• 29 آب 2026
  • أقلام مقدسية

بقلم : تحسين يقين

 

مفارقة موجعة!

والأكثر وجعا هو ليس قبولنا بها، بل الانخراط بكليّتنا بها، ولعلّ كاتبا مسرحيّا كتب عن هكذا حال قبلنا، فلسنا أوّل أمّة ضحكت من حالها الأمم.  لكن وبالرغم عودة ما كان من قبل على شكل مهزلة، وفقا لمن تحدث عن التاريخ، ولكن هي مسؤوليتنا جميعا أن نفعل ما ينبغي فعله؛ فهذا الوطن المستلب عزيز وغال وليس لنا مكان غيره.

في ظل استشراس الاحتلال، لا فرق بين مستوطن يرتدي ما يشاء و"جندي"، يغيّر ملابسه كما يشاء، نزداد تشظيا بمبرر الوحدة والتغيير، فيظهر سلوك النخبة السياسية لا الطموح المشروع للوصول الى الحكم لتنفيذ مشروعها التحرريّ والتنمويّ، بل الطمع بميّزات الحكم، وليس هذا مفاجئا، فهكذا حال أمتنا قبل الاستقلال وبعده، باستثناءات محدودة.

لم تتعلم نخبتنا السياسية ما بعد نكبة 1948، ما لم تتعلمه قبل عام ذلك. وقبل ذلك كان تشتتا في التعامل مع الاحتلال البريطاني، والمجتمع الاستيطاني المسلّح، سوى من محاولات وحدوية لم تصمد أمام المدّ العسكريّ. والغريب أيضا أننا هنا في الضفة الغربية وقطاع غزة في عقدي الخمسينيات والستينيات لم نسلم من هذا التشتت، فكان حضور الأحزاب ليس ممارسة التعدديّة السياسية الوطنية، بل دليل تشرذم لم يسع أصلا الى التحرير. ولم تسلم فلسطين المحتلة عام 1948 من هذا التشرذم على مدى 78 عاما.

وإنصافا للجادين، فقد ظهرت حركة فتح لتتجاوز الاختلاف الأيديولوجي (العبثي) باتجاه حقّ تقرير المصير، والتي بالرغم من خلافاتها الداخلية ظلت حاملة للمشروع الوطني، بتفاوت خاصة آخر 3 عقود، وما صاحبها من تحولات عصفت بنا جميعا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وللأسف فإن الاختلاف الأيديولوجي خارج حركة فتح استمر من خلال توالد فصائل اليسار ثم اليمين.

نقول ذلك إنصافا موضوعيا يدفعنا إلى إعادة تقييم مواقف فتح والمنظمة سياسيا تجاه الحلول السياسية، وعلاقاتها مع النظم وعلاقاتها الدولية. ولربما نقلّل من المساءلة لسبب واحد، أن الاحتلال لم يكن يوما بوارد القبول بحلّ الدولتين، فكل ما كان يعرضه هو وحلفاؤه الحكم الذاتيّ.

خطيئة الاختلاف والطمع بالحكم تحت الاحتلال تذكرنا بمقولة قديمة ظهرت هنا، كتبها السيد المسيح على التراب، قرأها مدعو الشرف فزهدوا بدعواهم: "من لم يكن منكم بخطيئة فليرمها بحجر".

والصراحة بيننا من هو بدون خطيئة، لكن لم يذهب للادعاء، ولأن بلدنا صغيرة، فنحن نعرف بعضنا بعضا، ونعرف تماما سيكولوجية القادة المختلفين، الذين قرأوا أطفالا:

إلام الخلف بينكم إلام وهذه الضجة الكبرى علاما

لقد أتبع شوقي بيت القصيدة الافتتاحي ببيت يظهر نتيجة الاختلال المأساوية، بقاء الاحتلال:

وفيم يكيد بعضكم لبعض وتبدون العداوة والخصام

وأين الفوز لا مصر استقرت على حال ولا السودان داما

من المؤكد أن النخب السياسية العربية والفلسطينية منها قد قرأت قصيدة شوقي، ولكن لم يتعظوا بها أمس ولا اليوم. 48 بيتا لم يستطع احمد شوقي وهو الأمير، أمير الشعراء، أن يؤثّر في النخب القيادية، فقط أثّر بنا ونحن أطفال، وما أن كبرنا قليلا، حتى صرنا نتشاجر حتى على الطعام، وكم من كأس شاي وقعت في ظل الاشتباك. ثم لتتحول (كاسات الشاي) المكبوبة والمكسورة، إلى تراشق بالأيدي ثم بما وصلت الأيادي من عصيّ وجنازير ورصاص.

الصراحة، السبب أنها لا تريد، وليس نقصا في الوعي، ولعل صفاء النوايا هو من ينجينا وليس النفوذ، بل ولا حتى المعرفة، وقد قيل "صفي النية ونام في البرية"، ترى من هو صافي النية الذي يعتمد على رأي شعبنا، لا على مراكز القوى والنفوذ والمال وعدد أفراد الميليشيات!

قلنا غير مرة لنتعاون لكن "اذن من طين وأذن من عجين"، والآن دخلنا مرحلة الطحن على مرأى عيون الاحتلال المتربصة بنا، وصولا الى تصفية الحسابات، والتي ليس لشعبنا لا ناقة فيها ولا بعير.

وأين الفوز لا مصر استقرت على حال ولا السودان داما

وأين الفوز؟ وما هو هذا الفوز الانتخابي؟ وهل سيتغير الاحتلال إذا تغيرنا؛ فتغيير المختار ليس الحل يا عالم، لأنه سيغيّر غطاء الرأس. كانت مسرحية ضيعة تشرين عميقة في ذلك، باستثناء أنه تم توظيفها سياسيا للأسف، لأجل مختار آخر طال بقاؤه وذريته.

لذلك، وما تبقى من كلمات في هذا المقال، فإن ما نحتاجه الآن هو أولا وحدة حركة فتح والعودة الى الأصول، والسبب هو أنها عمود الحركة الوطنية، وثانيا وجود حكومة لها الثقة الكافية بانتخابات أو بدونها، التي تستطيع تحقيق أمرين: طرد ما يسمى فتيان التلال عن تلالنا وسهولنا وغورنا، وتحري المقاصة المالية. نظن جميعا مع الاحترام، من الأكثر ملاءمة لإدارة الحكم والإدارة، والإدارة المالية بشكل خاص، لما تعنيه من تقوية بقائنا.

وأخيرا، رغم اتفاقي مع أحمد شوقي، فإنه ليس من المستحيل الاتفاق على زعيم يقود مشروعنا الوطني، نعينه ويعيننا، من خلال البناء على ما تمأسس من قبل، فلدينا ما نجحنا به على مدار 32، ولدينا ما يمكن الإبداع به، ونحن نسير باتجاه الحلّ السياسيّ، مع محتلّ بات معزولا، وإن احتفظ بالتحالفات والسلاح، فليس بهما تحيا الدول والشعوب، بل بصدق نوايا الحلّ الدائم والنهائيّ.