- 20 آب 2026
- في إيتلية
بقلم : مالك زبلح
شرعت إسرائيل في بناء جدار الفصل العنصري عام 2002، وسرعان ما تجاوز أثره شقّ الجغرافيا الفلسطينية إلى إعادة تشكيل المكان والحركة والحياة اليومية. فقد عزل القرى عن أراضيها، وفصل المدن عن امتدادها الطبيعي، وحوّل الطريق بين البيت والعمل أو المدرسة أو المستشفى إلى حواجز وتصاريح وانتظار طويل. ولم يعد أثره محصوراً في الأرض، بل امتد إلى إحساس الفلسطيني بالمسافة والزمن، وإلى علاقته بجسده وذاكرته ومحيطه الإنساني.
جاء الفن الفلسطيني الحديث من قلب تجربة النكبة والاقتلاع واللجوء والاحتلال والاستيطان. ولم يكتفِ الفنانون بتسجيل هذه الوقائع، بل حوّلوا الأرض والمرأة والزيتون والثوب والقرية والقدس إلى مفردات بصرية تحمل الذاكرة والانتماء والصمود في مواجهة محاولات المحو.
تقع تجربة سليمان منصور في قلب هذا المسار. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، بنى معجماً بصرياً فلسطينياً يستمد عناصره من الأرض والقرية والقدس والثوب والتطريز والزيتون والبرتقال. وعندما فُرض الجدار على المكان، فرض على تجربته سؤالاً فنياً وأخلاقياً جديداً: كيف يمكن تصويره وكشف قبحه من دون تحويله إلى مشهد جذاب أو سطح مألوف؟
لم يتعامل منصور مع الجدار بوصفه موضوعاً سياسياً مجرداً، بل رآه بنية تتدخل في تفاصيل الحياة وتعيد تنظيم علاقة الإنسان بالمكان، لذلك انشغلت أعماله بما يفعله الجدار أكثر من انشغالها بمظهره الخارجي، ومن «الجدار» عام 2005 إلى «التحرر» و«الطريق إلى بيت لحم» عام 2021، تتغير صورة الحاجز، لكن أثره يبقى حاضراً، فهو يمنع اللمسة، ويعزل الأجساد، ويقتحم الحقول، ويعيد رسم الخرائط، ويحاصر الوطن والطريق والذاكرة.
إبقاء الجدار على بشاعته
ليست عبارة «اتركه قبيحاً كما هو» اقتباساً حرفياً عن سليمان منصور، بل صياغة تأويلية تختصر موقفه من تحويل الجدار إلى مساحة فنية جذابة، ففي حديث إلى صحيفة «البيان» عام 2015، رأى أنه "لا يجدر أن يتحول إلى جدارية فنية كبيرة، ويجب أن يظل على بشاعته مستفزاً للمشاعر الإنسانية"، فالفن الذي يقصد مقاومة الجدار قد يمنحه، من دون أن يقصد، وجهاً جميلاً يخفف من صدمته، ويجعله مع مرور الوقت خلفية بصرية مألوفة.
لكن هذا الموقف لا يعني إخراج الجدار من الفن أو تجاهل وجوده، بل يدفع إلى التفكير في الموقع الذي يحتله داخل العمل:
هل يوضع الفن على سطحه فيمنحه قيمة جمالية جديدة، أم يُنقل الجدار إلى داخل اللوحة ليصبح موضعاً للنقد والمساءلة؟
اختار منصور الطريق الثاني. لم يحصر الجدار في شكل واحد، بل قدّمه مرةً كتلة صريحة، ومرةً ألواحاً تفصل بين الشخصيات، ثم حوّله إلى خط يلتف حول الأرض، وممر يحاصر الحشود، وحاجز يفصل المكان عن ذاكرته، وهكذا انتقل اهتمامه من شكل الجدار إلى أثره في اللمسة والجسد والحقل والخريطة والطريق والزمن.
