• 1 أيلول 2026
  • مقابلة خاصة

 

بقلم : أ.د. زيدان عبدالكافي كفافي

ينبع نهر الزرقاء من منطقة رأس العين في عمّان ماراً بمدينة الزرقاء حتى يصب في نهر الأردن، ويبلغ طوله بين المنبع والمصب حوالي سبعين كيلومتراً، ويتراوح عرضه بين 7 - 10 أمتار. ويعد هذا النهر من أكبر روافد نهر الأردن، وخاصرة الأردن، وممراً جغرافياً ربط بين منطقة الأغوار الأردنية في الغرب والبادية في الشرق. كشفت الحفريات الأثرية على تواجد الناس في هذه المنطقة من العصر الحجري القديم الأول (أكثر من مليوني سنة)، تبعها تأسيس استقرار للناس مع بداية العصر الحجري الحديث قبل حوالي 10500سنة من الوقت الحاضر، ومثال ذلك قرية خريسان. وتبع هذا ظهور مجموعة من القرى الكبيرة التي تتجاوز مساحتها العشر هكتارات مثل قرى عين غزال وتل أبو الصوان. لكن يظهر أنه ونتيجة لتغير مناخي شامل حصل في المنطقة قبل ثمانية آلاف عام تراجع حجم الاستقرار في القرى الزراعية وبقيت بعض القرى الزراعية السابقة، مثل عين غزال مأهولة لكن بحجم ومساحة أقل من السابق. على أية حال، تمركزت قرى الفلاحون الأوائل في حوض نهر الزرقاء حول مصادر المياه الدائمة من ينابيع وأودية دائمة الجريان. كما أنها طورت لنفسها صناعاتها الحجرية، كما وعرفت في حوالي 5600 قبل الميلاد صناعة الأواني الفخارية، وبنت البيوت على مخططات مختلفة ومتعددة من الحجارة، وتكون بعضها قبل أكثر من ثمانية آلاف سنة من طابقين كما هو الحال في موقع عين غزال. كذلك فقد عرف أهل هذه القرى الزراعة العقائد الدينية، فصنعوا التماثيل البشرية، وبنوا بعدها بيوتاً للآلهة، وجسدوها بتماثيل ودمى لا مثيل لها في العالم. من هنا يمكننا القول أن فلاحي وادي الزرقاء كانوا مخترعين مبدعين.

قرية عين غزال النيوليثية:

تعدُّ قرية عين غزال النيوليثية من القرى الزراعية الكبيرة المساحة في بلاد الشرق الأدنى القديم، إذ بلغت مساحتها في الفترة بين حوالي 7500 - 7000 قبل الميلاد (تاريخ كربون مشع معاير) حوالي 30 هكتاراً (300 دونماً). لكن مساحتها تراجعت في الفترات اللاحقة. تأسست هذه القرية بالقرب من نبع ماء يسمى "عين غزال"، كما أنها تحتل ضفتي وادي الزرقاء الغربية والشرقية. أكتشف الموقع عام 1978م عندما كانت الجرافات تفتح طريق يربط العاصمة عمّان مع مدينة الزرقاء. بدأت التنقيبات الأثرية في الموقع عام 1982م واستمرت بشكل متقطع حتى بداية عام 2012م. واستطاع المنقبون تمييز ثلاث مراحل استيطانية في الموقع تعود جميعها للعصر الحجري الحديث، وعلى النحو الآتي:

1. العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار "ب " الوسيط والمتأخر (حوالي 8250 - 7000 قبل الميلاد) حسب تاريخ الكربون المشع المعاير.

2. العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار "ج" (حوالي 7000 - 6500 قبل الميلاد)، حسب تاريخ الكربون المشع المعاير.

3. العصر الحجري الحديث المتأخر" الثقافة اليرموكية" (حوالي 6500 - 6000 قبل الميلاد)، حسب تاريخ الكربون المشع المعاير.

