُقاس بمساحتها، كما تُقاس المدن، ولا بعدد معالمها، ولا حتى بعراقة تاريخها وحدها. فهناك مدنٌ عظيمة لأنها قديمة، ومدنٌ عظيمة لأنها قوية، أما القدس فتكمن عظمتها فيما تمنحه للإنسان من معنى. إنها المدينة التي تجعل الإنسان يعيد اكتشاف علاقته بالمكان، وبالتاريخ، وبذاته، فيدرك أن الأوطان ليست رقعاً من الأرض فحسب، بل منظوماتٌ من القيم والذكريات والآمال. ولذلك، تبقى القدس أكبر من الجغرافيا، لأنها تحولت إلى ضميرٍ أخلاقي يسائل الإنسانية كلها: هل يمكن لحضارةٍ أن تدّعي عظمتها إذا عجزت عن صون مدينةٍ أصبحت رمزاً لمعنى الإنسان، قبل أن تكون رمزاً لتاريخه؟

لعل القدس ليست آخر ما تبقى من الماضي، بل أول ما سيبقى من المستقبل. فهي ليست مدينةً تبحث عن مكانها في التاريخ، وإنما تاريخٌ يبحث عن معناه فيها. وكلما حاول الإنسان أن يختزلها في حدود الجغرافيا، استعادت اتساعها في الضمير، وكلما أراد الزمن أن يجعلها صفحةً من الماضي، أعادت تعريف الزمن نفسه. لذلك، ستظل القدس سؤالاً لا يشيخ، لأن المدينة التي بدأت بالمعنى، لا يمكن أن تنتهي إلا حين يفقد الإنسان قدرته على الإيمان بأن للحق ذاكرة، وللعدل موعداً، وللأمل وطنا

*القائم بأعمال أمين عام منتدى الفكر العربي