حين يمنع الجدار اللمسة
تظهر هذه الفكرة بوضوح في «الجدار»، وهو عمل رقمي أنجزه منصور عام 2005، واستعار فيه اليدين المتقاربتين من لوحة «خلق آدم» لمايكل أنجلو. تكاد اليدان في اللوحة الأصلية تتلامسان، وتحمل المسافة الصغيرة بينهما وعداً بالخلق والحياة. أما في عمل منصور، فيدخل الجدار بينهما ويمنع اكتمال اللمسة.
أبقى الفنان ثقوب الخرسانة وفواصل ألواحها ظاهرة، ووضع الحجارة والتراب في مقدمة المشهد، فيما حجبت الكتلة الصماء البيوت الواقعة خلفها، تبدو اليدان رقيقتين أمام ثقل الجدار، فتتحول المسافة بينهما من توتر جمالي إلى منع سياسي.
وتكمن أهمية العمل أيضاً في صيغته الرقمية، فالفنان لا يحوّل الجدار الحقيقي إلى جدارية، بل يُدخل صورته إلى العمل الفني ليجعل وظيفته موضع مساءلة، وهكذا ينتقل السؤال من: كيف يبدو الجدار؟ إلى: كيف يعزل الناس ويمنع تواصلهم؟
تتسع الفكرة في «بين أجزاء الجدار»، 2009، حيث يتفتت الحاجز إلى ألواح وكتل تتوزع بين الشخصيات، تظهر الأجساد داخل المستطيلات أو خلفها أو عند أطرافها، وعلى الرغم من تقارب الأشخاص، لا يبدو أنهم يشكلون جماعة، لأن لكل جسد حيزه المنفصل، وكأن الجدار انتقل من الجغرافيا إلى الإنسان نفسه.
تنظم الألواح مساحة اللوحة، لكنها تستعيد أيضاً منطق الحاجز الذي يصنف الناس ويفصل مساراتهم، تظهر بعض الشخصيات كاملة، بينما تحجب الحواف أجزاء من أجساد أخرى، فيصبح الإخفاء جزءاً من المعنى. ويتكرر هذا المنطق في عمل من «سلسلة القدس»، حيث تتوزع الشخصيات داخل مساحات مستطيلة متفاوتة، وكأن المدينة لم تعد فضاءً جامعاً، بل مجموعة من الأمكنة والأزمنة المنفصلة.
وفي «العبور» 2009، تتراص الحشود خلف قضبان وبين فتحات ضيقة، بينما تدفعها الكتل نحو أسفل المشهد، وعلى خلاف ما يوحي به العنوان، لا يصور العمل وصولاً إلى الجهة الأخرى، بل لحظة معلقة يتحول فيها الطريق إلى ترقب وعدم يقين.
أما في «عند الجدار»، 2009، فتقف طفلة أمام كتلة تكاد توازي حجمها، فيما تتوزع الشخصيات خلفها داخل ألواح منفصلة. يطوق المكعب الموجود أمامها والمستطيلات الواقعة خلفها جسدها الصغير، فيتحول الفضاء المحيط بها إلى حدود مغلقة.
وفي «عند نقطة التفتيش»، 2009، يدخل الجندي إلى المشهد، يقف في مساحة واضحة، بينما تبدو بقية الأجساد كأنها صور معلقة داخل إطاراتها، وهنا لا يعود الجدار فاصلاً بين مكانين فقط، بل يصبح أداة لتنظيم حركة الناس ووجودهم، وتحديد الكيفية التي يُسمح لهم بالظهور بها.
من الجسد إلى الحقل والخريطة
لا يظهر أثر الجدار في حركة الأجساد وحدها، ففي «حقل زيتون» 2009، تدخل الألواح إلى المشهد الزراعي، وتتجاور الشخصيات المعزولة مع صفوف الأشجار. الأرض حاضرة، وصاحبها حاضر، لكنهما لا يجتمعان في مساحة واحدة، فقد دخل الجدار بينهما، وحوّل العلاقة الطبيعية بالحقل إلى علاقة تحتاج إلى عبور وإذن.