وعلى الرغم من أن المنقبين في الموقع لاحظوا تراجع مساحة الموقع خلال العصر الحجري الحديث المتأخر، إلاّ أن المساحة المستغلّة من قبل سكان القرية في هذه الفترة والمكتشفات الأثرية تشير إلى أنها بقيت تلعب دوراً مركزياً بين قرى حوض نهر الزرقاء في الفترة بين 6500 و6000 قبل الميلاد. 

سكن الناس أول الأمر (العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار "ب" حوالي 8250 قبل الميلاد) على خاصة على الضفة الغربية للنهر واحتلت مساكنهم مساحة قدرها 2.5 هكتار تطورت حتى بلغت 30 هكتاراً في الفترة بين حوالي 7500 – 7000 قبل الميلاد (تاريخ مشع معاير). وقد ترك أهلها بقايا مساكنهم، ومبانيهم الدينية وفنونهم "خاصة التماثيل".  وهذه كلها تدل على المستوى الفكري المتقدم لقرية أردنية عمرها حوالي عشرة آلاف عام.

تركزت منازل سكان قرية العصر الحجري الحديث المتأخر (حوالي 6500 – 6000 قبل الميلاد "تاريخ معاير") في موقع عين غزال في وسط القرية وجنوبها، ولم يعثر على أية بقايا لها سواء في المنطقة الشرقية أو الشمالية. كما لاحظ المنقبون أن السكان أعادوا استخدام بعض بيوت ومرافق (الحفر) المرحلة السابقة (ما قبل الفخار "ج") خاصة في وسط القرية. علماً أنه حصل تراجع في طبيعة السكنى في أواخر هذه المرحلة حيث سكن الناس في بيوت دائرة الشكل مبنية من صف واحد من الحجارة الصغيرة الحجم، إضافة إلى بيوت بني جزئها السفلي داخل حفرة محفورة داخل الأرض. علماً أن منازل بداية العصر الحجري الحديث المتأخر شهدت وجود طرازين من المساكن، هما:

1. مساكن مبنية من الحجر بزوايا قائمة، مستطيلة الشكل، أرضياتها من الطين المرصوص. وتكون البيت من غرفة كبيرة أمامها ساحة استخدمت للقيام بالنشاطات اليومية لأصحاب المنزل.

2. بيوت مستطيلة الشكل، لكن بني أحد ضلعيها القصيرين بشكل منحني (Apsidal House) وجاءت أرضية البيت مقصورة بقصارة رديئة الصنعة مقارنة من أرضيات بيوت المرحلة السابقة.

3. بيوت متعددة الغرف المستطيلة الشكل والتي يتصل في نهايتها مخزن وأمامها ساحة.

4. العثور على وحدات بنائية اهليجية الشكل استخدمت لتحضير وجبات الطعام من جرش للحبوب وطبخها. كما بني بالقرب منها بسطات حجرية.

تم العثور في وسط القرية (Central Field) على ممر (زقاق) بين جدارين تتخلله درجات يتراواح ارتفاع الواحدة منها بين 25 و30سنتميتراً، ويبلغ عرضه حوالي 2,5 متراً وطول الجزء المكتشف منه 12 متراً علماً أن جزءه الشرق قد جرّف بالكامل أثناء فتح الشارع. وللشارع مدخلين بنيا في جداره الشمالي. يعتقد أن هذا الزقاق بني خلال العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار "ج" وأعيد استخدامه خلال العصر الحجري الحديث المتأخر.

اشتملت الأواني الفخارية على الكؤوس، والزبادي، وجرار الطبخ، والخزين. وزخرفت بعضها بزخارف مدهونة وغائرة على شكل عظام ظهر السمكة أو سبلة القمح. كما عثر على مجاميع من الأدوات الصوانية المؤرخة للعصر الحجري الحديث المتأخر خاصة رؤوس السهام الصغيرة الحجم وشفرات المناجم المسننة، وبعضها مسنن الحدّين. ويدلل لمعان الحد القاطع لشفرات المناجل إلى أنها استخدمت لقطع أو حصد النباتات خاصة الحبوب. كذلك عثر على عدد لا بأس به من المجارش وأدوات الطحن ملقاة على أرضيات ساحات البيوت، وعلى البسطات الحجرية المذكورة أعلاه. وهذا كله يؤكد على أن الزراعة كانت المصدر الأساس للوجبة الغذئية، وأن سكان الموقع خلال العصر الحجري الحديث كانوا فلاحين، إذ ربوا المواشي (الماعز والأغنام) إضافة للزراعة.

