- 2 أيلول 2026
- مقابلة خاصة
الكاتب الكبير المبدع "محمود شقير" يكشف يومياته الشيقة في " أخبار البلد" عن حياة مثيرة في القدس وهي بمثابة شهادة على فترة زمنية هامة من حياة كاتبنا ومن حياة الشعب الفلسطيني عامة
الأربعاء 9 / 7 / 2008
يوم حافل بالقراءة، ومزاج عادي إلى حد ما. تلقيت رسالتين على الإيميل من ستافنغر ولاهاي بخصوص سفري إلى هناك في أيلول وتشرين الأول القادمين. أرسلت ردي على كل من الرسالتين. تلقيت رسالة من ستيفاني تخبرني فيها بأنها قرأت النص المسرحي وأعجبت به. أرسلت لها رسالة شكرتها فيها على قراءتها للنص وإعجابها به. أعدت كتابة قصة قصيرة جداً دونتها على الورق مساء أمس، وكتبتها على الكمبيوتر هذا الصباح، ثم أرسلتها هي وقصتين أخريين مكتوبتين من قبل إلى ربيع جابر في صحيفة الحياة اللندنية. وانتهيت من قراءة مخطوطة "شرفة رجل الثلج" وكتبت رسالة إلى ابراهيم ضمنتها ملاحظاتي على الرواية. الرواية جيدة وساخرة وفيها عرض لحياة الإنسان المقهور في وضع سياسي متسم بالقمع. غير أنها مشغولة أكثر مما ينبغي بالوقائع الآنية. ربما كانت طبيعة الرواية هي التي اضطرت إبراهيم إلى ذلك.
وانتهيت من قراءة مخطوطة "كارل ماركس والديمقراطية" واقترحت على مازن أن يضع عناوين فرعية في مخطوطته للتخفيف من ثقل المادة الفكرية المعروضة فيها. قرأت صحفاً متراكمة لدي من قبل، وقرأت مقالات متفرقة على الانترنت. قرأت حواراً مع إيلان بابيه ونعوم تشومسكي حول الوضع في إسرائيل. ثمة إصرار إسرائيلي على جعل الفلسطينيين يعيشون عيشة الكلاب! هذا ما اتفق عليه بابيه وتشومسكي.
وصلتني بالبريد نسخة من كتاب باللغة الانجليزية عنوانه "الحركة الشيوعية في نيبال" مرسلة من يوهان سومنسون سكرتير منتدى اليسار الدولي في السويد. تصفحت الكتاب وقررت أن أقرأ بعض فصوله لاحقاً.
تذكرت أن علي أن أحضر ثلاثة أعراس يومي الجمعة والسبت، فلم أشعر بارتياح. كم أكره مناسبات الأعراس! وتذكرت أنني سأذهب إلى قرية بلعين يوم السبت لتقديم محاضرة عن غسان كنفاني في ذكرى استشهاده السادسة والثلاثين.
هاتفت ابني أمين وكان مداوماً في شركة الكمبيوتر في القدس الغربية، واقترحت عليه أن يرافقني إلى المسرح الوطني الفلسطيني لحضور مسرحية "الأرض الملعونة". وافق على الاقتراح. جاء في السادسة والنصف مساء. تناولنا معاً طعام الغداء، ثم مضينا في سيارته إلى القدس. كانت الشوارع غير مزدحمة على غير العادة. وصلنا مبكرين قليلاً. وجدت جمال غوشة يهم بالاتصال بي هاتفياً، لتحديد موعد لمناقشة النص المسرحي الذي كتبته للفتيات والفتيان. وجدت حسام أبو عيشة هناك أيضاً. اجتمعنا مدة عشر دقائق واتفقنا على أن يقرأ حسام النص في صيغته الأخيرة، ويقدم ملاحظاته لي على الهاتف مساء الخميس.
شاهدنا المسرحية وهي من تأليف وإخراج كامل الباشا، ومن تمثيل عدنان أبو سنينة وعماد مزعرو. الممثلان لديهما أداء جيد. والمسرحية فيها أفكار جيدة، وقد تخللتها مشاهد لافتة للانتباه، غير أن الاستغراق في بعض المشاهد الكوميدية المجانية قلل من أهمية العرض.
عدت أنا وأمين إلى البيت. كانت الشوارع خالية تقريباً. تبادلنا أحاديث ساخرة بعض الشيء وضحكنا، وكان يومي يسير سيره المعتاد دون أية مآثر كبيرة أو مفاجآت.
الجمعة 11 / 7 / 2008
كان لا بد من استراحة. حتى في أيام الجمعة لا أعطي نفسي استراحة من أي نوع كان. أظل منهمكاً في القراءة والكتابة. هذا اليوم ذهبنا إلى القرية السياحية في أريحا. ذهبنا أنا وأمينة وأم خالد. ذهب عصام وزوجته وأطفالهما. وذهب خالد وزوجته وأطفاله. وذهب حسام وباسمة والأولاد.
سبحنا في بركة السباحة هناك، وكان الطقس حاراً جداً. كان في البركة عدد غير قليل من الرجال والنساء والأطفال. ربما كان رواد البركة من المقدسيين والتلاحمة وربما بعض أسر من الناصرة والشمال. أمضيت في البركة وقتاً غير قليل للحصول على قدر من رياضة السباحة المفيدة للجسم بعد أسابيع من عدم الانتظام في رياضة المشي على النحو المطلوب.