وفي «حقل الزيتون»، 2011، تتحول الرقعة المزروعة إلى جزيرة داخل محيط رمادي. تنتظم الأشجار فوق مصاطبها، بينما يظهر برج مراقبة صغير في الأفق. وعلى الرغم من صغر حجمه، يعيد البرج تعريف المشهد كله. لا تظهر ألواح الجدار، لكن وظيفتها تبقى حاضرة في النتيجة: أرض موجودة، لكنها مفصولة عن امتدادها وعن أصحابها.
ثم تتسع الرؤية من الحقل إلى الخريطة في «مشهد طبيعي غير مؤكّد 1»، 2009، و«مشهد طبيعي غير مؤكّد 2، الرام»، 2009. ينظر منصور إلى المكان من أعلى، فتبدو البيوت والطرق والحقول مثل خلايا صغيرة، قبل أن يدخل الجدار خطاً يلتف حول العمران ويخترق الأرض من دون أن يراعي طبيعتها أو علاقات أهلها بها.
في «مشهد طبيعي غير مؤكّد 1»، تكاد المدينة تذوب في درجات الرمل، وتطوقها خطوط فاتحة تفصلها عن امتدادها. يوحي الهدوء اللوني بأن الحصار أصبح جزءاً من هيئة المكان، لكن التأمل يكشف أن ما يشبه الحافة ليس إلا مساراً يعيد تقسيم الجغرافيا. أما في «مشهد طبيعي غير مؤكّد 2، الرام»، فتبدو الأرض أكثر حياة وتتنوع ألوانها، لكن الخط الداكن يظل العنصر الأكثر حسماً، يلتف حول البناء والزراعة، وينتج جيوباً ومساحات معزولة، فالخط الذي يبدو على الخريطة مجرد حد يتحول في الحياة إلى طريق مقطوع، وأرض محاصرة، ووقت مهدور.
الوطن والطريق المحاصران
تظهر هذه الرؤية بكثافة في «الوطن»، 2010. تحتل الكتل العمودية معظم مساحة اللوحة، وتفتح بينها ممرات سوداء حادة، بينما تتراص الحشود في الأسفل خلف خطوط أفقية. لا يرسم منصور مشهد اعتداء مباشر، لأن التكوين نفسه يحمل معنى العنف. تبدو الكتل شاهقة، فيما تتضاءل الأجساد أمامها، ولا يقود المنظور إلى أفق مفتوح، بل إلى عتمة تتعمق نحو الداخل.
ومع ذلك، تبقى الرؤوس مرئية، يصغّر الجدار الإنسان، لكن اللوحة ترفض محوه، ويحمل عنوان «الوطن» مفارقة مؤلمة، فالوطن الذي يفترض أن يكون فضاءً للانتماء والحركة أعيد تنظيمه إلى ممرات وصفوف وحواجز.
لا يقف الجدار عند حدود الوطن، بل ينفذ إلى داخله ويعيد تنظيم حركة أهله. وهنا تنتقل معالجة منصور من عزلة الفرد إلى حصار الجماعة، ومن أثر الحاجز في تفاصيل الحياة اليومية إلى أثره في معنى الوطن نفسه.
ويمنح منصور الجدار بعداً إنسانياً وروحياً في «حاجز»، 2013. تظهر أم تحمل طفلها داخل فتحة ضيقة بين كتلتين. تستدعي هيئة الأم والطفل ملامح من الأيقونة المسيحية، لكن المشهد المقدس انتقل إلى مكان محاصر. يضغط الجدار على جانبي الجسد، فيما يبدو الثوب المطرز أكثر دفئاً أمام برودة الكتلتين.
لا تستطيع الأم إزالة الجدار، لكنها تنشئ داخل فتحته مساحة للحماية. تصبح ذراعاها حول الطفل جداراً إنسانياً مضاداً، جداراً لا يعزل الآخر، بل يصونه. وهكذا تتقابل في المشهد وظيفتان متناقضتان: سلطة تفصل وتحاصر، وعاطفة تجمع وتحمي.