يظهر أن طبيعة الاستقرار قد تحولت في قرية عين غزال الزراعية من مجتمع مستقر طيلة السنة، إلى محطة لبعض المجتمعات الرعوي التي كانت تأتي وتذهب خلال الفترة بين حوالي 6000 - 5500 قبل الناس بدلالة طبيعة المساكن البسيطة المؤرخة لهذه المرحلة الاستيطانية المتأخرة من العصر الحجري الحديث في قرية عين غزال النيوليثية.

عمّان من القرية للمدينة (حوالي 4500 - 1200 قبل الميلاد):

يظهر أنه ومع بداية الألف الخامس قبل الميلاد ونظراً لظروف طارئة، قد تكون طبيعية مثل التغير المناخي، اضطر سكان عين غزال لهجرانها والتحول إلى مناطق أخرى في حوض نهر الزرقاء. واعتماداً على نتائج الحفريات الأثرية التي جرت في هذه المنطقة نعتقد أن مجموعة منهم انتقلت إلى منطقة جبل القلعة، بينما انتقل الجزء الأكير إلى الجهة الغربية من مجرى نهر الزرقاء. 

باعتقادي أن الفترة الواقعة بين حوالي 4500 - 3600 قبل الميلاد شهدت تحولاً كبيراً في تحول الناس إلى مجتمعات أقرب إلى البداوة منها إلى المدنية، وتحولت القرى الكبيرة إلى مخيمات وسكن الناس في أغلب الحالات داخل الكهوف. وانتشر الناس بشكل كبير على ضفاف نهر الزرقاء وذلك بدلالة العثور على حقول لما يعرف باسم النصب الحجرية أو ما يعرف باسم الدولمنز (Dolmens). 

عندما زار الرحالة كوندر (Conder) عمّان في عام 1881/1882م سجل وجود العدد الكبير من الكهوف على ضفاف أودية عمّان ومنها وادي الزرقاء ونعتقد أن الناس قد آووا إليها في هذه الفترة. كما لوحظ وجود العدد الكبير من حقول الدول.

كما تم العثور في المنطقة الممتدة بين مدينة الزرقاء ونهر الأردن على عدد كبير من مواقع العصر البرونزي المبكر (حوالي 3600 - 2000 قبل الميلاد)، تطورت بعضها إلى درجة يمكن وصفها بالمدينة. ومن أقدم هذه البلدات والمدن الأولى هي جبل المطوق بالقرب من بلدة القنيّه، وخربة البتراوي على أطراف مدينة الزرقاء.  لكن الآثار المكتشفة والمؤرخة لهذه الفترة في منطقة العاصمة عمّان لم تخرج عن كونها تجمعات صغيرة سكنت منطقة عين غزال / مقابل المسلخ، وجبل القلعة. 

شهدت المنطقة بمجملها خلال الفترة من حوالي 2400 - 2000 قبل الميلاد تراجعاً سكانياً وتطوراً في أنماط المعيشة، وكل ما عثر عليه من هذه الفترة في عمّان كان عبارة عن مجموعة من القبور المنتشرة في أماكن متباعدة مثل قبر المدينة الرياضية، وأم البغال.

