• 30 آب 2026
  • من اسطنبول

اسطنبول – أخبار البلد – كتب أحمد هيمت

يتشرف مكتب "أخبار البلد" في القدس بالإعلان عن اتفاق مع الصحفي والكاتب الفلسطيني جودت مناع، الذي يزور مدينة إسطنبول منذ فترة، لنشر مقالات أسبوعية خاصة تشكل في حقيقتها فصولاً من رواية "ظلال على البوسفور" وهي قيد الكتابة، تستلهم أجواء المدينة التي تُعد من أجمل مدن العالم وأكثرها سحراً، تلك المدينة التي تأسر قلوب زائريها منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها أقدامهم أرضها.

ونحن في "أخبار البلد" سعداء بهذه الثقة التي منحنا إياها الصديق الصحفي والكاتب المبدع جودت مناع باختيار منصتنا لنشر فصول روايته المرتقبة، والتي نأمل أن تجد طريقها إلى القراء قريباً.

وسيكون لقرائنا الأعزاء موعد أسبوعي متجدد مع هذه الفصول، التي تأخذهم في رحلة أدبية وإنسانية عبر شوارع إسطنبول وأحيائها وحكاياتها

والآن نترككم مع الحلقة الأولى.

 بقلم : جودت مناع

ثمة مدن ندخلها كما يدخل المسافر فندقاً عابراً، وثمة مدن تتسلل إلينا من حيث لا ندري، فتقيم في الذاكرة طويلاً، حتى يصبح الرحيل عنها نوعاً آخر من الإقامة. كانت إسطنبول من هذا النوع؛ مدينة لا تستقبلك عند أبوابها، بل عند منعطفات روحك، حيث تختلط الجغرافيا بالتاريخ، ويصبح البحر مرآةً للأزمنة التي مرت من هنا وتركت ظلالها على الماء.

وصلت إلى المدينة للمرة الأولى كما يصل صحفي أنهكته الأخبار، يحمل في حقيبته ما يكفي من الأسئلة والتوقعات، وفي قلبه ما يكفي من الحنين والشغف. كنت أظن أنني أعرف إسطنبول من كتب التاريخ وشاشات التلفاز وصور المساجد التي تعانق السماء، لكن المدينة كانت تخبئ وجهاً آخر لا يظهر للعابرين. وجهاً صنعته قرون من الفتوحات والهزائم، ومن قصص البحارة والمنفيين والعشاق والثوار الذين مروا من هنا وتركوا شيئاً من أرواحهم بين ضفتي البوسفور.

في الصباحات الأولى، كنت أراقب العبّارات وهي تشق صفحة الماء بين آسيا وأوروبا، كأنها تخيط قارتين بخيط من الضوء. وعلى الأرصفة كانت الوجوه تتدفق بلا انقطاع؛ لغات متعددة، وملامح جاءت من جهات الأرض الأربع، وأحلام صغيرة تبحث عن مكان لها في هذه المدينة التي اعتادت أن تكون وطناً مؤقتاً للجميع. هنا لا يبدو الغريب غريباً تماماً، ولا يشعر المقيم أنه مقيم إلى الأبد.

لكن ما شدني إلى إسطنبول لم يكن صخبها وحده، ولا أسواقها المزدحمة، ولا قبابها ومآذنها التي ترتفع فوق التلال السبع. كان هناك شيء أعمق يهمس من بين الحجارة القديمة. شيء يشبه الذاكرة. فكل شارع يقود إلى حكاية، وكل ميناء يخفي قصة رحيل، وكل جزيرة في بحر مرمرة تبدو وكأنها صفحة من كتاب لم يكتمل بعد.

كنت كلما سرت في أحيائها القديمة، تذكرت مدناً أخرى حملتها معي عبر السنوات. القدس التي لا تغيب عن القلب مهما ابتعدت المسافات، وعمان التي احتضنت عقدا من العمر، ومدناً كثيرة عبرتها كصحفي يطارد الأخبار والأحداث، ثم اكتشفت متأخراً أن الأخبار ليست سوى ظلال للحكايات الإنسانية الكبرى. فالحقيقة لا تسكن دائماً في العناوين العاجلة، بل في التفاصيل الصغيرة التي يتركها الناس خلفهم قبل أن يرحلوا.

في إسطنبول، وجدت نفسي أتعقب تلك التفاصيل وأتأملها. أتوقف أمام بيت مهجور في جزيرة "بويوك أدا" كان ذات يوم مأوى لثائر هز العالم، وأصغي إلى صمت جدرانه. أجلس في مقهى يطل على البوسفور فأسمع في هدير الأمواج أصوات إمبراطوريات سقطت، وأخرى ظنت أنها خالدة. أراقب صياداً يلقي شبكته في البحر، فأدرك أن المدن، مثل البشر، تعيش على الأمل أكثر مما تعيش على اليقين.

هذه ليست رواية عن إسطنبول وحدها، ولا عن البوسفور الذي يصل بين قارتين. إنها حكاية عن الذاكرة حين تبحث عن مأوى، وعن المنفى حين يتحول إلى وطن مؤقت، وعن البشر الذين يحملون أوطانهم في حقائبهم ويمضون. هي رحلة بين جزر بحر مرمرة وتلال المدينة وأسواقها وأحيائها القديمة، لكنها أيضاً رحلة في أعماق الذات، حيث تلتقي ظلال القدس بمياه البوسفور، وتتصافح الحكايات القادمة من الشرق مع أحلام العابرين إلى الغرب.

