- 26 تموز 2026
- ثقافيات
بقلم : طارق السيد *
إن المتتبع لحال الحركة المسرحية الفلسطينية عامة والمقدسية بشكل خاص، تتبادر الى ذهنه عاصفة من الاسئلة التي تثير الكثير من الحيرة والدهشة والاستغراب في ان واحد ومنها:
لماذا توجد أزمة في النصوص المسرحية على زعم بعض المسارح ؟
هل السبب هو عدم وجود كتاب مسرحيين على مستوى عالي ؟
أم أن تقنيات الكتابة المسرحية بحاجة لصقل مواهب بشكل احترافي اكثر ؟
ككاتب مسرحي سمعت هذه العبارات وتلك الأسئلة وهي تتطاير في سماء عالمنا المسرحي، البعض يزعم بأنه لا يوجد كتاب مسرح مبدعين ولا حتى اقل ابداعا ، البعض الاخر يفضل النصوص الاجنبية المترجمة معتبرين أن الأعمال المستوردة ( الخواجتية ) أكثر قوة وبلاغة على حد اعتقادهم ، بل وصل الامر ان بعض المسارح المحلية لا تنتج أي عمل إلا إذا كان مستوردا ( وممولا) ثم يتم صبغه بأعداد محلي مع الإبقاء على الاسم الأبرز هو الكاتب الأجنبي الذي يكون من خارج الإطار المحلي والاغلب قد يكون أوروبيا .
صحيح أن الهموم المجتمعية لشعوب الأرض تكاد تكون متشابهة في بعض زواياها ومختلفة في التفاصيل ، لان المشاعر الإنسانية من حب وكراهية وقهر واستغلال والشعور بالرضا أو بالغضب هي مشاعر لا تختلف بين قطبي الكرة الأرضية ، لكن لكل شعب موروثه الذي يمكن أن يخيط منها الحكايا، فعندما صنع الاخوين (جرين ) قصصهما التي ظهر قسم كبير منها على خشبة المسرح ، كانت تعبر عن قصص حتى لو فنتازيا، لكنها بطعم ونكهة البلاد التي نسجوا منها تلك الحكايا ونجحوا في أن تترجم على خشبات أعظم المسارح .
بالنسبة لنا أرى انتاجات خجولة بأقلام محلية ، لقد شاهدت العشرات من الأعمال الجميلة التي تم عملها واخراجها بشكل متقن، ورغم ذلك لا زلت أعتقد أنه يمكننا أن نصنع أيضا باقلامنا مسرحيات من واقع انسانيتنا المميز ، ومعاناتنا التي لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية. حتى قصص الأطفال تعتمد على قصص أطفال أجنبية رغم وجود الكثير في الموروث الشعبي لأطفالنا ، وهنا يطرح السؤال : لماذا لا توجد كتابة محلية بغزارة الاختيارات العالمية ؟
في بعض الأحيان تكون شروط الممول صاحب الكلمة العليا في العمل الفني والمسرحي تحمل أجندة مشروطة لهذا التمويل ربما الهدم منها هو هيمنة ثقافية او اشياء اخرى اعمق، البعض لا يعتقد أن المسرح المحلي يلبس ثوب الثقافة إلا إذا تم تطريزه بخيوط من الخارج المستورد المهيمن البعيد عن ثقافتنا وتاريخنا وموروثنا .
بعض المسارح تعتمد نهج ورشات الكتابة فيقوم الممثلون مثلا بطرح الأفكار تتطور لاحقا الى النصوص وتنضج ويتم معالجتها درامية ليتم انتاجها كعمل مسرحي متكامل .
في محاولة منا للاجابة على هذه الاسئلة الباحثة عن اجابات شافية تجدنا أمام بعض الاسئلة اكثر من الأجوبة مثل سؤال التمويل ، وسؤال اين رؤية الإدارة المسرحية للحركة الفنية الفلسطينية ؟ ام رغبة البعض في التغريد خارج السرب من خلال النصوص الخارجية المقولبة في قوالب خاصة لا تناسبنا؟ أم هي الأجواء الثقافية التي يعيشها مجتمعنا عامة وطبقة المثقفين خلف كواليس بعض المسارح ؟
نحن نعتقد ان هناك الكثير من القصص التي يمكن أن تروى على شكل مسرحيات هادفة ، والكثير من الأقلام الشابة التي يجب أن تحظى بفرص الاهتمام والرعاية ، ناهيك عن الموروث الشعبي الغني والغزير .
يمكن لاقلامنا الشابة ان ترسم البسمة ، وأن تمسح الدمعة ، وأن تأخذنا الى الفنتازيا والجنون اللا متناهي من الإبداع ، يمكن للمسارح أن لا تكتفي فقط بإعداد الممثلين بل أيضا بأعداد من الكتاب المحترفين بالمسرح والمخرجين ، وكي أكون منصفا فمن خلال تجربتي هناك بعض إدارات المسارح التي تشرفت شخصيا بالعمل معهم في الكتابة كانوا من الغيورين على مسألة الكتابة المسرحية المحلية ودعم الكاتب المسرحي المحلي.
لقد خلق المسرح ليكون مراة لنا ، يجب أن يكون متنوعا ويراعي جميع الاذواق بنكهتنا وبهارتنا وحتى ( القدحة ) بالمفهوم المقدسي التي تشكل في النهاية الطبخة الفنية المسرحية الراقية التي تراعي أذواقنا وتاريخنا وأن لم يكن المسرح موجها للناس البسطاء المخلصين الباحثين عن الفن الراقي الذي يروى حكايتهم لا حكاية غيرهم …
.لنكتب مسرحا يحكي قصصنا لأن خشبة المسرح هي متنفسنا في زمن الاوكسجين المفقود
• كاتب مسرحي وسيناريست