أما خلال فترة العصر البرونزي المتوسط (حوالي 2000 - 1550 قبل الميلاد) فقد شهدت المنطقة تحولاً كبيراً، إذ أن المدن الكبرى مثل خربة البتراوي وجبل المطوق قد هجرت، وعوضاً عنها انتقل التجمع السكاني إلى جبل القلعة بعمان، ومنطقة الأغوار مثل دير علاّ. وقد كشفت الحفريات في جبل القلعة على أن الجبل كان محصناً بسور من الوع المسمى (Glacis) أي منحدر ترابي لا تستطيع سواء العربات تسلقه، أو المنجنيقات الوصول إليه. ومن المواقع المهمة والمؤرخة لهذه الفترة موقع "خربة الرصيفة"، حيث أجرت دائرة الآثار العامة الأردنية تنقيبات واسعة في هذا الموقع. لكن نتائج هذه الحفريات النهائية لم تنشر حتى الآن.

بقيت عمّان وما حولها خلال الفترة بين حوالي 1550 - 1200 قبل الميلاد مكاناً للقبائل الرعوية، إذ لم يعثر حتى الآن في المدينة، خاصة في جبل القلعة إلاّ على بقايا معمارية بسيطة أكتشفت على الكتف المطل على المدرج الروماني في عام 1968/1969م عن طريق الباحث الأمريكي دورنمان. كما كشف النقاب عن معبد في مدرج مطار ماركا أكتشف عام 1956م، وآخر في منطقة أبوعلندا ويسمى "المبرك". وتخلو المنطقة المحيطة بهذين المعبدين من أية إشارات لوجود قرى أو مدن أم أماكن استقرار مما جعل المنقبون يعتقدون أنها كانت محجات للقبائل الرعوية المنتشرة في المنطقة. لكن من المستغرب أن يعثر في معبد مطار ماركا على أواني فخارية مستوردة من مايسينيا، وأختام أسطوانية ذات طابع رافدي. ومن الجدير ذكره أن هناك مواقع محصنة من هذه الفترة تواجدت على أطراف مدينة عمّان الشرقية (موقع سحاب)، والجنوبية (تل العميري).

ويهيّ لنا أن المجتمعات البشرية في الأردن وخلال هذه الفترة تواجدت في منطقة غور الأردن بشكل كثيف، وفوق بعض المرتفعات الجبلية بشكل أقل. بدلالة العدد الكبير لمواقع العصر البرونزي المتأخر في الأغوار وقلتها (إربد، عمّان، مادبا) في المرتفعات الجبلية.

عمّان - ربة عمّون:

انتهت في حوالي 1200 قبل الميلاد السيطرة الفرعونية على منطقة جنوبي الشام، كذلك وفي الوقت نفسه تحطمت الإمبراطورية الكاشية (البابلية الوسطى) في وادي الرافدين والحثية في الأناضول، وهذا الأمر أتاح الفرصة للمجتمعات المحلية في بلاد الشام لتكوّن لنفسها دولاً محلية اختلفت في قوتها وعظمتها ومساحاتها من واحدة لأخرى. وظهر من بين هذه الممالك المحلية ثلاث منها في المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن هي: العمونية وعاصمتها ربة عمّون والمؤآبية وعاصمتها ديبون/ كير مؤآب والأدومية وعاصمتها بصيرة. 

وعلى الرغم من أنه كان لهذه الدولة عاصمة مركزية موقعها فوق جبل القلعة/عمّان إلاّ أنه كان هناك مجموعة من البلدات والقرى والعزب الزراعية التابعة لها مثل: سيران، وأم الرجوم، وخربة سارة، وخربة أم الصويوينة، وجنينه، والمقابلين، وتل العميري. وبنى العمونيين العديد من الأبراج لحماية حقولهم ومزروعاتهم. كذلك عثر على عدد لا بأس به من الأواني الفخارية في مواقع تمتد على طول نهر الزرقاء مثل دير علا، وتل داميا، وإلى الشمال منه مثل مواقع تل الحمّه، ودير علاّ، وتل المزار. 

تتمركز عاصمة العمونيين ربة عمّون فوق قمة مرتفع جبل القلعة الذي يأخذ شكل حرف "L" الإنجليزية وتبلغ مساحته حوالي أربعين فداناً، ومحاط بالأودية من ثلاث جهات: الشرقية والغربية والجنوبية. ويطل هذا الموقع على مجرى سيل عمّان من جهته الجنوبية، الذي يقطع العاصمة باتجاه شرق - غرب. 