أعجبتني مبادرة أمينة على النزول في الماء. ساعدتها أمها وهيفاء وعصام وباسمة وحسام. أنزلوها في الماء ووضعوا عجلاً من بلاستيك على وسطها. ظلت في الماء وقتاً. كنت أقترب منها بين الحين والآخر لإعطائها بعض النصائح ولتحريك ساقيها في الماء. بكيت في إحدى اللحظات دون أن يراني أحد وأنا أتأمل أمينة وهي ممددة في الماء.
سبح الأحفاد والحفيدات. أجرت الحفيدة رنين سباقاً معي وتمكنت من الفوز في السباق. محمد كان يقفز في الماء دون خوف. محمود كانت متهيباً من الماء. لكنه استطاع أن يكسر حاجز الخوف، وأن يمد جسمه وهو ممسك بيديه حافة البركة. سبحت ملاك وميس وبلقيس ورنين وشروق. سبح شريف وغطس جسمه تحت الماء، وسبح فادي وأسعد دون تهيب في الماء.
شوينا لحوماً وتناولنا طعام الغداء تحت الشجر قريباً من بركة السباحة، وكنت أشعر بعطش شديد جراء ما نزفه جسمي من عرق. جلسنا في الشاليه الذي استأجره عصام لقضاء ليلة فيه. جلسنا على مقاعد مريحة قرب البركة في ساعات المساء. احتفلنا بعيد ميلاد بلقيس في إحدى شرفات الفندق. غادرنا القرية السياحية في العاشرة ليلاً. انتظرنا عند الحاجز العسكري على تخوم أريحا نصف ساعة. ثمة تنغيص مقصود على الناس الذين كانوا يقضون يوم عطلتهم الأسبوعية في أريحا.
وصلنا البيت في الحادية عشرة والنصف ليلاً.
السبت 12 / 7 / 2008
ذهبت إلى قرية بلعين للمشاركة في ندوة حول الذكرى السادسة والثلاثين لاستشهاد غسان كنفاني. كان معي في السيارة راسم عبيدات وهشام عبيدات. اجتزنا القدس من طريق وادي الجوز ومضينا إلى رام الله. ذهبنا إلى مكتب للجبهة الشعبية يداوم فيه عمر شحادة. وجدنا هناك إحسان كامل الذي سيشارك هو الآخر في الندوة التي ينظمها مركز الهدف في القرية.
كان الطقس حاراً جداً، وكنت أعاني من أثر الشمس على جلدي الذي تسببت فيه السباحة يوم أمس. دخلنا قرية عين عريك، وتذكرت أنني كنت فيها قبل أكثر من خمسين سنة حينما جئت إليها صحبة أبي للعمل في ورشة لشق طريق في القرية. تلك هي أول مرة أجتاز فيها طريق القرية بعد سنوات طويلة. دخلنا قرى أخرى من بينها كفر نعمة التي زرتها مرة واحدة حينما كنت مدرساً في قرية خربثا بني حارث. زرتها ونمت فيها ليلة واحدة بعد عودتنا من رحلة مدرسية إلى طولكرم وجنين. وفي الصباح عدنا ركضاً في اتجاه خربثا حينما سمعنا هدير الماء في وادي الملاكي الذي يفصل خربثا عن كفر نعمة. كنا في فصل الربيع، وكانت أمطار غزيرة قد هطلت على أماكن بعيدة ، ومن ثم تجمعت مياه الأمطار في سيل جارف كاد يهدد حياة بعض التلاميذ ممن كانوا معنا في الرحلة.
وصلنا الوادي الذي كانت المياه الهادرة تصخب فيه. كان بعض التلاميذ قد قطعوا الوادي قبل أن تصل المياه. طلبنا من بقية التلاميذ أن يبقوا حيث هم دون المجازفة بقطع الوادي الذي كانت تتدفق فيه مياه الأمطار بعرض عشرة أمتار. حاولت قطع الوادي، ثم تراجعت بعد أن لاحظت شدة التيار. لو أنني غامرت ومضيت لربما جرفني السيل وغرقت.
وصلنا قرية بلعين. كان هناك في مقر النادي: أحمد سمارة، أبو علاء منصور، عزمي الخواجا، منير فاشة، وفاطمة حمد. تحدثنا عن غسان وعن مزايا أدبه وعن مزاياه باعتباره مناضلاً وأديباً. حييت المقاومة السلمية التي يخوضها أهالي بلعين ضد جدار الفصل. زرنا بيت أحمد سمارة وشربنا القهوة هناك. زرنا طرف الجدار وتوقفنا هناك. رصدتنا كاميرات المراقبة. بعد وقت جاء مجند ومجندة لمراقبة الموقف.
انصرفنا بعد وقت. كانت قرية خربثا على مسافة قريبة. فكرت بزيارتها بضع دقائق، لكن مضي الوقت، وقرب حلول المساء، جعلني أعدل عن الفكرة. عدنا إلى جبل المكبر في الساعة التاسعة مساء.

