• 26 آب 2026
  • ثقافيات

بقلم : كمال ابو حلاوة*

في الحركة التشكيلية الأردنية مشكلة لا نتحدث عنها بما يكفي، وربما نتجنب الحديث عنها لأننا جميعاً نعرف أسماءها ووجوهها وتفاصيلها: عدد المقتنين محدود، ومع ذلك نصرّ على التعامل معهم وكأنهم لا يفهمون شيئاً!

المقتني الأردني ليس رقماً في دفتر مبيعات، وليس جيباً مفتوحاً ينتظر أن نضع فيه أي شيء ونخبره بأنه «عمل مهم لفنان كبير». هو إنسان لديه عين وذائقة وعقل، وقد يختلف معك في تقييم العمل، لكنه ليس ساذجاً إلى الدرجة التي يعتقدها البعض.

والأغرب أن بعض من يقدّمون أنفسهم بوصفهم «كبار الفنانين» بنوا جزءاً من حضورهم على المناصب والعلاقات والشهادات والألقاب، حتى أصبح المنصب أحياناً أهم من اللوحة، والشهادة أهم من التجربة، والعلاقة مع صالة العرض أهم من قيمة العمل نفسه. وكأننا أمام مسابقة في الألقاب لا أمام حركة فنية يفترض أن تقوم على الإبداع والتجربة والتجدد.

أما الشهادة الأكاديمية، مع كامل الاحترام لها، فلا تمنح صاحبها تلقائياً شهادة «فنان كبير». الفن لا يُقاس بعدد الأوراق المعلّقة على الجدار، بل بما يتركه الفنان على الجدار الآخر: أثره الحقيقي في العمل.

والأكثر طرافة أن تجد فناناً ينتج اللوحة نفسها عشرات ومئات المرات، يغيّر موقع العنصر قليلاً، يرفع هذا إلى الأعلى وينزل ذاك إلى الأسفل، يبدّل لوناً ويضيف تفصيلاً، ثم يعلن لنا أنه في كل مرة يقدم «تجربة جديدة». والحقيقة أن الجديد الوحيد أحياناً هو رقم اللوحة!

إذا كانت اللوحة الأولى قد قالت ما تريد قوله، فلماذا علينا أن نسمع الجملة نفسها ألف مرة؟

الفنان الحقيقي لا يخاف من أن يخرج من منطقته الآمنة. يبحث، ويجرب، ويفشل، ويعيد بناء تجربته. أما أن يجد الفنان وصفة نجحت مرة، فيقرر أن يعيش عليها ثلاثين عاماً، فهذه ليست بالضرورة استمرارية في التجربة؛ قد تكون ببساطة إجازة طويلة من البحث.

والأغرب أن بعض التجارب تبدو مألوفة إلى درجة أنك تشعر أنك رأيتها من قبل، ليس فقط عند الفنان نفسه، بل عند فنانين آخرين في العالم العربي وخارجه. العناصر ذاتها، التكوينات ذاتها، الموضوع ذاته، وأحياناً الروح البصرية ذاتها، وكأننا أمام «قالب جاهز» جرى إنتاجه محلياً.

وهنا نصل إلى قضية أكثر حساسية: العمل الذي يُبنى رقمياً ثم تضاف إليه معالجة لونية أو مادية يظل عملاً فنياً، ولا مشكلة في ذلك إطلاقاً. المشكلة ليست في التقنية؛ المشكلة في إخفائها.

قل للمقتني ببساطة: هذا العمل بدأ رقمياً، ثم عولج يدوياً، وهذه هي المادة المستخدمة، وهذه هي مراحل بنائه. انتهى الأمر. لماذا كل هذا الخوف من الحقيقة؟

الفنان لا يخسر شيئاً عندما يكشف آلية صناعة عمله؛ بل يكسب احتراماً ومصداقية. والمقتني من حقه أن يعرف ماذا يشتري، تماماً كما يعرف عندما يشتري أي منتج ذي قيمة: كيف صُنع؟ من ماذا؟ وما الذي يجعله أصيلاً ومختلفاً؟

أما أن نبيع له العمل باعتباره شيئاً آخر، ونتركه يكتشف الحقيقة لاحقاً، فهذه ليست شطارة تسويقية؛ هذه إهانة لعقل المقتني.

والجاليري هنا ليس بريئاً من المسؤولية. صالة العرض ليست مجرد وسيط بين الفنان والزبون. إنها جزء من صناعة الثقة. وإذا كانت تعرف كيف صُنع العمل، فعليها أن تكون واضحة في تقديمه. لأن الجاليري الذي يبيع اليوم عملاً بأي طريقة، قد يخسر غداً المقتني نفسه، وعندما نخسر المقتني في بلد محدود عدد المقتنين فيه أصلاً، فنحن لا نخسر زبوناً واحداً؛ نحن نضرب فكرة الاقتناء نفسها.

نحن في الأردن بأمسّ الحاجة إلى صناعة مقتنين جدد، لا إلى استنزاف المقتنين الموجودين.

نحتاج إلى أن نعلّم المجتمع لماذا يقتني العمل الفني، وكيف يقرأه، وما معنى أن يمتلك عملاً أصيلاً، وما الفرق بين الفنان الذي يبحث ويتطور والفنان الذي يعيد تدوير نفسه، وما الفرق بين العمل اليدوي، والعمل الرقمي، والعمل المركب، والطباعة، والمعالجة المختلطة.

نحتاج إلى بناء ثقافة اقتناء حقيقية لدى النخبة الاقتصادية القادرة على الاستثمار في الفن، لا أن نتعامل معها باعتبارها خزينة متنقلة.

والسؤال الذي يجب أن يزعجنا جميعاً هو: ماذا سيحدث إذا توقف المقتني عن الشراء؟

هل سنكتشف عندها أن المشكلة لم تكن في ذائقته، بل في الطريقة التي تعاملنا بها معه؟

المشهد التشكيلي لا يكبر بكثرة المعارض والصور المنشورة والألقاب الرنانة. يكبر عندما يصبح هناك فنان صادق مع تجربته، وجاليري صادق مع فنه، وناقد صادق مع قراءته، ومقتنٍ يثق بأن ما يدفعه يذهب إلى عمل يستحق.

أما الاستغفال، مهما لبس من بدلات أنيقة، ومهما حمل صاحبه من ألقاب وشهادات، ومهما وقّع خلفه جاليري فاخر، فإنه يبقى استغفالاً.

والفنان الذي يحتاج إلى خداع المقتني كي يبيع لوحته، ربما عليه أن يسأل نفسه سؤالاً بسيطاً جداً:

هل المشكلة في المقتني الذي لم يفهم اللوحة، أم في الفنان الذي لم يعد لديه ما يقوله؟

لقد حان الوقت لأن نتوقف عن صناعة «كبار» لا تكبر أعمالهم معهم، وأن نبدأ بصناعة فنانين حقيقيين، ومقتنين حقيقيين، وسوق فني يحترم الاثنين.

بالاقتناء ليس عملية بيع وشراء فقط؛ إنه استثمار في ذاكرة الفن.

وإذا أردنا لهذه الذاكرة أن تبقى، فعلينا أولاً أن نتوقف عن الكذب عليها.

 

*فنان معروف وصاحب جاليري اللويبدة في عمان