قد يسأل سائل من هم العمونيين؟، ذكرنا أعلاه، أنه وخلال العصر البرونزي المـتأخر سكن في المنطقة المحيطة بعمان مجموعة من القبائل الرعوية البدوية التي هي في الأساس من القبائل العربية التي كانت تجول في هذه المنطقة، ولا بد أن هذه القبائل لاحظت توافر المياه الدائمة.

وصلاحية الأرض للزراعة فقررت الاستقرار فيها فكانت الدولة العمونية التي وضعت الأسس لها في حوالي 1200 قبل الميلاد لكنها لم تزدهر إلاّ بعد القرن العاشر قبل الميلاد بسبب التوسع في الزراعة. 

كان للموقع الجغرافي للملكة العمونية الممتدة بين وادي الزرقاء شمالاً ووادي الموجب جنوباً تأثير كبير في علاقاته مع الممالك المجاورة مثل الآشورية في الشرق واليهودية في الغرب، والآرامية في الشمال والمؤآبية في الجنوبية. وكانت علاقاتها مع جيرانها بين مد وجزر، لكن اليد العليا في المنطقة كاملة كانت للآشوريين، حيث دفع ملوك العمونيين الجزية لهم. وخير دليل على هذا ما ورد في النصوص الآشورية من زمن الملك الآشوري تيغلات بيلاسر الثالث (733 قبل الميلاد) أن الملك العموني شنيب (شانيبو) قد دفع له الجزية. وبعد سقوط الدولة الآشورية في عام 612 قبل الميلاد على يد التحالف الميدي- البابلي ورثت بابل أملاكها وسقطت منطقة جنوبي بلاد الشام في حوالي 586 قبل الميلاد تحت حكمهم. وللأسف وحتى الوقت الحاضر لا تسعفنا لا الاكتشافات الأثرية ولا الكتابات والنقوش حول عمّون في هذه الفترة، علماً أن مملكة عمّون قد ازدهرت كثيراً. ويظهر أن بابل قد اكتفت بأخذ الجزية من العمونيين وتركت لهم حرية التصرف.

ربة عمّون خلال الحكم الفارسي (حوال 539 - 332 قبل الميلاد):

يبدو أن ربة عمّون خلال الحكم الفارسي قد واجهت المصير نفسه الذي كانت عليه إبّان سيطرة الدول البابلية الحديثة على المنطقة، إذ أنه لم تصلنا منها إلاّ النذر اليسير من المعلومات. يقودنا هذا الأمر للاعتقاد إلى تحول في طبيعة الاستقرار والحياة في الأردن عامة خلال هذه المدة. إذ كشفت الحفريات الأثرية التي جرت في عدد من المواقع الأردنية، خاصة في منطقة الأغوار النقاب عن بناء مستودعات وحفر حفرت في باطن الأرض لتخزين الحبوب والتبن. وهذا يشير إلى أن الناس مارسوا الزراعة بشكل كثيف، وتنقلوا في نفس الوقت مع مواشيهم في المنطقة، لكنهم تركوا قلّة من الناس عند هذه المستودعات. يقودنا هذا الأمر للاعتقاد إلى تحول في طبيعة الاستقرار والحياة في الأردن عامة خلال هذه المدة.

أما بخصوص ربة عمّون فيظهر لنا أن التركيز السكاني قد انتقل إلى الغرب من ربة عمّون، إذ عثر في منطقة أم أذينة، عمّان الحالية على مدفن عثر بداخله على مجموعة من اللقى الأثرية، مثل الأواني الفخارية، وقوارير، ومصابيح، وأواني برونزية من أهمها مبخرة تعود لأواخر العصر الفارسي وبداية الهلنستي (أواخر القرن الرابع قبل الميلاد).

