- 26 آب 2026
- مقابلة خاصة
ويستمر الكاتب الكبير المبدع "محمود شقير" في نشر يومياته الشيقة في " أخبار البلد" تلك اليوميات التي تلقي الضوء على فترة زمنية هامة من حياة كاتبنا ومن حياة الشعب الفلسطيني عامة :
الثلاثاء 1 / 7 / 2008
ذهبت في الخامسة بعد الظهر إلى رام الله لحضور الأمسية الشعرية التي سيحييها محمود درويش في قصر الثقافة. كان الطقس حاراً. شغلت المكيف في سيارتي ومضيت إلى هناك. استغرقتني الطريق ساعة وعشرين دقيقة بسبب أزمة سير عند حاجز قلندية.
استلمت بطاقة الدعوة إلى الأمسية الشعرية من مطعم فوانيس المجاور لوزارة الثقافة، حيث اتفقت مع بلدية رام الله صاحبة الدعوة إلى الأمسية على ذلك (الأمسية هي بداية احتفالات رام الله في مناسبة مرور مائة عام على تأسيس بلديتها). جلست بضع دقائق في صالة المطعم المحاذية لرصيف الشارع، وشربت علبة سبرايت وكنت متضايقاً من الحر. لم يكن في المطعم سوى صاحبه والشغيل إبراهيم الذي يعمل فيه. تحدثنا بكلمات قليلة عن حالة الشغل، وعن ملف الفساد في الهيئة العامة للإذاعة والتفلزيون الفلسطيني الذي ورد ذكره في الصحف هذا اليوم.
أبقيت سيارتي أمام مبنى الوزارة وذهبت إلى محل نيومان لبيع الملابس. اشتريت بنطالين من صوف صيفي من ماركة إيطالية وجاكيتاً صيفياً (سترة) من ماركة ألمانية. دفعت مبلغاً من المال توفر لي من عائدات الكتابة، وهي عائدات هزيلة على أية حال. وذهبت إلى صيدلية "أبو غزالة" اشتريت منها ثلاث علب غذاء طبي لابنتي أمينة. أمينة تفقد شهيتها للطعام وهي تزداد هزالاً مع الأيام.
عدت إلى مبنى الوزارة، ركبت سيارتي وتجنبت المرور من قلب المدينة بسبب كثرة السيارات. مضيت نحو حي الشرفة في البيرة ومن هناك انعطفت نحو اليمين في الطريق إلى قصر الثقافة. قريباً من القصر التقيت د. أحمد حرب و د. محمود العطشان. مضينا معاً والتقينا الشاعر أحمد دحبور. أحمد كان مريضاً ومرهقاً. قال إنه تعذب عند حاجز إيرز واضطر إلى الانتظار سبع ساعات في طريقه من غزة إلى رام الله. قال إنه أصيب بفقر دم قبل سنة.
كانت أمام القصر حشود من الناس وسيارات كثيرة. تألق محمود وهو يقرأ قصائد تستقصي مناطق جديدة في تجربته وفي ذاكرته، وفيها تأمل وتفلسف وسخريات. اختار محمود أن يقرأ قصائد ذات إيقاع متوتر صاعد وبعدها قصائد ذات إيقاع هادئ ثم يتصاعد الإيقاع من جديد. واختار أن يقرأ قصيدته المعروفة: على هذه الأرض ما يستحق الحياة، وأن ينهي قراءته بقصيدة ذات إيقاع غنائي مترافق مع عزف الأخوة جبران على آلات العود. لم يكتف محمود بقراءة شعرية وإنما قدم عرضاً فنياً راقياً استحوذ على مشاعر الجمهور الذي ملأ القاعة (أعدت بلدية رام الله شاشات لعرض الأمسية في ساحات المدينة، كما أن قناة الجزيرة المباشرة بثت الأمسية).