وحين فتحت إسطنبول أبواب ذاكرتها، اكتشفت أن البحر لا يحفظ السفن وحدها، بل يحفظ أيضاً أسماء الذين مروا من هنا، وأحلامهم المكسورة، وقصصهم التي لم تكتمل. ومن بين تلك الأمواج بدأت هذه الحكاية.

بين سماء عمّان وسماء إسطنبول...

لا أعرف على وجه الدقة متى تبدأ الرحلات. أهي لحظة شراء التذكرة؟ أم حين نغلق باب البيت خلفنا؟ أم عندما يلوّح لنا شخص عزيز مودعاً فنشعر أن شيئاً ما انقطع في الداخل؟

في كل مرة كنت أغادر مدينة أحببتها، كان ينتابني شعور بأنني لا أرحل وحدي. كانت الأمكنة ترافقني في حقائبي، والوجوه التي عرفتها تندس بين أوراقي، فيما تتسلل الذكريات خلسة إلى المقعد المجاور وكأنها مسافر آخر يحمل الاسم نفسه.

في صباح الرحلة إلى إسطنبول، بدا مطار الملكة علياء أقل ازدحاماً مما اعتدت أن أراه. ربما لأنني كنت مشغولاً بأفكاري أكثر من انشغالي بالمسافرين. جلست قرب النافذة أراقب الطائرات وهي تقلع الواحدة تلو الأخرى، وتذكرت مطارات كثيرة عبرتها خلال عقود من العمل الصحفي ؛ أمستردام، شارل ديغول، كندي، تونس، ميلان، مدريد وغيرها. مدن وحروب ومؤتمرات ومخيمات لاجئين وعواصم كانت تتصدر نشرات الأخبار ثم تتراجع إلى هوامش الذاكرة.

غير أن إسطنبول بدت مختلفة منذ البداية.

لم أكن ذاهباً لتغطية حدث سياسي، ولا لملاحقة خبر عاجل، بل للمشاركة في مؤتمر. كنت ذاهباً إلى مدينة سمعت عنها كثيراً، وقرأت تاريخها أكثر مما زرت شوارعها. مدينة حملت أسماء عديدة؛ بيزنطة، القسطنطينية، إسلامبول ثم اسطنبول، وعاشت أعماراً متعددة، حتى بدا كأنها لم تكن مدينة واحدة، بل مدناً متراكمة فوق بعضها بعضاً.

حين أعلن قائد الطائرة بدء الصعود، أخذت أنظر من النافذة إلى الأرض التي تبتعد شيئاً فشيئاً. انكمشت المباني والطرقات، وتحولت السيارات إلى نقاط صغيرة لا تكاد ترى. بعد دقائق كانت عمّان تستلقي تحت الغيوم كمدينة من حجر ولون ترابي، تحرسها التلال التي عرفت قصص سكانها وأسرارهم.

في ذلك الارتفاع، تصبح الحدود أقل وضوحاً. لا خطوط تفصل بين الدول، ولا حواجز، ولا أسلاك شائكة وما أكثرها في وطني فلسطين. الأرض تبدو قطعة واحدة، بينما ينشغل أهلها برسم الخرائط وتقاسم الأسماء والنزاع على المعاني.

أغمضت عيني للحظات.

حضرت القدس كما تفعل دائماً دون استئذان.

مدينة لا تحتاج إلى دعوة كي تدخل الذاكرة. تكفي إشارة عابرة أو اسم شارع أو رائحة حجر قديم حتى تستيقظ كاملة في القلب. تذكرت أزقتها وأسوارها ووجوه الناس الذين ما زالوا هناك يقاومون النسيان، فيما كنت أعبر السماء نحو مدينة أخرى تحمل بدورها أثقال قرون طويلة من المجد والانكسار.

بعد نحو ساعتين بدأت الطائرة تهبط تدريجياً.

فتحت النافذة فرأيت مشهداً لم أستطع أن أشيح عنه بصري.

بحر واسع يلمع تحت ذيول الفجر، وسفن صغيرة وكبيرة تشق مياهه في اتجاهات مختلفة، وخط أزرق طويل يمتد كأنه نهر خرج من قلب التاريخ ليقسم اليابسة إلى نصفين. كان ذلك أول لقاء حقيقي لي بالبوسفور.

بدا المشهد من الأعلى أقرب إلى لوحة رسمها فنان مولع بالتفاصيل. هنا أوروبا، وهناك آسيا، وبينهما الماء الذي جعل من إسطنبول مدينة لا تشبه غيرها. مدينة تقف بقدم في الشرق وأخرى في الغرب، لكنها تنتمي في النهاية إلى نفسها.

شيئاً فشيئاً اقتربت الطائرة من الأرض.

ظهرت المآذن والقباب والتلال المتعاقبة والأحياء الممتدة حتى الأفق. ومن خلفها كان البحر يواصل حضوره الطاغي، كأنه البطل الحقيقي للمشهد كله.

عند تلك اللحظة شعرت أنني لا أصل إلى مدينة جديدة، بل أدخل فصلاً جديداً من حياتي أجهل تفاصيله.

لم أكن أعلم أن وراء تلك المياه الزرقاء جزرًا تخفي حكايات المنفيين، وأن في أحد بيوتها الخشبية المهجورة عاش رجل اسمه تروتسكي يراقب العالم من منفاه، وأن في أحياء المدينة القديمة ما يكفي من القصص