كما عين الفرس على منطقة ربة عمون حاكماً اسمه "طوبيا" العموني، وكان لعائلته اقطاعية في منطقة عراق الأمير/وادي السير الواقعة على بعد حوالي 24كم إلى الغرب من عمّان، وتأكد هذا الأمر من خلال نقش وجد منقوشاً عل واجهة أحد الكهوف في المنطقة. 

ربة عمّون (فيلادلفيا) في الفترة الهيلنستية (حوالي 332 - 63 قبل الميلاد):

استطاع الاسكندر المكدوني هزيمة الفرس في معركة ابسوس في عام 332 قبل الميلاد واحتل بعدها بلاد شرقي المتوسط ومصر. لكن وبعد وفاته، تقاسم قواده امبراطوريته الواسعة بينهم، فاستولى سلوقس على بلاد ما بين النهرين وشمالي سوريا، وبطليموس الأول على مصر. لكن هذا الأخير سارع بالانقضاض على جنوبي بلاد الشام وفينيقيا واحتلالها في عام 301 قبل الميلاد، وخلفه بعد موته في عام 285 قبل الميلاد بطليموس الثاني وهو الذي سمّى ربة عمون باسم "فيلادلفيا".

أعاد بطليموس الثاني بناء فيلادلفيا حسب مخططات المدن اليونانية، فخصص منطقة جبل القلعة (الأكروبول) للمعابد، بينما تركزت الأسواق التجارية والمسارح والحمامات على جوانب الشوارع الرئيسية والفرعية خاصة المحاذية لسيل عمّان. وكان يمر في وسط المدينة شارعان، الشارع الأول يتجه باتجاه شمال - جنوب ويسمى الكاردو (Cardo) وكان يمر في مكان شارع السلط الحالي، والثاني يتجه باتجاه شرق غرب ويسمى ديكيومانوس (Decumanus) وكان يمر في الشوارع الحالية ابتداء من شارع المحطة ثم شارع الهاشمي ثم إلى المصدار (زيادين 2004: 81). وكانت هذه الشوارع محاطة بالأعمدة الكورنثية، كما أنها بنيت في بعض المناطق فوق قناطر أو أقواس. 

جعل بطليموس الثاني من فيلادلفيا مركزاً إدارياً وزودها بحامية من الفرسان، كما وذكرت فيلادلفيا (عمّان) في بردات زينزن المؤرخة للقرن الثاني قبل الميلاد والتي عثر عليها في الفيوم في مصر.

فيلادلفيا والرومان (حوالي 63 قبل الميلاد - 324 ميلادية):

سيطر الرومان على جنوبي بلاد الشام في سنة 63 قبل الميلاد، وكانت المنطقة قد شهدت عدم استقرار سياسي قبلها. إذ قامت ثورة محلية يهودية في فلسطين عام 167 قبل الميلاد سميت باسم الثورة المكابية، قام قوادها بمهاجمة "الطوبيين" في عراق الأمير، وبدأوا بتدمير المدن الهيلينية مثل جدارا، وبيلا، وجراسا. وتوقف هذا التدمير عندما استطاع الملك النبطي الحارث الثالث من هزيمة الاسكندر جنّايوس (حوالي 103 - 76 قبل الميلاد) في معركتين الأولى في منطقة الجولان، والثانية بالقرب من مدينة اللد في فلسطين وفرض عليه المصالحة في عام 82 قبل الميلاد.  كذلك فقد استطاع الملك النبطي عبادة الأول أن يهزم السلوقيين ويقتل ملكهم انطيوخوس الثاني عشر عام 84 قبل الميلاد. نتيجة لهذا الأمر بدأت تظهر على الساحة في بلاد الشام مجموعة من الدول المحلية مثل النبطية والإيطورية. 