وفي «الطريق إلى بيت لحم»، 2021، يضع منصور زمنين في مواجهة مباشرة. يقف أربعة جنود مسلحين في المقدمة قرب جدار تعلوه نقطة مراقبة، بينما تظهر العذراء والطفل داخل الممر المؤدي إلى البلدة. الحاضر العسكري قريب وكبير، فيما تبدو الحكاية المقدسة بعيدة وصغيرة.
لا يفصل الجدار بين القدس وبيت لحم فحسب، بل يفصل المكان عن ذاكرته التاريخية والروحية. تظل العذراء والطفل مرئيين، لكن الوصول إليهما محاصر. فالمكان موجود أمام العين، لكنه غير متاح للجسد. وبذلك لا يعطل الجدار الحركة في الحاضر وحده، بل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بتاريخ المكان ومعناه.
تخيّل العبور
يقابل منصور صلابة الجدار بحركة الجسد في لوحة «التحرر» 2021. يظهر الرياضي في لحظة القفز، ويرسم بجسده والزانة خطاً متحركاً في مواجهة الخط الأفقي الثابت للحاجز. لا ينهار الجدار ولا يختفي، لكن الجسد يرفض الخضوع الكامل لمقياسه.
لا يقدّم العمل انتصاراً سهلاً، ولا يوحي بأن حركة فردية قادرة على إزالة منظومة سياسية كاملة، بل يستعيد في المخيلة ما صادره الجدار من تفاصيل الحياة اليومية، وفي مقدمتها إمكان العبور. فالفن لا يهدم الجدار مادياً، لكنه يرفض التعامل معه بوصفه قدراً نهائياً،
وبذلك تكمل لوحة «التحرر» المسار الذي بدأه سليمان منصور في عمله «الجدار» عام 2005، ففي العمل الأول مُنعت اللمسة، بينما يستعيد الجسد حركته في العمل الثاني. وبينهما يمتد أثر الجدار إلى الأجساد والحقول والخرائط والحشود والطرق. ومع أن صلابته تبقى قائمة، تنتقل لغة منصور البصرية من كشف ما يصادره الجدار من تواصل وحركة، إلى تخيّل ما لا يستطيع مصادرته نهائياً: الرغبة في اللقاء والوصول.
تكشف هذه الأعمال أن موقف سليمان منصور يتجاوز المفاضلة بين الرسم على الجدار أو الامتناع عنه، فالمسألة تتعلق بموقع الجدار داخل الفن: هل يتحول إلى سطح جذاب يمكن التعايش معه، أم يبقى موضوعاً للنقد وكشف الأثر؟
لم يجعل منصور الجدار جميلاً كي نراه، ولم يتركه خارج اللوحة كأنه غير موجود، أدخله إلى اللوحة بوصفه موضع اتهام، ثم نقل مركزها إلى الإنسان والأرض والذاكرة، وبذلك لا تعني عبارة «اتركه قبيحاً كما هو» تركه بلا مساءلة، بل إبقاء جريمته مرئية، ومنع الفن من أن يتحول إلى ستار جمالي يخفف منها.
ملاحظة للقراء: للراغبين في الاطلاع على الأعمال الفنية التي يتناولها المقال بالتحليل، يمكن قراءة النسخة المصوّرة الكاملة عبر الرابط الآتي:
"اتركه قبيحاً كما هو": قراءة في معالجة سليمان منصور الفنية لجدار الفصل العنصري
والمصادر
- صحيفة «البيان»، «سليمان منصور: أرفض تحويل الجدار الفاصل إلى لوحة فنية»، 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2015.
- تينا شيرويل، Jerusalem: City of Dreams، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
- مؤسسة رمزي وسعيدة دلول الفنية، «سليمان منصور: الأعمال الفنية وبياناتها التوثيقية».
- الموقع الرسمي للفنان سليمان منصور.

