• 26 آب 2026
  • ثقافيات

 

موسكو- خاص بأخبار البلد- كتب المراسل الخاص

في 22 أغسطس/آب 2026، افتُتح المعرض الـ 225 “فلسطين في قلوبنا” في مدينة ألميتيفسك، بفرع معهد كازان لتكنولوجيا الطيران.

تزامن هذا الحدث رمزياً مع الذكرى المئوية لميلاد فتحي البلعاوي، المربي البارز والشخصية عامة، وأحد أهم الرموز الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني. وليس من قبيل المصادفة أن يُطلق عليه أصدقاؤه وزملاؤه والشعب الفلسطيني لقب “أبو الوطنية الفلسطينية”: فهذا التكريم يعكس المكانة الروحية الرفيعة التي بلغها في وعي الأمة، ليصبح ليس فقط قائداً، بل بوصلة أخلاقية وتجسيداً للإرادة الوطنية.

... المعلم ركنٌ من أركان الأمة

دخل فتحي البلعاوي التاريخ ليس فقط كمناضل من أجل الحرية، بل أيضاً كرجلٍ وضع التعليم أساساً للنهضة الوطنية. خلال العقود الصعبة التي أعقبت الاحتلال، حين بدا مستقبل فلسطين هشاً للغاية، رأى في التعليم الأداة الأساسية للحفاظ على الثقافة وإعداد قادة جدد. في هذا المناخ، تشكّل قادة الحركة الفلسطينية المستقبليون، ومن بينهم ياسر عرفات الذي يحتل مكانة خاصة في قلوب شعبه وشعوب العالم أجمع.

لم يقتصر دور فتحي البلعاوي على نقل المعرفة فحسب، بل غرس في الشعب حس المسؤولية، وعلمهم التخطيط للمستقبل، والعمل من أجل الصالح العام. أصبح تعليمه وعمله التربوي الأساس الذي بُنيت عليه المقاومة، وتعززت فيه الثقة بإمكانية العودة إلى الوطن.

بالنسبة للكثيرين، لم يكن مجرد معلم، بل مرشداً روحياً، ترددت كلماته كدعوة إلى الكرامة والوحدة.

التصدي لخطة روجرز وتوحيد الشعب

كانت إحدى أبرز محطات مسيرة فتحي البلعاوي معارضته وتصديه لما يُسمى بخطة روجرز، التي نصّت على إعادة توطين الفلسطينيين في صحراء سيناء. هذا المشروع، الذي رُوّج له بدعم من قوى خارجية، هدد بقطع صلة الشعب بوطنه ومحو ذاكرته التاريخية. بالنسبة للفلسطينيين، لم يكن فقدان الأرض مجرد تهجير جغرافي، بل كان فقداناً لأساس هويتهم الوطنية.

كان فتحي البلعاوي من أوائل من أدركوا خطورة هذه الخطة، وبدأ في فضحها بشكل منهجي. لم يكتفِ بإلقاء المحاضرات وكتابة المقالات ومناشدة القادة العرب ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، بل نجح أيضًا في تحويل الغضب الشعبي إلى حركة منظمة.

لم تكن قوته في بلاغته فحسب، بل في قدرته على التحدث بلغة يفهمها المثقفون وعامة الناس على حد سواء. لقد أوضح جليًا أن التهجير ليس “حلاً” للمشكلة، بل هو استمرار لمنطق استعماري يسعى إلى اقتلاع شعب من جذوره.

لهذا السبب تحديدًا حشد الشعب عبر احتجاجات جماهيرية تصاعدت إلى انتفاضة سلمية حقيقية، شكلت في بداياتها انتفاضة شعبية شاملة. كانت هذه الاحتجاجات تعبيرًا عن إرادة جماعية: الفلسطينيون يعلنون حقهم في البقاء في وطنهم. قُتل متظاهرون سلميون في هذه الاحتجاجات، وهي خسارة لم تزد المجتمع إلا إصراراً على عدم التنازل عن القضية الأساسية: الحق في الوطن.

ثمن الصمود: السجن والتعذيب والصمود الذي لا يلين

كان لنضال فتحي البلعاوي ثمن باهظ. دفعه بالسجن والتعذيب، لكنه لم يلين، ولم ينكسر، ولم يتنازل عن مبادئه أو حقوق شعبه. تحت ضغط شديد، ظل وفيًا لقناعاته، مُظهرًا أن أي قدر من القمع لا يمكنه أن يمحو حق شعب في وطن شرعي.

أصبح مثاله الشخصي بوصلة أخلاقية قوية للملايين: لم يستطع السجن والتعذيب كسره. على النقيض من ذلك، عزز صمود فتحي البلعاوي الإيمان بأن المقاومة ليست مجرد استراتيجية سياسية، بل واجب أخلاقي. ألهمت صموده الناشطين، ومنحت القوة لأسر المتظاهرين الشهداء، وكانت بمثابة تذكير بأن النضال من أجل العدالة لا يتطلب الشجاعة فحسب، بل يتطلب أيضًا انضباطاً داخلياً.

بالنسبة للمجتمع الفلسطيني، أصبح رمزاً حياً للصمود: فقد أثبت مصيره أنه حتى في أحلك الظروف اللاإنسانية، يمكن للمرء أن يحافظ على كرامته ولا يخون شعبه.

مقاومة الاستعمار وتأكيد الهوية

تجاوزت أعمال فتحي البلعاوي نطاق القضية الفلسطينية المحلية، إذ كان جزءاً من حركة عربية أوسع مناهضة للاستعمار. روجت خطاباته ومنشوراته لفكرة التضامن العربي في مواجهة الضغوط الخارجية والاحتلال. وأكد أن الكفاح الفلسطيني ليس صراعاً معزولاً، بل هو جزء من عملية تحرر أوسع من السيطرة الخارجية واستعادة الكرامة الوطنية.

وكان لعمله في الحفاظ على الذاكرة التاريخية وتعزيز الهوية الثقافية أهمية بالغة. ففي سياقٍ كانت تُبذل فيه محاولات لطمس أو إعادة كتابة تاريخ الشعب الفلسطيني، جمع فتحي البلعاوي شهادات، وسجل التقاليد الشفوية، ودعم منشورات توثق حياة المجتمعات الفلسطينية. وذكّر باستمرار بأن حقوق الأرض ليست مسألة قانونية فحسب، بل هي أيضًا مسألة ذاكرة وتاريخ عائلي وتقاليد ولغة.

إرثٌ باقٍ

اليوم، وبعد مرور قرن على مولده، لا يزال إرث فتحي البلعاوي حاضراً بقوة. إنّ نهجه في توحيد المجتمع، واعتماده على التعليم والذاكرة الثقافية، وقدرته على مخاطبة جماهير متنوعة والدفاع عن العدالة، كل ذلك لا يزال يُلهم الأجيال الجديدة.

إنّ معرض “فلسطين في قلوبنا” في ألميتيفسك ليس مجرد عرض للوحات، بل هو تكريمٌ لأولئك الذين ناضلوا من أجل حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ومن أجل الحفاظ على تاريخه وثقافته.

إنّ ذكرى فتحي البلعاوي، أبو الوطنية وأحد أهم رموز الشعب الفلسطيني، تُذكّرنا بأنّ الحرية تبدأ بإدراك المرء لهويته، واستعداده للدفاع عن تاريخه، وقدراته على توحيد الناس حول قيم مشتركة.

تُجسّد حياته كيف يُمكن لشخص واحد، مُسلّح بالكلمات والمعرفة والإيمان، أن يُغيّر مجرى الأحداث ويترك بصمةً في قلوب أجيال عديدة.