بطبيعة الحال لم يعجب هذا الأمر روما، وكان قد ظهر فيها قائد قوي هو بومبي الذي استطاع أن يسيطر على منطقة حوض البحر المتوسط وأن ينشأ الولاية العربية وعاصمتها انطاكية في عام 64 قبل الميلاد، تبعها باسترجاع المدن الهيلنستية من قبضة اليهود والتي كان قد استولى عليها الاسكندر جنّايوس. وأصبحت هذه المدن تشكل نواة لرابطة المدن اليونانية العشر (الديكابوليس). ويعتقد الدكتور فوزي زيادين أن الهدف من انشائها هو توطين جاليات يونانية ورومانية فيها لمواجهة التعصب الديني اليهودي أولاً، والسيطرة على تجارة الأنباط، ثانياً. أي أن الصراع كان حضارياً واقتصادياً.

كما ذكرنا أعلاه بنيت فيلادلفيا خلال الفترتين الهيلنسية والرومانية حسب مخططات المدن الكلاسيكية، فأصبحت تضم منطقتين الأكروبول حيث بنيت المعابد والمرافق الإدارية، والمنطقة السفلى حيث مراكز الحياة اليومية والعامة. ومن أهم المعالم المعمارية الرومية البارزة في عمّان:

1. المدرج الرومي (الروماني):

بني المدرج الرومي في عهد الامبراطور أنطونينوس بيوس (Antoninus Pius) 167 - 138 ميلادي كما يثبت ذلك نقشاً يونانياً منقوشاً على الجدار الخلفي. وقد أنشأ هذا المدرج في بطن جبل الجوفه بقطر يبلغ 102 متراً، ويضم ثلاثة أدوار من المقاعد تتسع لحوالي ستة آلاف متفرج، وله مدخليين رئيسيين وأربع بوابات بنيت في الجدار الخارجي لتسهل الدخول والخروج. كما بني في أعلى منطقة من الجزء العلوي منه حنية لوضع تمثال آلهة المدينة هرقل وأمه أستيريا. ومن الجدير بالذكر أنه وجد في حلبة المدرج تمثال من الرخام للإلهة أثينا. وكان يقام في هذا المدرج الحفلات والنشاطات الرياضية خاصة المصارعة. وتبين الصورتان أدناه المدرج في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين والوقت الحاضر.

الأوديون (Odeon):

يقع مبنى الأوديون في عمّان على مقربة من المدرج الكبير، إلى الشمال الشرقي منه، ويبلغ قطره 38 متراً، وكان حين بناءه يتكون من دورين، لكن لم يتبق منه في الوقت الحاضر إلاّ دور واحد. تتواجد في الجدار المطل على ساحة الفوروم خمسة أبواب يضاف إليها مدخلان على كل جانب وثالث بني في الجدار الخلفي. كان الأوديون يستخدم للنشاطات الثقافية مثل الخطابة، إلقاء الشعر، والحفلات الموسيقية. ويجتمع فيه مجلس إدارة شؤون المدينة.

سبيل الحوريات (Nymphaeum):

بني سبيل الحوريات في فيلادلفيا في منطقة يلتقي فيها الشارع الرئيسي مع شارع فرعي في وسط المدينة الحالي. وكان عند بنائه يرتفع ثلاث طبقات بني فيها محاريب لوضع التماثيل. وأنشأ البناء على شكل نصف مثمن فوق عقود برميلية بنيت فوق مجرى سيل عمّان. ويعتقد الدكتور فوزي زيادين أن هذا المبنى أعيد استخدامه في الفترات اللاحقة للرومانية.

فيلادلفيا في العصر البيزنطي (حوالي 324 - 66 ميلادية):

اعترف الامبراطور قسطنطين في عام 324 ميلادية بالديانة المسيحية ديناً رسمياً للدولة الرومانية، وبهذا أخذ النصارى يدعون الناس لاتباع الديانة المسيحية جهاراً نهاراً. كما أنهم بدأوا ببناء الكنائس والأديرة وغيرها مما يتصل بهذه الديانة من مباني. إذ تم العثور في عمان على مباني لكاتدرائية وعدد من الكنائس التي انتشرت فوق مواقع شتى من العاصمة الحالية عمّان. ونقدم أدناه عرضاً لواحدة منها:

