- 17 آذار 2026
- من اسطنبول
اسطنبول - أخبار البلد - قدم رئيس ملتقى الحوار التركي العربي ارشد هورموزلو التعازي باسم الملتقى لعائلة المؤرخ التركي المعروف ايلبر اورطايلي مؤكدا أن تركيا والعالم خسر واحدا من ابرز الوجوه الفكرية حيث ان اورطايلي يعد من أهم الباحثين المتخصصين في تاريخ الدولة العثمانية .
وكان السيد ارشد هورمولوز قد نقل لعائلة المؤرخ التركي تعازي صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبد العزيز، أمير منطقة عسير في المملكة العربية السعودية، وهو الآخر حفظه الله مثقف وباحث ممتاز في التاريخ وهذا نصها :
أستاذي وصديقي،
العالم والمؤرخ الكبير البروفيسور
إيلبر أورطايلي – رحمه الله –
بلغني اليوم، عبر صديقنا العزيز إرشاد هورموزلو، نبأ رحيلكم، وقد علم ما لكم في نفسي من تقديرٍ عميق ومكانةٍ . وما أقسى أن يُنادى التاريخ اليوم على أحد رجاله الكبار.
لقد عرفتكم معلمًا، واسع المعرفة، عميق النظر، يجمع بين صرامة الباحث ورهافة الإنسان. وقد لبّيتم دعوتي يومًا، رغم ما كانت تفرضه عليكم صحتكم من مشقة، فكان ذلك درسًا آخر في خُلُق العلماء، وفي أن الرسالة التي يحملونها أكبر من وهن الجسد.
وقد صدق ابن خلدون إذ قال: «فنّ التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشدّ إليه الركائب والرحال.»
ومنذ ذلك الحين نشأت بيننا علاقة قوامها الاحترام الفكري والمودة الصادقة. التقيت بكم مرارًا، مع نخبةٍ من العلماء، تارةً في أروقة الأرشيف العثماني حيث تنبض الوثائق بذاكرة القرون، وتارةً على مقربةٍ من قصر توبكابي حيث يقف التاريخ شاهدًا على تحولات الإمبراطوريات وتعاقب الحضارات.
وتوالت لقاءاتنا، وكان آخرها في إسطنبول قبل أشهر يوم حصولي على جائزة الإنسانية العالمية، حيث شرفتموني بحضوركم الكريم.
يومها شعرت أن صحتكم لم تعد كما عهدتها، غير أن هيبة العالم فيكم ظلت كما عرفتها دائمًا: وقارٌ يليق بمن عاش عمره بين صفحات الزمن. وكنت على موعد لزيارتكم في داركم في غاليبولي على مضيق الدردنيل ودور ذاك المكان في التاريخ الإنساني، غير أن مشيئة الله سبقت.
واليوم، برحيلكم، يفقد عالم التاريخ أحد أعمدته، غير أن العلماء – كما يعلمنا التاريخ نفسه – لا يغيبون تمامًا؛ فهم يمضون بأجسادهم، وتبقى أفكارهم حيّة في وجداننا.
رحمكم الله رحمةً واسعة،
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
أخوكم
تركي بن طلال بن عبدالعزيز
وكان المؤرخ ايلبر اورطايلي الذي توفي يوم الجمعة في أحد مستشفيات إسطنبول عن عمر ناهز ثمانية وسبعين عاماً بعد تدهور حالته الصحية أثناء تلقيه العلاج في قسم العناية المركزة يعد واحدا من أبرز الوجوة للحياة الثقافية والأكاديمية في تركيا، نظراً لدوره الكبير في نشر المعرفة التاريخية وتبسيطها للجمهور الواسع عبر مؤلفاته ومحاضراته وحضوره الإعلامي ، فلقد تركزت أبحاثه العلمية على تاريخ الدولة العثمانية وتاريخ الجمهورية التركية الحديثة، إضافة إلى دراسة موقع تركيا التاريخي والسياسي بين أوروبا والشرق الأوسط. عمل أورطايلي أستاذاً في عدد من الجامعات التركية المعروفة، حيث قام بتدريس التاريخ لسنوات طويلة وأسهم في تخريج أجيال من الباحثين.إلى جانب نشاطه الأكاديمي، تولى أورطايلي إدارة متحف قصر طوب قابي في إسطنبول بين عامي ألفين وخمسة ألفين واثني عشر.
وخلال فترة إدارته للمتحف عمل على تعزيز الاهتمام بالتراث العثماني وإبراز القيمة التاريخية للموقع الذي يعد من أهم المعالم التاريخية في تركيا.لم يقتصر تأثير أورطايلي على الدوائر الأكاديمية، بل أصبح شخصية معروفة لدى الجمهور التركي من خلال ظهوره المتكرر في البرامج التلفزيونية وكتاباته في الصحف.
وقد تميز بأسلوب مباشر وصريح في تناول القضايا التاريخية، كما نجح في تقديم موضوعات التاريخ العثماني بطريقة مبسطة جعلت هذه المرحلة التاريخية أكثر حضوراً في الوعي العام لدى المجتمع التركي
وبالنسبة لكثير من الأتراك، لم يكن أورطايلي مجرد مؤرخ أكاديمي، بل كان شخصية ثقافية لعبت دوراً مهماً في تعزيز النقاش العام حول الهوية التاريخية لتركيا ومكانتها بين الشرق والغرب.