الأربعاء 2 / 7 / 2008
هاتفت محمود درويش وهنأته على تألقه في الأمسية الشعرية يوم أمس. بدا من طريقة كلامه وتعليقه على الأمسية مرتاحاً ومنتعشاً. علقت على طول الكلمتين اللتين سبقتا القراءة الشعرية، فوافقني الرأي وقال إنه كان بالإمكان أن تكونا أقصر بكثير. ولذلك حينما صعد هو إلى المنصة لم يتفوه بأية كلمة. أعطى الفرصة للأخوة جبران كي يقدموا معزوفة، ثم نهض عن الكرسي المركون في وسط خشبة المسرح، واتجه إلى المنصة وشرع يقرأ قصيدته دون مقدمات.
أجريت تعديلات أخرى على النص المسرحي الذي كتبته للفتيات والفتيان، والذي سيقوم حسام أبو عيشة بإخراجه للمسرح الوطني في القدس. بعد ذلك، أمضيت يومي في القراءة. قرأت من ضمن ما قرأت، في رواية يابانية للفتيات والفتيان مترجمة إلى اللغة الإنجليزية، اسمها "الأصدقاء" للروائي كازومي يوموتو. رواية ظريفة عن ثلاثة فتيان يرغبون في اكتشاف سر الموت، ويتلصصون لهذا الغرض على عجوز وحيد لعلهم يرونه لحظة موته، لكنه لا يموت.
أشعر بتشتت كبير. أقرأ في كتب عديدة ولا أتمها إلا بعد وقت. لم أكتب قصة واحدة طوال أشهر. لم أرسل إلى الحياة أية مقالة منذ أكثر من شهر. لم أذهب هذا المساء إلى سهرة العرس عند الأقارب، سأذهب مساء غد.
الأحد 6 / 7 / 2008
لم أكتب شيئاً هذا اليوم. تفقدت بريدي الإلكتروني كما هي عادتي كل صباح. وجدت رسالة من عبد الله متقي الذي أجرى معي حواراً قبل شهرين، يقول فيها إن الحوار سوف ينشر في العدد الأول من مجلة اسمها "القصة اليوم". وجدت رسالة أخرى من عبد الرحمن الغزالي يقول فيها إنه سينشئ لنفسه موقعاً إلكترونياً وسينشر فيه من ضمن مواد الموقع، قصصي التي قام بترجمتها إلى الفرنسية. ووجدت رسالة من ستيفاني تخبرني فيها بأنها استلمت النص المسرحي الذي كتبته للفتيات والفتيان، وأنها ستقوم بقراءته والتعليق عليه.
قرأت قصصاً للأطفال كتبتها أحلام بشارات. أحلام كاتبة موهوبة وتبشر بمستقبل جيد في عالم الكتابة. رشحتها مؤخراً للسفر إلى بروكسل في شهر تشرين الأول، للإقامة شهراً هناك وللتعرف إلى الثقافة البلجيكية وللكتابة. أرسلت لها ملاحظاتي على قصصها. قرأت في مخطوطة لإبراهيم نصر الله اسمها "شرفة رجل الثلج". وقرأت في مخطوطة لمازن الحسيني اسمها "كارل ماركس و الديمقراطية"، وذلك تمهيداً لكتابة ملاحظاتي على هاتين المخطوطتين. لدي باستمرار مخطوطات أقوم بقراءتها للأصدقاء وللصديقات.
امضيت نهاري وليلي في القراءة تقريباً (يؤرقني وجود كتب كثيرة في مكتبتي لم أقرأها حتى الآن). واصلت القراءة في رواية "التلصص" لصنع الله إبراهيم، وفي رواية "آدم ابن الكلب" ليورام كانيوك. وقبيل منتصف الليل، شاهدت فيلماً فرنسياً اسمه "عمانوئيل" عن زوج متسامح مع زوجته بحيث يعطيها الحرية في فعل ما تشاء حتى درجة الخيانة. الزوجة تدخل في غمار ممارسات جنسية متعددة، ثم ينتهي الفيلم وهي تتأمل صورتها في المرآة. الفيلم يعتمد الإثارة إلى حد ما، ويفتقر إلى العمق إلى حد ما كذلك. إنه فيلم خفيف.
الساعة الآن الثالثة بعد منتصف الليل، سأذهب إلى النوم وأنا لا أشعر بارتياح، بسبب انقطاعي عن الكتابة منذ أسابيع.