- الكنيسة البيزنطية فوق المصطبة العليا لجبل القلعة: 

عثرت البعثة الأثرية الإيطالية التي نقبت في عام 1938م في جبل القلعة على جزء من مباني كنيسة ودير يعودان للعصر البيزنطي في الجهة الشمالية الشرقية من المصطبة العليا لجبل القلعة. ولم يستكمل الكشف عنها إلاّ في عام 1975م على يد الدكتور فوزي زيادين عندما التعرف على مخططها البازيليكي، وبلغت أبعادها على النحو الآتي: 20،30 م X 12،30م. وكان للكنيسة أرضية فسيفسائية رسمت على شكل دوائر رسمت بداخلها وريدات بين أوراقها زهور حمراء اللون، كما تم التعرف على كتابة يونانية. ويعتقد المنقبون أن هذا المبنى كان أصلاً موجوداً في الفترة الرومية وأن أعمدة الكنيسة وقواعدها أخذت من مبنى معبد هرقل. ويتأرجح تاريخ البناء بين القرنين الخامس والسادس الميلاديين. كما تم العثور في المنطقة على على بيوت ومعصرة زيتون ترجع لنهاية الألف الخامس وبداية السادس الميلادي.

إضافة للكنيسة أعلاه، وافقت دائرة الآثار العامة في عام 1987م لوزارة التربية والتعليم على إقامة مدرسة تبنى من الأبنية الجاهزة شريطة ألا يتجاوز عمق أساسات المبنى 70 سنتمتراً، لكن المتعهد خالف الشرط ووصل إلى عمق ثلاثة أمتار فكشف عن أرضية فسيفسائية بيزنطية كانت أرضية لغرفة من مجمع بنائي بيزنطي. كما عثر عدد آخر من الكنائس في مناطق أخرى من عمّان، إذ أشار كوندر إلى وجود كاتدرائية بالقرب من الجامع الحسيني، وهناك كنائس أخرى في الجبيهه، وخلدا، وياجوز وفي دارة الفنون في جبل اللويبده، وفي صافوط.

عمّان في العصور الإسلامية (636 - الحاضر):

عثر في عمّان، خاصة فوق جبل القلعة، على عدد من المباني الأموية التي تخص دار الإمارة، وإيوان الاستقبال، والساحة الكبرى والدكاكين، والمسجد الجامع، والبركة. وهذه كلها تتركز فوق المنطقة التي تطل على جبل الحسين ووادي الحدادة وجبل القصور. ويعدّ المسجد الجامع من أضخم المساجد الأموية في الأردن إذ بلغت أبعاده 41،40م X 90،30م وحفر في فناء المسجد بئر لجمع مياه الأمطار.

استمر الاستيطان في عمان خلال الفترات الاسلامية اللاحقة، لكن يبدو أن أهمية المدينة السياسية أخذت بالتراجع ابتداء من الفترة العباسية حتى اتخذها الهاشميون بقيادة الملك عبدالله المؤسس عاصمة لإمارة الشرق العربي.

بلغت عمّان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية المئة عام من العمر هذه الأيام، وتنطبع في ذاكرتنا معالمها المكانية، والتي كان لبعضها دوراً تاريخياً، فمن ينسى مبنى مقهى الجامعة العربية، ومبنى الدوق، وسيل عمّان. إن الحاضر مرتبط بالماضي، فيجب أن تبقى ذاكرة الماضي مرسومة بالحاضر والعكس صحيح، فماضينا هو حاضرنا، وحاضرنا هو ماضي الأجيال القادمة. 

ما زلت يا سادة أرى سمك سيل عمّان، والقنطرة التي كانت منصوبة بالقرب من سبيل الحوريات قبل زوالها في نهاية ستينيات القرن الفائت، ومَن مِن أبناء جيلي ينسى الوقوف فوق جبل القلعة ويرى فيه ومنه تاريخ هذه الأرض الطيبة، فطوبى للأردن وقيادته الهاشمية وأبناءه. 

*أستاذ شرف – جامعة اليرموك